استقرت أسعار النفط بعدما أغلقت عند أعلى مستوياتها منذ ما يقارب ستة أسابيع، في أعقاب تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بفرض عقوبات على الهند بسبب شرائها الخام الروسي، وتشديد إدارته القيود على الإمدادات المقبلة من إيران.
وجرى تداول خام "غرب تكساس" الوسيط فوق مستوى 70 دولاراً للبرميل، بعدما قفز بأكثر من سبعة في المئة منذ بداية الأسبوع، فيما استقر خام "برنت" قرب 73 دولاراً للبرميل أمس الأربعاء.
لماذا الصادرات الهندية؟
وكان الرئيس الأميركي أفصح عن نيته وفرض رسوم جمركية على الصادرات الهندية، إضافة إلى "عقوبات" بسبب مشترياتها من الطاقة الروسية، قبل أن يضيف لاحقاً أن المحادثات ما زالت جارية بين الطرفين.
ماذا عن المخاوف في شأن الإمدادات؟
وأثارت هذه الإجراءات في حق طهران والهند مخاوف من تشديد إضافي في الإمدادات، واحتمال امتداد التأثير إلى منتجات مثل الديزل، خلال وقت يتجه فيه النفط نحو تسجيل أكبر مكاسب شهرية له منذ سبتمبر (أيلول) 2023.
وتتابع السوق من كثب المهلة التي حددتها واشنطن لإبرام مزيد من الاتفاقات التجارية بحلول الأول من أغسطس (آب) المقبل، مع إعلان ترمب أيضاً عن رسوم جمركية بنسبة 15 في المئة، على السلع الكورية الجنوبية.
إلى ذلك قالت مصادر في قطاع الصناعة الهندية إن شركات التكرير الحكومية توقفت خلال الأسبوع الماضي عن شراء النفط الروسي مع تقلص خصومات الأسعار خلال الشهر الجاري وتحذير الرئيس الأميركي دونالد ترمب من شراء النفط من موسكو.
الهند ثالث مستورد
والهند هي ثالث أكبر مستورد للنفط في العالم وأكبر مشتر للخام الروسي المنقول بحراً. وقالت أربعة مصادر مطلعة على خطط شراء شركات التكرير الحكومية في البلاد لوكالة "رويترز" إن مؤسسة النفط الهندية وشركة هندوستان بتروليوم وشركة بهارات بتروليوم ومصفاة "مانجالور" للبتروكيماويات المحدودة لم تطلب النفط الخام الروسي في الأسبوع الماضي أو نحو ذلك.
ولم ترد مؤسسة النفط الهندية ولا شركة بهارات بتروليوم ولا شركة هندوستان بتروليوم ولا منجالور للبتروكيماويات ووزارة النفط الاتحادية بعد على طلبات من وكالة "رويترز" للتعليق.
شركات التكرير
وقالت مصادر إن شركات التكرير الأربع تشتري بانتظام النفط الروسي على أساس التسليم وتحولت إلى الأسواق الفورية للحصول على إمدادات بديلة، ومعظمها من خام الشرق الأوسط مثل خام مربان في أبو ظبي وقطاع النفط في غرب أفريقيا.
وشركتا التكرير الخاصتان "ريلاينس إندستريز المحدودة" و"نايارا إنرجي" هما أكبر من يشتري النفط الروسي في الهند، لكن شركات التكرير الحكومية تسيطر على أكثر من 60 في المئة من إجمالي طاقة التكرير في الهند البالغة 5.2 مليون برميل يومياً.
وفي 14 يوليو (تموز)، هدد ترامب بفرض رسوم جمركية مئة في المئة على الدول التي تشتري النفط الروسي ما لم تتوصل موسكو إلى اتفاق سلام مع أوكرانيا.
وذكرت المصادر أن مصافي التكرير الهندية تتراجع عن شراء النفط الخام الروسي مع تقلص الخصومات إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2022، عندما فرضت العقوبات الغربية على موسكو لمرة الأولى، وذلك بسبب انخفاض الصادرات الروسية واستقرار الطلب.
الشركات والعقوبات
وتخشى مصافي التكرير من أن تعقد القيود الأوروبية الأحدث التجارة الخارجية، ومنها إجراءات جمع الأموال، حتى بالنسبة للمشترين الملتزمين بسقف الأسعار. وجددت الهند معارضتها "للعقوبات أحادية الجانب".
وقلص ترمب يوم الإثنين المهلة قبل فرض عقوبات ثانوية على مشتري الصادرات الروسية إلى 10-12 يوماً من فترة 50 يوماً السابقة، إذا لم تبرم موسكو اتفاق سلام مع أوكرانيا.
وروسيا هي المورد الرئيسي للهند، إذ تزودها بنحو 35 في المئة من إجمالي إمداداتها.
واشترت شركات التكرير الخاصة ما يقرب من 60 في المئة من متوسط واردات الهند من النفط الروسي، والبالغ 1.8 مليون برميل يومياً، في النصف الأول من عام 2025، بينما اشترت شركات التكرير الحكومية، التي تسيطر على أكثر من 60 في المئة من إجمالي طاقة التكرير الهندية البالغة 5.2 مليون برميل يومياً، الكمية المتبقية.
وقال متعاملون إن شركة ريلاينس اشترت خام مربان من أبو ظبي للتحميل في أكتوبر (تشرين الأول) هذا الشهر، في خطوة غير معتادة من شركة التكرير.
كيف تواجه إيران العقوبات الجديدة؟
في الوقت ذاته، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية أمس عقوبات جديدة على أكثر من 115 فرداً وكياناً وسفينة على صلة بإيران، في مؤشر إلى أن إدارة ترمب تكثف جهودها في حملة "أقصى الضغوط" بعد قصف المواقع النووية الرئيسة الإيرانية خلال يونيو (حزيران) الماضي.
ويبدو أن طهران في وضع اقتصادي صعب مع تطورات الحرب التي ألحقت بها أضراراً فادحة، ولا تبدو هناك قدرة.
وتستهدف العقوبات بصورة عامة مصالح الشحن التابعة لمحمد حسين شمخاني، نجل علي شمخاني وهو مستشار للمرشد.
ووصفت وزارة الخزانة الأميركية هذه الخطوة بأنها أهم إجراء يخص العقوبات المتعلقة بإيران منذ عام 2018، خلال ولاية ترمب الأولى.
ووفق وزارة الخزانة، فإن شمخاني يسيطر على شبكة واسعة من سفن الحاويات والناقلات عبر شبكة معقدة من الوسطاء، الذين يبيعون شحنات النفط الإيرانية والروسية وسلعاً أخرى عبر العالم.
واتهمت الوزارة شمخاني باستغلال علاقاته الشخصية والفساد في طهران لتحقيق أرباح بعشرات المليارات من الدولارات، يستخدم جزء كبير منها لدعم النظام الإيراني.
وبصورة عامة، تستهدف العقوبات الجديدة 15 شركة شحن و52 سفينة و12 فرداً و53 كياناً، للضلوع في التحايل على العقوبات داخل 17 دولة، من بنما وإيطاليا إلى هونغ كونغ.
لماذا القرارات حاسمة؟
إلى ذلك، قالت الخارجية الأميركية ضمن بيان "تتخذ الولايات المتحدة اليوم إجراءات حاسمة لعرقلة قدرة النظام الإيراني على تمويل أنشطته المزعزعة للاستقرار، بما في ذلك برنامجه النووي، ودعمه الجماعات الإرهابية وقمعه لشعبه".
وأضافت "تستهدف هذه الإجراءات مشغل محطة وشركات إدارة سفن ومشترين بالجملة، سهلوا مجتمعين تصدير وشراء ملايين البراميل من النفط الخام الإيراني والمنتجات النفطية والبتروكيماويات".
وقال مسؤول أميركي إن الخطوة الجديدة لن تسبب اضطراباً في سوق النفط، إذ صممت خصيصاً لاستهداف جهات محددة، بحسب ما ورد في تقرير "بلومبيرغ".
وفرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على شمخاني خلال وقت سابق من يوليو (تموز) الجاري، وعزا التكتل ذلك إلى دوره في تجارة النفط الروسية.
وأشار مسؤول أميركي إلى أن العقوبات الأميركية الجديدة ستؤثر في كل من روسيا وإيران لكنها تركز على طهران، مضيفاً "من وجهة نظرنا، وبالنظر إلى موقع هذا الشخص وارتباطه بالزعيم الأعلى وأنشطة والده السابقة في مجال العقوبات، من الأهمية بمكان التأكيد أن العقوبات على إيران ذات مغزى وتأثير كبير".
يُذكر أن الولايات المتحدة استهدفت علي شمخاني، والد محمد حسين، بعقوبات عام 2020.
إيران نددت
ونددت إيران اليوم الخميس بالعقوبات الأميركية الجديدة التي استهدفت أسطول الشحن الذي يشرف عليه محمد حسين شمخاني، نجل علي شمخاني المستشار الكبير للمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، واصفة إياها بأنها "خبيثة".
وفرضت الخزانة الأميركية أمس قيوداً على أكثر من 115 فرداً وكياناً تجارياً وسفينة، اتهموا بتسهيل بيع منتجات النفط الإيراني والروسي.
وقال الناطق باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي ضمن بيان، إن "العقوبات الأميركية الجديدة ضد تجارة النفط الإيرانية عمل خبيث يهدف إلى تقويض النمو الاقتصادي ورفاه الإيرانيين".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت ضمن بيان أن "إمبراطورية الشحن التابعة لعائلة شمخاني تسلط الضوء على كيفية استغلال نخب النظام الإيراني مناصبهم لزيادة ثرواتهم الضخمة، وتمويل ممارسات النظام الخطرة".
وقال بقائي إن العقوبات "دليل واضح على عداء صناع القرار الأميركي تجاه الإيرانيين"، معتبراً أنها "جريمة ضد الإنسانية".
والعقوبات التي فرضت أمس "هي الأكبر حتى الآن، منذ وضعت إدارة ترمب موضع التنفيذ حملتنا للضغوط القصوى على إيران"، وفق بيسنت.
وفي إطار تلك الحملة انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق المبرم عام 2015 بين دول غربية وإيران، عام 2018 خلال الولاية الأولى لترمب، وأعادت فرض عقوبات صارمة على طهران.
"أوبك+" والعودة القوية
إلى ذلك يواجه تحالف "أوبك+" نتيجة استراتيجيته الطموحة لاستعادة حصته في سوق النفط، إلا أن هذه الخطوة قد تحمل مكاسب مستقبلية على المدى الطويل.
وتشير "بلومبيرغ" إلى أن شركة "وود ماكنزي" الاستشارية المتخصصة في شؤون الطاقة، ضمن بيانات جديدة، تقدر أن نمو الإمدادات النفطية من خارج "أوبك" (بقيادة دول مثل البرازيل وكندا وغيانا) سيتراجع بأكثر من 80 في المئة بين عامي 2025 و2027، ليقترب من التوقف التام بحلول ذلك العام.
وفي السياق نفسه، خفضت شركة "ريستاد إنرجي" النرويجية توقعاتها بصورة حادة خلال الأشهر الماضية.
وتظهر التوقعات الأخيرة الصادرة عن مؤسسات التحليلات أن المنتجين قد يحققون هدفهم إذا واصلوا التمسك بهذا النهج، ومن المقرر أن تعقد المجموعة اجتماعها المقبل لمراجعة مستويات الإنتاج يوم الأحد المقبل.
"أوبك+" عام 2027
وقال المحلل في شركة "ريستاد" والموظف السابق في أمانة "أوبك" خورخي ليون "بالنسبة إلى التحالف فإن بصيص الأمل يلوح خلال عام 2027، عندما يتباطأ نمو الإمدادات من خارج ’أوبك‘ أو خارج ’أوبك+‘ بوتيرة حادة للغاية".
ويُعزى تباطؤ الإمدادات من خارج "أوبك" إلى تراجع الإنتاج المتوقع داخل أميركا الشمالية بعد عام 2025، إضافة إلى دخول الحقول النفطية في كل من المكسيك والصين والنرويج مراحل النضوج، مما أدى إلى انخفاض إنتاجها تدريجاً مع استنزاف احتياطاتها، وفقاً لما ذكرته نائبة رئيس قسم أسواق النفط لدى "وود ماكنزي" آن لويز هيتل.