Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جيل "مشقلب" يبحث عن أوكسجين وسط الاختناق

الفيلم الشبابي الذي عرض عربياً وعالمياً لم يسلم من مقص الرقيب اللبناني

من فيلم لوسيان بو رجيلي الذي تعرض للرقابة (ملف الفيلم)

ملخص

نادرة هي "أفلام الاسكتشات" في السينما العربية، نوع سينمائي راج خلال الستينيات في السينما الإيطالية والفرنسية، والمقصود به مجموعة أعمال قصيرة تعرض ضمن فيلم طويل، عادة ما تجمعها تيمة أو مدينة أو حدث ينظر إليه من زوايا متعددة.

 هذا ما يفعله "مشقلب"، فيلم لبناني شاهدناه للمرة الأولى أواخر العام الماضي وبدأت عروضه أخيراً في لبنان، بعد جولة على بعض المهرجانات. "مشقلب" عمل مركب من أربع حكايات قصيرة، تروى كل واحدة منها في صورة مستقلة حكايات تلتقي عند نقطة رئيسة هي الانهيار الجماعي الذي عاناه لبنان خلال الأعوام الأخيرة، وما خلفه من شرخ داخلي لا يزال جيل الشباب على وجه الخصوص يحاول أن يتلمس له معنى أو أن يجد له مخرجاً. إنه فيلم عن جيل يبحث عن أوكسجين وسط الاختناق التدريجي القاتل، خلال زمن أصبحت الأشياء "مشقلبة"، أي رأساً على عقب. 

في بنية أقرب إلى المختارات القصصية، ينقلنا "مشقلب" بين أربعة أفلام قصيرة تشكل معاً مرآة مفجعة لحال اللبنانيين منذ عام 2019 حتى اليوم. أربع رؤى سينمائية تتفاوت في لهجتها، ضمن أسلوب طرحها للمسألة، لكنها تتكامل لتكون بانوراما عن زمن الانهيارات المتتالية، من انتفاضة شعبية ولدت حماسية وخنقت تدريجاً إلى كارثة مالية، ثم انفجار لمرفأ العاصمة طمس أي أمل متبق في العدالة أو المحاسبة، وصولاً إلى الجائحة وانسداد سياسي ففراغات دستورية. أعوام من الأزمات تقدم هنا من دون أن تكون أحداثاً متعاقبة إنما حال نفسية متفاقمة، أشبه بعبء ثقيل يضغط على أرواح الناس ويحاصرهم.

الفيلم الأول، الذي يحمل عنوان "المجموعة" وهو من توقيع المخرج المسرحي والسينمائي والناشط السياسي لوسيان بورجيلي، يشق الستارة على شلة من الشبان والشابات الذين اجتمعوا تحت راية الثورة والحلم بالتغيير. نراهم يتحلقون في شقة، يناقشون ويرسمون خططاً لتحركات احتجاجية، حالمين بوطن آخر. ولكن ما يبدأ بوعود بغد أفضل سرعان ما يخترق. يتسلل الشك وتتفكك الثقة بين أفراد المجموعة. كأن بورجيلي، بصفته شاهداً من قلب الحدث، يكتب هنا مرثية جيل انخدع بالتغيير قبل أن يكتشف أن النظام اللبناني أقوى مما يمكن تصوره.

مقص الرقيب

ومن سخرية القدر أن الفيلم تعرض لمقص الرقيب، على رغم الآمال المعقودة على العهد الجديد برئاسة جوزيف عون، إذ إنه حُذفت لقطة لا تتعدى مدتها الـ20 ثانية، نرى فيها القوى الأمنية وهم يمارسون بطشهم المعتاد على المتظاهرين خلال ما عرف بانتفاضة تشرين عام 2019. اعترض بورجيلي على هذا القرار قائلاً "عرض الفيلم كما هو، من دون أي تعديل، في مصر، إذ فاز بجائزة الجمهور" ضمن مهرجان الجونة. وعرض كذلك بصيغته الكاملة في كل من دبي وباريس وسويسرا وواشنطن، وهو في طريقه قريباً إلى كندا حيث سيعرض بلا حذف أو تعديل. لكن في لبنان، رفضت الرقابة منحه إجازة عرض إلا بعد حذف مشهد معين منه. وبعد تأجيل إطلاق الفيلم لمدة أسبوع، اضطررنا إلى حذف ذلك المقطع، فقط لنتمكن من عرضه ومشاركته مع الجمهور اللبناني. ومن المؤسف أن الفن في لبنان لا يزال حتى اليوم يواجه هذا النوع من العرقلة والتشويه والحذف، في حين يفترض أن يكون دور السلطات هو دعم –وتحفيز- الإنتاجات الثقافية والفنية، لا قمعها. فهل ما زال بإمكاننا أن نطلق على لبنان صفة "بلد الحريات"، بينما تتعرض الأفلام اللبنانية للرقابة والاجتزاء داخل وطنها، خلال وقت تعرض كما هي في مختلف أنحاء العالم؟".

الشريط الثاني، عنوانه "في ضواحي بيروت" لبان فقيه، ينقلنا إلى أجواء مختلفة أقرب إلى الكوميديا السوداء الممزوجة بمرارة عائلية. نحن مجدداً داخل شقة، هذه المرة مع أم (حنان الحاج علي) وبناتها الثلاث، في مواجهة محتدمة بعد انكشاف سر مشاركة الابنة المتمردة (منال عيسى) في التظاهرات، على رغم انتماء العائلة السياسي المعاكس تماماً لميول الابنة. الحوار لاذع، محكوم بتناقض الأجيال وتبدل القناعات. الكاميرا لا تغادر الجدران، كأن المكان نفسه صار زنزانة. لكن ما يبدو كوميدياً في ظاهره يخفي في باطنه شروخاً حقيقية تشمل النسيج الاجتماعي اللبناني، بمعنى أن السياسة قادرة على التسلل إلى أكثر العلاقات حميمية.

في ثالث الأفلام "لا داعي للهلع" من إخراج وسام شرف، نستمر في استكشاف هذا العبث اللبناني، لكن عبر أسلوب ساخر يلامس حدود التراجيديا. البطل هنا (رودريغ سليمان) رجل فقد وظيفته، وربما هدفه في الحياة. يعمل كـ"لايف كوتش"، لكن يبدو وكأنه هو ذاته يحتاج إلى من ينقذه. في لحظة مصادفة، يلتقي بشخص سبق له أن أنقذه في الماضي، فتتبدل الأدوار. نتابع هذا الثنائي في رحلة تبدو وكأنها خارج الزمن، تتخللها مفارقات خفيفة تضيء على الهشاشة التي يعيشها اللبناني اليوم، حين يصبح إنقاذ النفس من الانهيار، أولوية وجودية. يجب القول إن هذا الفيلم هو الأقوى والأفضل ضمن المجموعة، ذاك أن وسام شرف يملك خبرة أطول في السينما، اكتسبها من خلال إنجاز فيلمين روائيين طويلين. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يأتي الفيلم الرابع "قطعة سما" لأريج محمود، ليختم الرحلة عبر اقتراح سينمائي هو الأكثر جنوحاً نحو الفانتازيا العبثية. نتابع فكاهياً يتهم –بصورة هزلية ولكن مرعبة– بأنه جلب نيزكاً دمر البلاد. فيهرع السكان للهرب، وتغدو المدينة فارغة. وحده هذا الرجل يبقى يتجول في الفراغ كمن يبحث عن أثر بشري، فتبلغ العزلة مداها في صورة شاعرية ومفزعة في آن واحد، تختزل المصير اللبناني كله.

هكذا، يقدم "مشقلب" تجربة سينمائية متواضعة على مستوى الجماليات السينمائية، محاولاً الإتيان بشيء مختلف بإمكانات ضئيلة. وعلى رغم تنوع القصص، هناك وحدة في الروح والهدف. فالأفلام الأربعة تقف في صف واحد ضد واقع يبدو أنه فاق أي توقع، انطلاقاً من سؤال، ماذا يعني أن تكون فرداً في بلد يسحب البساط من تحت قدميك كل يوم، وهل من معنى للثورة إن كان النظام قادراً على التهامها في هذه الصورة؟ يضعنا الفيلم أمام نظرة بانورامية للبنان "المشقلب" فعلاً، بكل ما تحمله الكلمة من دلالات الانقلاب والخلل والتشوه. 

اقرأ المزيد

المزيد من سينما