ملخص
عكس إعلان كندا والمملكة المتحدة عزمهما الاعتراف بدولة فلسطينية بعد أسبوع من إعلان رسمي مماثل من فرنسا إحباطاً عميقاً من سلوك إسرائيل في الحرب على غزة، والتي أودت بحياة نحو 60 ألف فلسطيني وتركت نحو مليوني نسمة في حال من الحرمان الشديد والجوع.
مع انضمام كندا والمملكة المتحدة إلى ركب الدول المتعهدة بالاعتراف بالدولة الفلسطينية عقب المؤتمر الذي قادته السعودية وفرنسا في نيويورك لهذا الغرض، ومع اقتراب دول غربية بارزة أخرى من السير على هذا النهج، أبرزت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنيابها في محاولة لعرقلة هذه الجهود، حيث اعتبر الرئيس الأميركي أن موقف كندا من شأنه أن يجعل الاتفاق التجاري مع أوتاوا أكثر صعوبة، فلماذا تخشى واشنطن اتساع نطاق الاعتراف بالدولة الفلسطينية؟ وما الذي يعنيه ذلك للدور الأميركي؟
إحباط عميق
عكس إعلان كندا والمملكة المتحدة عزمهما الاعتراف بدولة فلسطينية بعد أسبوع من إعلان رسمي مماثل من فرنسا إحباطاً عميقاً من سلوك إسرائيل في الحرب على غزة، والتي أودت بحياة نحو 60 ألف فلسطيني وتركت نحو مليوني نسمة في حال من الحرمان الشديد والجوع، كما جاء رداً على تصرفات إسرائيل في الضفة الغربية، حيث أدى نشاطها العسكري هناك إلى نزوح الفلسطينيين بصورة جماعية هذا العام، وتوسعت خطط الاستيطان، وتصاعد عنف المستوطنين ضد الفلسطينيين.
ومع اعتماد غالبية الدول الغربية مواقف مغايرة عن إحجامها الطويل، واتجاهها إلى الاعتراف بدولة فلسطينية اعتقاداً منها أن الاعتراف سينتج يوماً ما عملية سلام تفاوضية، أصدرت 15 دولة غربية، بما في ذلك فرنسا وأستراليا وإيرلندا، بياناً مشتركاً تدعو فيه الدول الأخرى إلى الاعتراف بدولة فلسطين أو التعبير عن الرغبة في ذلك أو النظر في الأمر بصورة إيجابية قبل اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر (أيلول) المقبل، وهو ما يعد تحولاً بارزاً تولد بقدر كبير إثر الجهود التي بذلت خلال الأسابيع الماضية بقيادة سعودية – فرنسية وجسدها المؤتمر الأخير في الأمم المتحدة بقيادة البلدين في نيويورك للدعوة إلى إحياء حل الدولتين.
مقاومة أميركية
لكن الولايات المتحدة التي قاطعت مؤتمر نيويورك إلى جانب حليفتها إسرائيل ظلت منزعجة من تغير موقف حلفائها الواضح عن سياسة مشتركة قادتها واشنطن على مدى عقود، فبعد أيام من محاولة ترمب الاستخفاف بموقف نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون وادعائه بأن اعتراف باريس بدولة فلسطينية لا قيمة له، لم يتمكن الرئيس الأميركي من إخفاء حنقه من اقتفاء كندا والمملكة المتحدة أثر فرنسا، فسارع إلى تهديد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بأنه سيكون من الصعب إبرام اتفاق تجاري مع كندا بعدما أعلنت عزمها الاعتراف بدولة فلسطينية خلال الدورة الـ80 للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر إذا تم استيفاء شروط معينة، بيد أنه من السهل تفهم السبب وراء القلق الأميركي المتزايد من ابتعاد الحلفاء الغربيين عن التحالف اللصيق بين إسرائيل والولايات المتحدة، فالإدارة الأميركية تفضل الحديث دائماً عن القضية الملحة المتمثلة في تحرير الرهائن الإسرائيليين لدى حركة "حماس" والتوصل إلى وقف إطلاق النار من دون ممارسة أي ضغوط تذكر للحيلولة دون سياسة التجويع التي تتحمل واشنطن جزءاً من المسؤولية تجاهها بسبب مشاركتها في دعم "مؤسسة غزة الإنسانية" التي فشلت في تلبية حاجات الفلسطينيين الجوعى تحت نيران القصف الإسرائيلي اليومي.
وعندما طالب ممثلو وسائل الإعلام من ترمب النظر إلى ما هو أبعد من قضيتي الرهائن ووقف إطلاق النار، خلال زيارة بنيامين نتنياهو الأخيرة للبيت الأبيض، أذعن على الفور لرئيس الوزراء الإسرائيلي للإجابة، مما يمثل دليلاً متزايداً على أن استراتيجية إدارة ترمب في شأن غزة تتطابق بصورة كاملة مع استراتيجية إسرائيل.
تأثير مغاير
وعلى رغم مقاومة الولايات المتحدة ومحاولتها اقناع حلفائها بأن الاعتراف بدولة فلسطينية يمكن أن يكون له تأثير معاكس وقد يدفع حكومة نتنياهو إلى مزيد من التشدد، فإنه مع اتساع نطاق المجاعة في غزة، وتنامي الغضب من السياسات الإسرائيلية، وضعت بعض الدول الاعتراف بالدولة الفلسطينية في المقام الأول على أمل أن يفضي ذلك إلى عملية سلام.
وما يزيد من تأثير هذا التحول هو أن الاعتراف بدولة فلسطين يعد إقراراً رسمياً بأن هذه الدولة تستوفي معايير إنشاء الدول التي حددتها معاهدة دولية عام 1933، وهي وجود سكان دائمين (في الضفة الغربية وقطاع غزة)، وحدود إقليمية محددة، وحكومة (السلطة الفلسطينية)، وقدرة على إدارة الشؤون الدولية، حتى لو كان أحد هذه العناصر محل نزاع، مثل الحدود الإقليمية.
وبينما يبدو أن هناك حدوداً لما يمكن للسلطة الفلسطينية فعله، نظراً إلى لاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وسيطرة "حماس" على غزة، فإن الاعتراف الخارجي بدولة فلسطينية يعني إقامة اتصال دبلوماسي مباشر بين السلطة والدولة المعترفة بها، كما يوجه هذا الاعتراف رسائل دبلوماسية وسياسية من بينها الإقرار بحق الفلسطينيين في تقرير المصير ورفض مواقف الحكومة الإسرائيلية وأفعالها التي تقوض هذا الحق كما تقول أستاذة القانون والشؤون الدولية في جامعة نورث إيسترن الأميركية زينيدا ميلر.
ضغط إضافي
غير أنه من أهم نتائج الاعتراف بالدولة الفلسطينية أنه يوفر أساساً لمراجعة شاملة للعلاقات الثنائية مع إسرائيل كما يقول المتخصص في مجال القانون بجامعة كوينز في أونتاريو المسؤول السابق في الأمم المتحدة أردي إمسيس الذي يشير إلى أن الدولة التي تعترف بفلسطين ستكون مطالبة بمراجعة اتفاقاتها مع إسرائيل للتأكد من أنها لا تخالف التزاماتها تجاه الدولة الفلسطينية، وهو ما يتضمن السلامة السياسية والإقليمية، إضافة إلى العلاقات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والمدنية.
على سبيل المثال إذا كان أحد جوانب التبادل التجاري يساعد إسرائيل أو يمكنها من انتهاك حقوق دولة فلسطين فسيتعين على الدولة المعترفة بفلسطين وقف هذا التبادل، كما سيوفر هذا الاعتراف من الناحية العملية، أساساً لمزيد من الضغط من قبل المجتمع المدني والمشرعين في الدولة المعترفة بفلسطين من أجل تغيير السياسات ومواءمتها مع متطلبات أخرى.
وعلى رغم أن الدولة المعترفة بفلسطين لن تضطر إلى وقف جميع التعاملات التجارية مع إسرائيل، فإن استيراد منتجات زراعية من مزارع تابعة لمستوطنين في أراضٍ محتلة، يجعلها من الناحية القانونية عمل غير مشروع وفقاً لحكم استشاري صادر عن محكمة العدل الدولية العام الماضي، خلص إلى أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية ينتهك حظر الاستيلاء على الأراضي.
ثقل مهم
وفي حين أن معظم الدول في الأمم المتحدة (147 من أصل 193 دولة) تعترف بالفعل بدولة فلسطينية، إلا أن انضمام بريطانيا وفرنسا، يضيف ثقلاً ذا مغزى كونهما عضوين دائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، ويملكان حق النقض (الفيتو) ضد أي قرار جوهري للمجلس، بما في ذلك قبول دول أعضاء جديدة، كما أن لبريطانيا دور تاريخي إضافي، لأنها أقرت في وعد بلفور الصادر عام 1917 بضرورة وجود وطن يهودي ووعدت بالمساعدة في إقامته، وبقدر ما يمتلك البلدان من نفوذ، فإن استخدامهما له سيعزز الموقف الذي اتخذته معظم الدول الأخرى.
تبعث فرنسا وبريطانيا برسالة سياسية، وعملية كذلك، لأن انضمامهما إلى الصين وروسيا في الاعتراف بدولة فلسطينية، من شأنه أن يترك الولايات المتحدة منفردة كعضو دائم وحيد في مجلس الأمن يتمتع بحق النقض (الفيتو) ويعارض إنشاء دولة فلسطينية إلى جانب حليفتها إسرائيل.
ومع افتراض أن دولة فلسطين التي تتمتع حالياً بصفة مراقب في الأمم المتحدة، لن يتغير وضعها إذا أبقت الولايات المتحدة على معارضتها للعضوية الكاملة، فإن إعلانات الاعتراف الرمزية بالدولة الفلسطينية تعد بمثابة خطوات صغيرة تسهم في تحقيق هدف إقامة دولتين كما يشير بول رايكلر، وهو محامٍ يمثل الدول ذات السيادة ويدافع عن دولة فلسطين في محكمة العدل الدولية.
عبء آخر
يزيد تدافع حلفاء الولايات المتحدة نحو الاعتراف بدولة فلسطينية من الأعباء التي تواجهها إدارة ترمب، والتي تبدو حتى الآن من دون خطة واضحة لمرحلة اليوم التالي للحرب في غزة، وهي مخاوف كانت إدارة الرئيس السابق جو بايدن منتبهة إليها على رغم أخطائها الكثيرة في إدارة الصراع، حيث وضع وزير الخارجية الأميركي آنذاك أنتوني بلينكن سلسلة مبادئ لما بعد الحرب في غزة خلال اجتماع لمجموعة الدول السبع الكبرى بعد شهر من هجمات حماس في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ومن بين هذه المبادئ، رفض التهجير القسري للفلسطينيين، ورفض إعادة احتلال إسرائيل لغزة بعد انتهاء الحرب، ومعارضة حصار غزة، وحكم مستقبلي بمشاركة السلطة الفلسطينية المدعومة دولياً من دون أي دور لـ"حماس".
كانت المبادئ تهدف إلى حشد دعم حلفاء أميركا في أوروبا وأجزاء من العالم العربي، حتى لو اعترضت إسرائيل على كثير منها، لكن إدارة ترمب التي تخلت عن هذه المبادئ فور وصولها إلى البيت الأبيض، ومع ذلك ما زالت هذه الأفكار تحظى بدعم عديد من حلفاء الولايات المتحدة، وهو ما يفسر اتساع نطاق الخلاف بين الولايات المتحدة وحلفائها التقليديين حول مستقبل الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني في غياب رؤية واضحة لإدارة ترمب لمستقبل حكم غزة وكيفية تحقيق سلام على المدى الطويل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
خطط غير واقعية
مع طرح خطة ترمب التي أعلنها في فبراير (شباط) الماضي عن إنشاء الولايات المتحدة "ريفييرا الشرق الأوسط" في خطة تتضمن التهجير القسري أو الطوعي للفلسطينيين في القطاع، والتي كانت ستنتهك القانون الدولي، بدت وكأنها خطة أميركا لما بعد الحرب، حيث كان من المفترض أن تتضمن احتلالاً عسكرياً إسرائيلياً للقطاع من دون تصور لكيفية دحر "حماس" والجماعات المسلحة المتحالفة معها.
منذ ذلك الحين، تخلت إدارة ترمب عن الخطة ببطء وهدوء في الأقل في صيغتها الكاملة، إذ وصفها ترمب أخيراً بأنها مفهوم تبناه كثر، لكنه لم يعجب البعض أيضاً، في إشارة ضمنية إلى رفض الدول العربية، مثل السعودية ومصر والأردن ودول الخليج الأخرى.
مأزق الدور الأميركي
وفي ظل الوضع الحالي خلفت الولايات المتحدة فراغاً استراتيجياً في خطة غزة طويلة الأمد، بينما مضى الأوروبيون، بالتعاون مع السعودية ودول الخليج العربية الأسبوع الماضي في محاولة لسد هذا الفراغ.
وعلى رغم أن بريطانيا وفرنسا لا تستطيعان إجبار إسرائيل على تغيير مسارها، فإنه يمكنهما مساعدة إسرائيل على تجنب أن تصبح دولة منبوذة، مما قد يدفع نتنياهو إلى السعي إلى السلام، وبما أن أميركا لا تضغط على إسرائيل بالقوة الكافية وتواصل دعمها بالسلاح والدبلوماسية في الأمم المتحدة، يظل الدور الأميركي عاجزاً عن توفير الحلول المناسبة وتتفاقم أزمته يوماً بعد يوم في ظل تعنت حكومة نتنياهو التي يسيطر عليها اليمين المتطرف الراغب في احتلال القطاع وطرد الفلسطينيين، ولهذا فإن القوتين الدبلوماسيتين الرئيستين في أوروبا كان لا بد أن تتدخلا. وبالنسبة إليهما، من دون مساعدات فعالة وخطة سلام طويلة الأمد، سيتفاقم التأثير في الأرض، ولهذا طالباً هذا الأسبوع بتدخل عاجل لتقديم المساعدات، ودعم السلطة الفلسطينية، وإحياء العمل نحو حل الدولتين حتى من دون موافقة إدارة ترمب. وفي غياب خطة متماسكة ومدعومة دولياً للحكم المستقبلي، تواجه غزة احتمال تفاقم الفوضى ومزيد من الأزمات الإنسانية التي ضجر منها الناس حول العالم وولدت تعاطفاً غير مسبوق للمدنيين الفلسطينيين الذين يكتوون بنيران الحرب بين إسرائيل و"حماس" ولا يواجهون إلا الموت والدمار والجوع.
والآن تأمل فرنسا وبريطانيا وكندا وغيرها من الدول الأوروبية والغربية أن تسهم خطوتهم الأخيرة، المدعومة من السعودية والدول العربية، في الضغط على ترمب للعودة إلى عملية دبلوماسية أكثر ثباتاً وقبولاً فهل تتحرك القوة العظمى وتستجيب لتحرك حلفائها أم ستواصل السير في طريق مجهول؟