ملخص
اتخذت دول وشركات التواصل الاجتماعي في المنطقة خطوات منسقة لتفكيك أنشطة التنظيم الإرهابي على الإنترنت، عقب الهجمات الكبرى التي شنها تنظيم "داعش خراسان" داخل روسيا وإيران وتركيا عام 2024.
نفذ تنظيم "داعش" عمليتين انتحاريتين منذ بدء العام الحالي، إحداها داخل مطعم في العاصمة الأفغانية كابول، والثانية داخل مسجد في العاصمة الباكستانية إسلام آباد، وعلى رغم رمزية استهداف العواصم كان كلا الهجومين ضد أهداف ناعمة، مما يدل على ضعف التنظيم الإرهابي.
وشهد عام 2025 انخفاضاً ملاحظاً في هجمات تنظيم "داعش" والاعتداءات العابرة للحدود والأنشطة الدعائية، وتعد فترة الانقطاع الحالية أطول من المعتاد، لا سيما بالمقارنة مع الانخفاض الذي أعقب الهجوم على ضريح شاه جراغ داخل شيراز في إيران خلال أكتوبر (تشرين الأول) عام 2022.
ويكشف الهجومان الأخيران عن إحباط كبير لدى تنظيم "داعش"، الذي يحاول الحفاظ على وجوده في بيئة عسكرية مشحونة، بعد سلسلة من الإخفاقات على الصعيدين العملياتي والدعائي.
تراجع الدعاية
لكن ما لذي أدى إلى إخفاق "داعش"؟ دعونا نبدأ بالجانب الدعائي، إذ كان التنظيم ينشر إصداراته عبر مؤسسة العزائم، لكن ثمة عوامل أدت إلى تعطيل أنشطة هذه المؤسسة، أولها اعتقال قادة ودعاة بارزين في التنظيم داخل باكستان وتركيا وأفغانستان وأوزبكستان، بما في ذلك اختفاء أحد أهم أسماء الإعلام الرقمي للتنظيم المتطرف الذي يبدو أنه اعتقل خلال عملية مشتركة بين أنقرة وإسلام آباد خلال مايو (أيار) عام 2025، واعتقال كبير دعاة التنظيم سلطان عزيز عزام.
الأمر الآخر الذي أثر في "بروباغندا داعش" هو حجب موقعين إلكترونيين تابعين للتنظيم هما "الرعود" و"مؤسسة الإعلام"، في حين اتخذت إحدى شركات التواصل الاجتماعي إجراءات ضد حسابات وقنوات سرية للتنظيم.
واتخذت دول وشركات التواصل الاجتماعي في المنطقة خطوات منسقة لتفكيك أنشطة التنظيم الإرهابي على الإنترنت، عقب الهجمات الكبرى التي شنها تنظيم "داعش خراسان" داخل روسيا وإيران وتركيا عام 2024.
وعلى إثر هذا التضييق نقل عدد من قنوات مؤسسة العزائم إلى منصات جديدة لتجنب مزيد من التعطيل، إلا أن إغلاق القنوات الرئيسة المسؤولة عن حفظ المحتوى ونشره أثر في وصول المؤسسة إلى المحتوى وفي توزيعه المنتظم.
على سبيل المثال، جرى إغلاق قنوات الدعاية التابعة لتنظيم "داعش خراسان" داخل تركيا بصورة كاملة، كما تعطل إصدار المجلة الإنجليزية التابعة للتنظيم لأشهر عدة، قبل أن يجري إصدار العدد الـ38 للمجلة خلال فبراير (شباط) الماضي بعد توقف دام سبعة أشهر. وتضمن هذا العدد الجزء السابع من سلسلة مقالات بعنوان "نور الظلام"، التي ناقشت التهديدات التي يشكلها الذكاء الاصطناعي على مؤيدي "داعش خراسان" على الإنترنت.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أثرت هذه الإجراءات في جودة وكمية وتنوع وانتشار إنتاج مؤسسة العزائم الدعائي بصورة كبيرة، فبعد أن كانت تعرف بموادها الدعائية الفريدة والمتعمقة بات إنتاجها الأخير يقتصر على ترجمات وإعادة نشر لمواد قديمة، كما أن الإصدارات الجديدة تفتقر إلى تعليقات حول التطورات الجديدة في المنطقة وأحداث ذات أهمية عالمية كالحرب الإيرانية - الإسرائيلية.
وعلى رغم هذه الإخفاقات تظل عودة الشبكة الدعائية للتنظيم للعمل المتواصل غير مستبعدة، إذ تشير الدراسات السابقة إلى أن الخسائر الأخيرة لـ"داعش" قد تقلل من الدعاية موقتاً، إلا أن هذا الانخفاض لن يدوم طويلاً، وقد عادت منظمات عدة للنشاط بعد حملات مراقبة مماثلة لما حدث مع مؤسسة العزائم من خلال إعادة تأهيل كوادرها ومنصاتها الإعلامية، أو من خلال إعادة تنظيمها تحت اسم وهيكل جديدين.
وكثيراً ما أشار المراقبون إلى قوة نظام الدعاية لتنظيم "داعش" التي يعزونها إلى استراتيجية التنظيم وهيكله، وتوجد دلائل واضحة على هذه القوة في مؤسسة العزائم.
الوصول إلى العاصمة
أما من الناحية العملياتية فعلى رغم استهداف موقع مدني ناعم، يثير الوصول إلى العاصمة الباكستانية والتحرك بحرية فيها والنجاح في تنفيذ العملية تساؤلات حول الاستعدادات الأمنية داخل إسلام آباد، إذ إن حرية حركة الانتحاري ووصوله إلى هدفه، وهو مبنى الإمام بارغاه (الحسينية) ليس إلا فشلاً أمنياً ذريعاً، ويدل اعتقال عناصر وقادة التنظيم الإرهابي من الأجهزة الأمنية بعد وقوع الحادثة على وجود شبكة منظمة للتنظيم داخل العاصمة، وقد باتت الأدلة على ذلك بحوزة الأجهزة الأمنية.
السؤال المهم هو إلى أي مدى يمكن أن يتزايد خطر تنظيم "داعش" إلى جانب حركة "طالبان" خلال الأيام المقبلة، وهل باتت المؤسسات الأمنية والأقليات والطائفة الشيعية في مرمى نيران الجماعات الإرهابية؟
يشكل تهديد تنظيم "داعش" خطراً على أفغانستان والمنطقة بأسرها بما في ذلك باكستان، وقد ظهر هذا الفرع خلال يناير (كانون الثاني) عام 2015 عندما عين أبوبكر البغدادي حافظ سعيد خان القائد السابق لحركة "طالبان" أميراً له على المنطقة.
ووفقاً لدراسة أجراها معهد السلام الأميركي خلال عام 2016، كان فرع "داعش خراسان" يتألف إلى حد كبير من قادة حركة "طالبان باكستان"، الذين أصيبوا بخيبة أمل بعد فقدان نفوذهم في المناطق القبلية السابقة.
بحسب تقرير صادر عن المعهد الأميركي المتحد، بلغ عدد مقاتلي "داعش" داخل أفغانستان ما بين 7 و8 آلاف مقاتل خلال الفترة 2015-2016، بينما تراوح عددهم في باكستان بين ألفين و3 آلاف مقاتل. ومن الواضح أن هذا العدد قد تضاعف مرات عدة، منذ ذلك الحين.
ومن المثير للاهتمام أن هذه الجماعات تحظى أيضاً بتغطية إعلامية سياسية وتثقيفية، مما يتيح لها فرصة نشر الكراهية ودعاية التطرف. والسؤال المطروح هو: لماذا تتردد الدولة الباكستانية في اتخاذ إجراءات ضد هذه الجماعات والمنظمات؟ فمن جهة، يعاقب ممثلو حقوق الإنسان في باكستان بعقوبات صارمة بينما يتحدى الإرهابيون ودعاة الكراهية الدولة علناً من دون اتخاذ إجراءات حاسمة ضدهم.
ينبغي على الدولة اتخاذ إجراءات صارمة ضد جميع هذه الجماعات، وإلا فإن نار التطرف الديني ستطرق الأبواب مرة أخرى.