ملخص
موجة جديدة من الدعاية المتبادلة بين واشنطن وطهران تمتد إلى الميمز وألعاب الفيديو، إذ يوظف الطرفان لقطات من فيلم "ليغو" وألعاب فيديو في حرب معلومات تشوه الواقع وتطمس الحدود بين الترفيه والقتال، وسط تحذيرات من اتساع أثر التضليل الرقمي.
في وقت يتواصل فيه صراع حقيقي دموي، تحولت ألعاب فيديو وأفلام شهيرة، مثل "ليغو" Lego و"كول أوف ديوتي" Call of Duty و"غراند ثيفت أوتو" Grand Theft Auto إلى أدوات في حرب دعائية متبادلة بين الولايات المتحدة وإيران.
فمنذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات عسكرية على إيران الشهر الماضي، سقط مئات القتلى، ولا تلوح في الأفق نهاية قريبة للقتال.
لكن وفي حين تتسع رقعة الحرب ويستمر إطلاق الصواريخ، يلجأ الطرفان أيضاً إلى توظيف الثقافة الشعبية للسخرية من بعضهما عبر الإنترنت، وهو اتجاه متنامٍ يحذر متخصصون من أنه يهدف إلى طمس الحدود عمداً بين الواقع والترفيه.
ومن أحدث الأمثلة على ذلك مقطع فيديو مولد بالذكاء الاصطناعي يستخدم شخصيات لعبة "ليغو"، نشرته وسائل إعلام رسمية إيرانية، يتضمن مشاهد صادمة ومسيئة على امتداد الفيديو.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يبدأ المقطع بلقطة تظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وإلى جانبهما الشيطان، وهم يتفحصون ملفاً يحمل عنوان "ملف إبستين".
بعد ذلك تضغط الشخصية التي تجسد ترمب على زر أحمر ضخم، ليطلق صاروخاً يحمل العلم الأميركي باتجاه مدرسة إسلامية للبنات.
وعقب الانفجار لا يبقى في المكان سوى حقيبة وردية صغيرة وزوج من الأحذية، في إشارة واضحة إلى قصف مدرسة "شجرة طيبة" الابتدائية للبنات في إيران في اليوم الأول من الحرب.
تقول إيران إن الضربة الجوية أودت بحياة ما لا يقل عن 175 شخصاً، وهو هجوم وصفته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونيسكو" بأنه "انتهاك جسيم للقانون الإنساني"، فيما تخضع الواقعة لتحقيق من جانب الولايات المتحدة.
وفي مشهد انتقامي، يظهر مسؤولون إيرانيون بهيئة شخصيات ليغو وهم يضغطون بدورهم الزر الأحمر الخاص بهم، مطلقين وابلاً من الصواريخ والطائرات لتدمير قاعدة عسكرية بريطانية في قبرص والسفارة الأميركية لدى السعودية، وهما موقعان تعرضاً بالفعل لهجمات بطائرات مسيرة.
في موضع آخر من المقطع الذي يمتد لدقيقتين، تظهر شخصية ترتدي زياً يهودياً حسيدياً، إلى جانب جنود يرفعون الأعلام الإسرائيلية، وبنيامين نتنياهو، وهم يفرون من المكان.
وبمظهر يقترب أحياناً من أسلوب "ليغو" في فيلم السخرية السياسية الذي قدمه مؤسسا مسلسل "ساوث بارك" بعنوان "تيم أميركا: شرطة العالم" Team America: World Police، يبدو الفيديو امتداداً لجهود البيت الأبيض المثيرة للجدل على منصات التواصل الاجتماعي.
في أحد المقاطع التي نشرها الحساب الرسمي للبيت الأبيض على منصة "إكس"، تظهر إحدى شخصيات سلسلة ألعاب "كول أوف ديوتي" وهي تأمر بشن ضربة جوية عبر جهاز لوحي.
ثم ينتقل المشهد إلى لقطات حقيقية لمقاتلات أميركية تقلع من حاملات طائرات في الشرق الأوسط، وقاذفات تضرب أهدافاً داخل إيران، على أنغام أغنية للممثل ومغني الراب تشايلديش غامبينو Childish Gambino.
وفي مقطع آخر نشر أخيراً، جرى تركيب لقطات الضربات العسكرية مع ميم (مقطع ساخر) لشخصية من لعبة "غراند ثيفت أوتو" تقول: "يا للهول... ها نحن نعيد الكرة من جديد". وبعد كل ضربة، تومض على الشاشة كلمة "مقتول"، تماماً كما تظهر للاعبين عندما تموت شخصيتهم في اللعبة.
رداً على الانتقادات المتعلقة بمقطع "غراند ثيفت أوتو"، قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي لـ"اندبندنت": "تحت القيادة القوية للرئيس ترمب، يحقق مقاتلو الولايات المتحدة الأبطال أهدافهم ضمن عملية ’الغضب الملحمي‘ أو يتجاوزونها".
وأضافت "تريد وسائل الإعلام التقليدية منا الاعتذار عن تسليط الضوء على النجاح المذهل للجيش الأميركي، لكن البيت الأبيض سيواصل بشكل فوري عرض كثير من الأمثلة على تدمير صواريخ إيران الباليستية، ومنشآت تصنيعها، وأحلامها بامتلاك سلاح نووي".
وقد استخدمت مقاطع أخرى شاركتها الولايات المتحدة حول الحرب لقطات من ألعاب قنص وتصويب من منظور الشخص الأول مثل "هيلو" Halo، إضافة إلى مشاهد من أفلام هوليوودية بينها "بريف هارت" Braveheart و"تروبيك ثاندر" Tropic Thunder.
وطالب الممثل الكوميدي بن ستيلر والمؤدي الصوتي للعبة "هيلو" ستيف داونز البيت الأبيض بحذف مقاطعهما من الفيديوهات المركبة عن الحرب.
وكتب ستيلر على منصة "إكس": "أيها البيت الأبيض، الرجاء إزالة مقطع ’تروبيك ثاندر‘. لم نمنحكم الإذن، ولا نريد أن نكون جزءاً من آلة الدعاية الخاصة بكم. الحرب ليست فيلماً".
بدوره قال الدكتور إيان أوفرتون، مدير منظمة "العمل ضد العنف المسلح" Action on Armed Violence، إن مثل هذه الفيديوهات تطمس عمداً الحدود بين الحرب والترفيه.
وأضاف في حديثه إلى "اندبندنت": "تعيد اللغة البصرية المستعارة من ألعاب الفيديو والميمز وغيرها تأطير العنف كعرض بصري. أجد أن الدعاية المولدة بالذكاء الاصطناعي تحمل بعداً فلسفياً مزعجاً بشكل خاص".
وأوضح أن "الدعاية التقليدية كانت تحتفظ دوماً بلمسة من النية البشرية والحرفة، لكن الذكاء الاصطناعي يتيح للدول إنتاج صور تبدو فائقة الواقعية وفي الوقت نفسه منفصلة عن الواقع".
من جهته، قال المستشار التقني الدكتور لوكاش أوليينيك إن دمج لقطات الانفجارات العسكرية مع مشاهد من ألعاب الفيديو أو الرسوم المتحركة بهذه الطريقة يجعل الدماغ البشري يعالج المعلومات بشكل مختلف عما إذا قدمها أحد السياسيين في الحكومة.
وأوضح "اللحظة التي تضع فيها رسوماً تصور القتل من لعبة ’كول أوف ديوتي‘ فوق لقطات ضربات حقيقية، ربما تفقد المشاهد تلك المسافة الواقعية بين الحرب واللعبة".
ويتابع الدكتور أوليينيك، باحث بارز زائر في قسم دراسات الحرب في كلية كينغز لندن ومؤلف كتاب "بروباغندا" Propaganda، أنه كان يتوقع منذ فترة طويلة أن تتجه الدول بعيداً من صور الدبلوماسية التقليدية "العتيقة" في عصر التكنولوجيا الحديثة، موضحاً: "هنا يكمن الاهتمام، واهتمام العامة أصبح اليوم المورد الأساس في أي صراع، بما في ذلك الحروب".
لكن في حين قد تستخدم المقاطع المنتشرة على وسائل التواصل ألعاب الفيديو لنشر الرسائل، حذر الدكتور أوليينيك من وصف توظيف الثقافة الشعبية في الدعاية بأنه "طفولي" أو "غير جدي".
وأضاف "هذه تقنية جدية للغاية... لقد لجأت روسيا إلى إجراءات شديدة العدوانية تجاه جيرانها وغرب أوروبا... في حال روسيا، كان الأمر نهجاً شاملاً يشمل الدولة بأكملها ومشغلي المعلومات، بما في ذلك الحسابات التي يديرها الذكاء الاصطناعي على شبكات التواصل الاجتماعي. وهذا له استخدام فعلي في الجهد الحربي".
وحذر الدكتور أوليينيك من أن عواقب حقيقية على الأرض قد تترتب على التضليل المولد بالذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى حملة إدارة ترمب الأخيرة للاستيلاء على غرينلاند.
وأوضح أن المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي، الذي نشرته الولايات المتحدة ويصور الإقليم الدنماركي على أنه أميركي، خلق "تشويشاً متعمداً حول مدى جدية الموضوع"، مضيفاً: "أدى ذلك إلى خلق أزمة حقيقية في تفسير الأحداث في كوبنهاغن وبروكسل". وتساءل: "هل كان هذا تهديداً إقليمياً حقيقياً؟ أم تكتيكاً تفاوضياً؟ أم عرضاً داخلياً للجمهور الأميركي؟ وهل العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة تتدهور؟".
وأكد أن "الحكومات الأوروبية لم تستطع التمييز فعلياً. وكانت لهذا الغموض تداعيات حقيقية على السياسات".
© The Independent