ملخص
كان يمكن استشراف الواقع الذي ستقبل عليه سوريا منذ وصول "هيئة تحرير الشام" إلى الحكم، وكان متوقعاً أن تصعد الخطابات الطائفية الضيقة والواسعة إلى الواجهة وتحمل معها تهديدات بالانفصال أو التقسيم وفي أفضل الأحوال إدارات ذاتية على حساب دولة واحدة مركزية تامة الأركان، فاصطدمت السلطة الجديدة بصراع الطوائف وقلقهم المتنامي أمام عجزها المرحلي عن حمايتهم، أو في الأقل ألا تكون طرفاً في أحداث دموية عصفت بهم، عن قصد أو غير قصد.
تواجه السلطات الانتقالية السورية في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد أواخر العام الماضي، واحداً من أبرز التحديات الوجودية المعاصرة التي تقف خلفها عوامل متعددة مشكلة تحدياً صارخاً لها، وعلى رأسها التفكك المجتمعي مذهبياً واجتماعياً وسياسياً وعقائدياً ومناطقياً. تلك الشذرات المقلقة لم تكن إلا حصيلة حكم شمولي فردي استدام لعائلة الأسد طوال خمسة عقود وزيادة، وصولاً إلى الحرب السورية التي بدأت عام 2011 وانتهت بإطاحة الأسد ونظامه أواخر عام 2024.
هذه الحرب القاسية أسهمت في إضافة شروخ جديدة بين السوريين، وتعميق الفجوات بينهم إلى حدود غير مألوفة، لتتجاوز القضية مسألة الخلاف السياسي بمفهومه العام متحولة إلى مظلومية شاملة تراكمت فيها مشاعر الكراهية والإقصاء والتحدي والخوف مشكلة ذاكرة جماعية لشعب حفظ لنفسه استرداد الحقوق بالثأر ولو طال الزمن، وقد استطال لينفجر في وجه الأسد ثورة شعبية، وفي وجه السلطة الانتقالية دماً وكراهية ومظلوميات إضافية.
المرحلة المعقدة
كان يمكن استشراف الواقع الذي ستقبل عليه سوريا منذ وصول "هيئة تحرير الشام" إلى الحكم، وكان متوقعاً أن تصعد الخطابات الطائفية الضيقة والواسعة إلى الواجهة وتحمل معها تهديدات بالانفصال أو التقسيم وفي أفضل الأحوال إدارات ذاتية على حساب دولة واحدة مركزية تامة الأركان، فاصطدمت السلطة الجديدة بصراع الطوائف وقلقهم المتنامي أمام عجزها المرحلي عن حمايتهم، أو في الأقل ألا تكون طرفاً في أحداث دموية عصفت بهم، عن قصد أو غير قصد.
كمنت الخطورة في كل ذلك بتحول الانقسام من طولاني بين سلطة ومكونات، إلى عرضي بين مكونات في حد ذاتها، وقد بدا ذلك في هجمات 200 ألف مسلح منظم أو غير منظم على الساحل السوري بضيقه الجغرافي في مارس (آذار) الماضي، وهجمات عشائر البدو على السويداء جنوب سوريا في يوليو (تموز) الجاري، وبطبيعة الحال الصراع القومي الذي يطبخ على نار هادئة مع قوات سوريا الديمقراطية الكردية "قسد"، التي تسيطر على الشمال الشرقي في سوريا. مما يجعل من مفهوم الوحدة الوطنية والسلم الأهلي شعارات رنانة ببريق خافت مجرد من الأسس القانونية والمنطقية والسياسية والسيادية التي يمكن لها أن تحمل حلولاً شجاعة لإنهاء حال الانقسام العام. فسوريا اليوم ليست واحدة، بل هي أكثر من دولة في وقت واحد، بجنوبها، وشمالها الشرقي، وساحلها، وهؤلاء يطالبون بحماية دولية أو فيدرالية، وباديتها التي تشهد عودة انتشار "داعش"، فيما تتوزع قوة المركز السلطوي في حلب وإدلب وحماة وحمص ودمشق وشيء من درعا.
وفي ظل تعقيد المشهد إياه فإن المطلوب هو إعادة رسم سياسة متكاملة تحوي مختلف أطراف ومكونات الشعب السوري بعيداً من الافتراء والخطاب الأحادي والمجاملات والسياقات غير المبررة في التعاطي مع قضاياهم، وهو ما يمهد بأية لحظة لإعادة إنتاج فوضى عند أول اختبار حقيقي كأحداث السويداء التي بدأت بشرارة بسيطة ثم تحولت لمجزرة أمام وجود كميات مقلقة من السلاح غير المنضبط والخطابات التحريضية التي تملأ الأرجاء، وبناء على كل ذلك يجب طرح سؤال جوهري حول قدرة السلطة على معالجة الانقسام لا إدارته مرحلياً وتأجيله.
بين الأقوال والأفعال
شهدت الأشهر السبعة الأولى بعد سقوط نظام الأسد مقتل نحو 10 آلاف سوري في حوادث متفرقة بحسب توثيقات المرصد السوري لحقوق الإنسان ومنظمات حقوقية أخرى، وهو رقم مهول لم تسجله سنوات كثيرة من الاقتتال إبان الثورة وخلال تلك الأشهر الدموية تمسكت السلطات الجديدة بتوصيفات تتعلق بـ"السلم الأهلي" و"العيش المشترك" و"الوحدة الوطنية" و"العدالة الانتقالية" و"البحث عن المفقودين" وغير ذلك من عناوين حملتها خطابات وقوانين ومراسيم جمهورية، لكن تلك المصطلحات كلها لم تأخذ حيزها الفعلي في التنفيذ لتكون سبيل الخلاص ووقف حمام الدم المستمر في ظل غياب منهجية واضحة للتنفيذ وجدولة زمنية مفترضة.
وعلى رغم تشكيل السلطات السورية لحكومة انتقالية ادعت فيها تمثيل الشرائح السورية، فإن ذلك لم يرق بطبيعة الحال لأي شكل من تحقيق القبول، فالحكومة حملت وزيراً علوياً لا يمثل وزناً سياسياً ولا يمتلك قاعدة شعبية، ومثله وزيرة مسيحية كامرأة وحيدة، وبذا تحقق عاملان في آن، وزيرة سيدة وحيدة ومسيحية، فيما احتفظت نواة السلطة ("هيئة تحرير الشام" سابقاً) بالحقائب السيادية الأشد حساسية وأهمية من دفاع وخارجية وداخلية وعدل وغيرها، ووزعت البقية بصورة شبه تكنوقراطية لا تقدم أو تؤخر في تمنيات التمثيل العادل، وبذلك جاءت الحكومة تكتيكية لا استراتيجية.
لاحقاً، جرى تسمية لجنة للمصالحة الوطنية العليا، وكان من مهام هذه اللجنة أن تردم الهوة بين المكونات وتعيد الحقوق لأصحابها وتبني مسارات تفاهم مستديمة، لكن مراقبين يشيرون إلى أن اللجنة نفسها شبه منزوعة القرار والصلاحيات الفاعلة، لذا أصبحت تمارس دورها بوصفها منصة حوارية أكثر منها أداة وصل واتصال فاعل وموسع، وقد رفض وجهاء مناطق كثر استقبال هذه اللجنة وأعضاءها، ويمكن القول إنها فشلت مرحلياً بالاستدلال على أن القتل يتزايد لا يتناقص، والفجوة تتسع ولا تضيق.
ومن بين الإجراءات المتبعة كان إصدار مرسوم بتشكيل هيئة عدالة انتقالية، لكنها اصطدمت بعقبات بنيوية على شاكلة مسؤولياتها المتعلقة بالنظر في مرحلة ما قبل سقوط الأسد، وأن تشمل المتورطين من أتباع النظام السابق، في تعام عن أحداث دموية شاركت فيها الأطراف الأخرى وأفضت لمقتل عشرات آلاف السوريين على المقلب الآخر قبل انتصار الثورة نفسها وبعدها بطبيعة الحال، مما يجعلها عدالة انتقالية انتقائية كما وصفها سوريون في حينه، سوريون تساءلوا عن مئات التفجيرات الانتحارية التي استهدفت عمق أحيائهم في أتون الصراع السابق، فمن يحاسب عن تلك الجرائم؟
كذلك جاء مؤتمر الحوار الوطني ممسوخاً ومختصراً في ست ساعات، وكان مطلوباً منه أن يناقش مصير ومستقبل البلد بماضيه وحاضره، فجاء أشبه بمسرحية كان مطلوباً تنفيذها في عجالة، وصولاً إلى مؤتمر النصر وانتخاب الشرع رئيساً موقتاً من قبل قادة الفصائل العسكرية رفاق الأمس، لا المجتمع المدني وصندوق الانتخابات، ليليه إصدار الإعلان الدستوري الذي جاء مخالفاً للتمنيات وقادراً على إعادة إنتاج نظام شمولي يحصر معظم الصلاحيات السيادية بيد رأس السلطة، وينحي بقية المكونات تحت ستار عبارات منمقة.
وعلى رغم تلك الهفوات فإن المنطق السياسي للدولة واضح بأن القيادة الانتقالية لا تسعى إلى مزيد من التفكيك والانقسام، فتحاول في مكان تعزيز اللحمة الوطنية، وتفشل في أماكن أخرى فتحدث أمور مأسوية تعيد الأمور إلى المربع الأول، وذلك غالباً ينجم عن عدم القدرة حتى الآن على مقاربة الأمور بصورتها الصريحة والوقوف على الخلاف الطائفي ببعده العميق والمتنامي، ليوجه الشارع سؤاله إلى السلطة حول إمكانية تفكيك خطاب الكراهية الطائفية والسياسية من دون الاعتراف الصريح بوجودها أولاً؟
عجز أم ارتباك؟
كل ما يحصل حتى الآن لا يزال محمولاً على نشوة الانتصار في الثورة، فتبدو كل محاولات الاحتواء موقتة وغير فاعلة ولا تقود في نهاية المطاف إلى ديمقراطية وطنية جدية تعيد بناء ترتيب البيت السوري من الأساس، والمشكلة في جوهرها الصفري ليست ناجمة عن الهشاشة الإدارية المطلقة، بل عن ولادة المبادرات ميتة أصلاً تحت ضغوط داخلية وخارجية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
قد يبدو أن منطق السلطة كرأس للدولة تتجنب الخوض في التسميات الطائفية، وهذا حق مشروع ضمن أية رؤية سياسية لنظام حاكم، ولكن استبدال الاعتراف بالتمييع هو ما يعقد الموقف أكثر ويمثل هرباً للوراء ومراوغة نفسية وذهنية تتحاشى الاعتراف بأن الطائفية والتمرس السياسي صارا ركائز محلية منذ بدأت الحرب أساساً قبل عقد ونصف العقد.
كما أن المسؤولين عن المبادرات الإصلاحية لا يملكون ثقة الشارع، وليست لديهم جذور فاعلة في بنيته، وبصورة أو بأخرى فهم لا يأخذون بكلام الضحايا، من أي طرف، كوثيقة عمل فعلية متكاملة لصياغة الحلول، وكان تقرير لجنة تقصي الحقائق في مجازر الساحل خير مثال، لأن المصالحة المبنية على تورية لا يكتب لها النضوج، ولا يمكن فرضها بصورة عشوائية من دون اقتيادها من القاعدة إلى رأس الهرم. يضاف إلى ذلك أن "ميثاق التعددية" منسوف فعلياً في التعيينات والشؤون الإدارية والسياسية، إذ لا تزال السلطة تعتمد وجهة نظرها انطلاقاً من البناء على اللون الواحد لتأمين التجانس، مما يجعل مكونات أخرى تشعر بأن ولاءها مشكوك به.
ماذا تفعل السلطة؟
يمكن اعتبار التجربة السورية مدرسة تتيح النظر من خلالها إلى أن الحوارات والمبادرات الروتينية أو التعبوية لا يمكن لها أن تصلح ما خربته السنون، لذا يجب الانطلاق من مبادرات جذرية تقف على منبع الألم وأسبابه لا نتائجه، بحسب الأكاديمي في العلوم الدبلوماسية طريف حسن الذي يضيف، "الدولة أمام واجب الاعتراف بالانقسام الهائل وهو الخطوة الأولى لترميمه، ففي علم النفس اعتراف المريض بمرضه هو نصف العلاج، وهذه هي الحال في سوريا، الاعتراف هو بداية طريق الترميم، ومن ثم فتح مسار شامل بضمانات محلية أو خارجية بعيداً من الأطر الرمزية الفضفاضة لمعالجة الملفات التي يجب ألا تظل مؤجلة حتى تقسيم سوريا، ولا التغافل عن مظالم السنين السابقة للثورة واللاحقة لها، وكل هذا بالتوازي مع تطييب الذاكرة المأزومة وإعادة إنتاج وعي وطني شامل".
ويتابع حسن، "الانطلاق أولاً يكون من تفعيل العدالة الانتقالية الحقيقية، التامة والشفافة والمتكاملة، وأن تكون مستندة إلى دستور فعلي ورعاية مستقلة وحيادية تضم في جنباتها قانونيين وقضاة وسياسيين وناشطين لا تفرقة بينهم على صعيد المكون والانتماء، ومع كل هؤلاء خبراء عبر لجان أممية نزيهة، وهو أمر حصل في دول كثيرة حول العالم على رأسها البوسنة والهرسك، وهذه اللجان يفترض ألا تراعي أحداً في العدالة، فكل من ارتكب جرماً يجب أن يحاسب، وأن تأخذ هذه اللجان دورها في توثيق الانتهاكات لمحاسبة مرتكبيها لا الثأر منهم، وقد تكون المحاسبة صفحاً كما حدث في بعض محاكم جنوب أفريقيا، المهم هو الحقيقة الكاملة".
بدوره يرى المحامي وئام عزام، أن الديمقراطية التي لم ترد حتى اليوم في أي خطاب رسمي من مستوى مرتفع هي الحل في معالجة جذور معظم المشكلات، مضيفاً "اليوم الدين والشيوخ يحكمون مفاصل الدولة والوزارات ودور العدل والتعليم وكل ما إلى هنالك، وهنا يجب اتخاذ قرار فعلي بتولية كل ذي اختصاص مكانته، فالعمل الديني لا يستوي مع الشأن السياسي والإداري والعسكري والأمني والاجتماعي، يجب أن يحصل ذلك لتتنفس سوريا، ولتعيد بناء خطاب وطني بعيد من التحزبات الضيقة بصورة علمية منهجية تعتمد الكفاءة لا الولاء".
ويكمل "على الدولة تفعيل دور المجالس المحلية بسرعة قصوى على أسس غير مناطقية أو طائفية بضمان التعدد والتوازن لا الاستناد إلى المظاهر الشكلية كما في الحكومة، وهي اليوم أمام اختبار حقيقي يخص تشكيل مجلس الشعب، فعلى رغم أن السلطة نفسها ستشكله، ورئيسها سيحظى بنسبة تعيين الثلث منه، فإن تشكيل هذا المجلس إما سيكون حاملاً جدياً لسوريا الغد أو سيدفن بقية أحلام الديمقراطية التي تقضي على الانقسام المؤلم بين السوريين، الذي يحتكمون فيه إلى السلاح لا الحوار".
بين الداخل والخارج
لا شك أن سوريا اليوم ومنذ سقوط نظام الأسد ترزح تحت وابل ثقل خارجي قاس يتدخل في ملفاتها الجيوسياسية البالغة التعقيد، وفي هذا الإطار يبرز الدور التركي والإسرائيلي والإقليمي، والأميركي عبر المبعوث الخاص إلى سوريا توماس براك، الذي لعب أدواراً خطرة في المنطقة، تلك العوامل تسهم في شلل سوريا، فكل الأطراف تبحث عن أوراقها ومكتسباتها في الداخل السوري، ولكل منها أجندته الخاصة، باستثناء دول قليلة تبحث عن مساعدة سوريا بأي شكل كما حصل خلال تدفق الاستثمارات السعودية إلى دمشق خلال الأيام القليلة الماضية.
ووفق كل تلك التداخلات وإعادة حساب التوازنات يبرز سؤال ملح حول دمشق نفسها، فهل لا تزال تملك قراراً سيادياً مستقلاً أم إنها مضطرة للرضوخ لقوى خارجية تتلاعب بالخريطة الداخلية، وكان ذلك واضحاً من منع استمرار دخول القوات الحكومية إلى السويداء وتعرضها لقصف إسرائيلي عنيف عقب أيام قليلة من لقاءات بين الطرفين في الإمارات وأذربيجان.
اليوم تتشعب المسألة السورية بصورة كبيرة، فإسرائيل متمسكة بعزل الجنوب ومنع وجود السلاح والدولة فيه (القنيطرة – السويداء – درعا)، وفي الشمال الشرقي تحظى "قسد" فعلياً بدعم أميركي بصرف النظر عن تصريحات المبعوث براك، والساحل من دون حماية فعلية في ظل ارتباك في المشهدين الروسي والإيراني على حد سواء، وفوق كل ذلك تمرير مسودة تمديد قانون "قيصر" في الكونغرس الأميركي لمدة عامين بموافقة غالبية الأعضاء من قبل لجنة الموازنة، مما يزيد المشهد إرباكاً ويثقل على الدول العربية الضامنة، ويؤجل مسارات تفعيل التفاهم الداخلي في ظل التفكك المتزايد.
الكيل بمكيالين
بدوره يوضح أستاذ العلوم السياسية سمير درويش، لـ"اندبندنت عربية" أن السلطات السورية أمام موقف لا تحسد عليه، وأن المهمة جد شاقة لإعادة توحيد الصف الوطني في ظل غياب رؤية منهجية واضحة وشاملة وكاملة بعيدة من التصريحات التي لا يمكن صرفها في سوق السياسة، فـ"السياق العام يجب أن ينبى على أنه لا أحد فوق العدالة، والسلطة متكاسلة ومتباطئة جداً في ذلك، وقد تكون النتيجة ضغوطاً قاهرة من الداخل والخارج، مما يعني أن قابلية الانهيار قائمة ومستمرة، ويجب إشراك كل المجتمع في أية خطوة لبناء عدالة فعلية تنطلق من عقد اجتماعي ضامن وسليم".
ويتساءل درويش حول نقطة يصفها بالمهمة، وهي حول الغاية من عرض صور وأسماء وبيانات من يلقى القبض عليهم من "فلول النظام"، وحين تحاول الدولة إثبات أنها عادلة وتلقي القبض على أحد عناصرها بعد ضلوعه في عمليات إجرامية فإنها تقوم بإخفاء وجهه وبياناته واسمه، حتى إنها تحاول بصورة غير مباشرة تبرير جرائمه.
في الإطار ترى الموظفة السابقة في الأمم المتحدة شيرين راعي، أن الباب لا يزال مفتوحاً أمام السلطة لتجاوز عثرات الأشهر الماضية، ويمكن الانطلاق في ذلك من التخلي عن سياسة "الكيل بمكيالين" وإشعارها السوريين بأنهم سواسية في الحقوق والواجبات فتطوع العلويين والدروز والإسماعيليين والمراشدة وبقية المكونات في جيشها وأمنها وإداراتها.
وتضيف راعي لـ"اندبندنت عربية"، أن "الشفافية هي الحل، ثمة أناس في السلطة يعملون بصورة دؤوبة على ألا تتفكك وتنقسم سوريا، ولكن ذلك لا يكفي، لا شك أن الوطنيين كثر، لكن مرحلة ما بعد الأسد مغرقة في الظلام والسواد وتحتاج إلى حلول من خارج الصندوق، وأنا شخصياً لا أعتقد أن الرئيس الشرع يريد سوريا متشحة بالسواد، لكنه استلم البلد في أدق مفاصل عمرها السياسية حساسية، وفي وقت كل المكونات منقلبة على بعضها بعضاً، ولم يخدمه بطبيعة الحال بعض التعيينات والنصائح التي زادت الأمر سوءاً، لذا يجب البحث من جديد في مسار آخر يعيد دمج المكونات وتآلفها كما كانت منذ الاستقلال".
خطوات في المتناول
يمكن القول إن ما بعد سقوط النظام السوري السابق كانت البلاد وصلت إلى ذروة التحطم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والطائفي، وهو ما يستدعي جهوداً أكثر من مضاعفة لمحاولة إصلاح ما يمكن في ما يشبه السباق مع الزمن لوقف عمليات القتل والتصفية والإعدامات الميدانية وخطف الفتيات وتردي الخدمات العامة، بالتوازي وبصورة حثيثة مع العمل ليلاً ونهاراً على مطاردة خطاب الكراهية ومصادرته ولجمه ما أمكن، وهذه مهمة الدولة البديهية لضمان استقرار البلد بعيداً من صراع الطوائف والأعراق الذي يمكن أن يغرق البلد إلى حدود يصعب بعدها انتشاله منها.
يرى متخصصون أن خطوات جدية يجب أن تتخذ في ضبط الفضاء الإعلامي وضمناً منصات التواصل الاجتماعي لمنع نشر مزيد من الفتن والكراهية والاحقاد، مع عقوبات جدية رادعة ضمن أطر القانون والقضاء، إذ يرى الحقوقي نوح الحموي أنه كان أجدى تقديم بلاغات قانونية ضد سوريين يحرضون على القتل على منصات التواصل الاجتماعي بدل ما ذهب إليه بعض زملائه من تقديم بلاغات قضائية ضد سياسيين لبنانيين على خلفية دعمهم دروز السويداء.
وينطلق الحموي من وجهة نظره تلك إلى أن الأمر يحمل استعراضاً مبالغاً به ويقصد منه محاباة السلطة لا إحقاق العدالة، فالعمل يجب أن يكون لإسكات التحريض الداخلي أولاً، الذي وصل حدوداً غير مسبوقة تمثلت باعتداء مصلين من السنة على أئمة مساجد من الطائفة السنية نفسها في الأيام الماضية لدعوتهم إلى احترام الآخر والعيش المشترك، وذلك أمر تكرر في مساجد حماة غير مرة. مضيفاً "على الدولة أن تحسم أمرها، فإما أن تحابي التوجه المتطرف، أو أن تقف في وجهه، ومن كل الأطراف، ففي كل المكونات ثمة متطرفون".