ملخص
إن أكثر من 80 في المئة من تمويل وكالات الأمم المتحدة مصدره أقل من 10 دول، لذا فإن أي قرار أو مشروع أو تحقيق قضائي لا يصب في مصلحة أحد هؤلاء الممولين الكبار فإنه لن يمر، مما يؤدي إلى تحويل هذه المنظمات إلى ما يشبه شركات المقاولات التي تنفذ سياسات المانحين لا حاجات الشعوب المحتاجة إلى المساعدة.
من كان يظن أن أكبر المؤسسات الدولية والمنظمات التي تم تأسيسها للحيلولة دون تكرار كوارث القرن الـ20 ستتحول إلى متاهة من البيروقراطية والعجز في القرن الـ21، من الأمم المتحدة بمكاتبها الباذخة في نيويورك وجنيف ومنظماتها ومؤسساتها الكثيرة والمتفرعة عن بعضها بعضاً، وحتى أصغر المنظمات غير الحكومية في أطراف أفريقيا أو آسيا، ما دام أية واحدة منها لم تتمكن من تحقيق ما تدافع عنه على أرض الواقع، سواء كان الأمر يتعلق بالحروب أو الهجرة أو الفقر والجوع أو البيئة والمناخ العالمي. فمع كل أزمة جديدة يتكرر الجدل حول فعالية هذه المنظمات وجدوى وجودها، أهي أمل البشرية الأخير، أم مجرد قناع يغطي عجز النظام الدولي عن حماية نفسه من نفسه؟
من الحلم إلى المتاهة
عندما أسست الأمم المتحدة، كان العالم قد بدأ بالخروج من رماد الحرب العالمية الثانية، وكان يفترض بهذه المنظمة الأممية أن تجمع الجميع تحت مظلة السلم والتنمية وحقوق الإنسان بعدما سن مؤسسوها قوانين دولية ومواثيق تمنع عودة ويلات الحروب الماضية من أجل عالم مليء بالسلام، لكن سرعان ما اكتشف العالم أن البيت الجديد ليس أكثر من خيمة مثقوبة بالخلافات الكثيرة بين الدول المنتصرة في الحرب، والتي عملت على تقسيم مناطق نفوذ العالم في ما بينها، ومنحت الدول الخمس المنتصرة نفسها حق النقض أو الفيتو الذي يمنع سريان أي قرار توافق عليه الدول الأربع الأخرى، وظهرت خطوط الانقسام سريعاً بعد انتظام صراع القطبين الجبارين، أي الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق، وسرعان ما عادت حصون السيادة الوطنية أقوى من كل طموحات التعاون والاتحاد الدوليين بين دول العالم.
وخلف واجهة الشرعية القانونية كان لا بد من تأمين التمويل الضخم الذي استدعى بناء هيكليات مؤسساتية وإدارية وتنظيمية معقدة داخل الجمعيات العمومية والمجالس التنفيذية والأمانات العامة والوكالات المتخصصة، ورويداً رويداً راحت هذه التنظيمات والمنظومات تعمل بصورة منفصلة عن بعضها بعضاً، مما أدى في كثير من الأحيان إلى تضارب الآراء والقرارات حول مشكلة معينة، وبدلاً من حلها صار هذا الحل أكثر تعقيداً، خصوصاً حين يترافق مع التدخلات السياسية وتحكم الجهات الممولة لهذه المنظمات بقراراتها، وهذا التحكم جعل أي قرار متخذ لحل مشكلة ما يتعلق بالأهداف السياسية بدلاً من أن يكون متعلقاً بالأهداف الإنسانية التي أنشئت هذه المؤسسات من أجل تحقيقها.
بجوار كيانات الأمم المتحدة العملاقة ظهر جيش من المنظمات غير الحكومية (NGOs)، بعضها يعمل بالفعل من أجل التغيير ولكن على الغالب تكون تطلعاته أكبر بكثير من قدرته على تحقيقها، وبعض هذه المنظمات غير الحكومية وجد لنفسه مكاناً في سوق الأعمال الإنسانية الدولية.
من يرسم خرائط النفوذ؟
يكمن سؤال التمويل في قلب أزمة المنظمات الدولية، فمن المعروف أنه لا وجود لمنظمة مستقلة مالياً، ففي الأمم المتحدة ومنظماتها تلعب الاشتراكات الإلزامية التي تدفعها الدول بحسب حجم اقتصادها دوراً أساساً في تمويل المشاريع وتنفيذ الخطط الموضوعة وتقديم الدعم المادي والمالي حين تقع الحاجة إلى ذلك، لكن اشتراكات الدول الكبرى خصوصاً أميركا واليابان وألمانيا، هي عصب المنظمة كلها، ولو قررت هذه الدول وقف تمويلها فإن عدداً من هيئات الأمم المتحدة ومئات المشاريع وبرامج المساعدات التي تدعمها وملايين الأشخاص الذين يتلقون المساعدة منها، خصوصاً في دول العالم الثالث، سيتعرضون لكارثة.
إن أكثر من 80 في المئة من تمويل وكالات الأمم المتحدة مصدره أقل من 10 دول، لذا فإن أي قرار أو مشروع أو تحقيق قضائي لا يصب في مصلحة أحد هؤلاء الممولين الكبار فإنه لن يمر، مما يؤدي إلى تحويل هذه المنظمات إلى ما يشبه شركات المقاولات التي تنفذ سياسات المانحين لا حاجات الشعوب المحتاجة إلى المساعدة على صعد كثيرة باتت لا تعد ولا تحصى، في الاقتصاد والسياسة والاجتماع والثقافات المحلية والبيئة والهجرة والغذاء والسكن وغيرها كثير من القضايا المتشعبة والمتشابكة، التي يرتفع عددها مع ارتفاع عدد سكان العالم وتحديداً الفقراء منهم، أو المتأثرين بتغير المناخ وبالحروب والفساد والجوع في الدول الفقيرة. هذا الأمر ينطبق أيضاً على المنظمات غير الحكومية الكبرى التي غالباً ما تتماشى مع رغبات مموليها ولن تدور عجلة أعمالها من دون ذلك.
البيروقراطية والأمل والعجز
يمكن القول إن الهياكل الإدارية في ظاهرها نموذجية، لكن بات معروفاً أن المراكز الإدارية العليا تتحكم فيها نخبة دبلوماسية تتداول المناصب في ما يشبه نادياً مغلقاً، ويعاون هؤلاء موظفون ميدانيون وشباب مندفعون وأعداد كبيرة من المستشارين ومن العاملين على مشاريع معينة، ومن الموظفين في الدول التي تتلقى دعم هذه الهيئة الدولية، وهؤلاء جميعهم يعملون على تنفيذ خطط أو برامج لم يشاركوا في وضعها بل ألقيت عليهم من الأعلى، ولهذا يكون تأثيرهم الفعلي على أرض الواقع ضئيلاً نسبياً، وهذه الحال تشتد كلما اتسعت الدائرة في البيروقراطية الإدارية والهرمية لمنظمة ما من منظمات الأمم المتحدة، وينطبق الأمر نفسه على المنظمات غير الحكومية الكبيرة وذات التمويل الضخم مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية ومنظمة الغذاء العالمي، والتي تتلقى تمويلاً مستمراً. فالبيروقراطية الداخلية كما يصفها المطالبون بإعادة هيكلة منظمة الأمم المتحدة، أشبه بدولة داخل الدولة يحكمها أمناء ومديرون يملكون القدرة على تكييف السياسات ضمن حدود التمويل والمصالح الدولية للممولين الكبار. ففي النهاية تبدو المنظمات الدولية مرآة لصراعات الأمم والشركات والشعوب، ويتم تداول القرارات بين أميركا وروسيا والصين والاتحاد الأوروبي وبريطانيا، أو بين الشمال والجنوب العالميين، وكذلك بين اللوبيات المتنافسة في كواليس المنظمات الإنسانية.
هل ثمة نجاحات تذكر؟
لا يمكن إنكار بعض النجاحات النادرة، وأشهرها القضاء على الجدري نهائياً بفضل اتفاق عالمي تركت فيه السياسة مجال العمل والقرار للعلم وحده، وهناك حملات صحية وتعليمية نجحت في تغيير حياة ملايين البشر، ولا يمكن إنكار أهمية اتفاقات المناخ، ولو لم تنفذ جميع الدول الموقعة عليها التزاماتها، لكن مؤتمرات ذات تأثير كبير جعلت قضية تغير المناخ في صدارة الاهتمام العالمي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كذلك لا بد من القول إن منظمات الأمم المتحدة المختلفة تمكنت من وضع حد لبعض الحروب أو حماية شعب من الشعوب من نزاعات متفاقمة، ولكنها نجاحات نادرة. فعلى سبيل المثال توقفت الحرب في البلقان، لكن بقيت الألغام السياسية والاجتماعية التي قد تشعل الحرب من جديد موجودة حتى اليوم. أما في سوريا فما يجري هناك يدل على مدى ضآلة قدرة الأمم المتحدة على حل نزاع سياسي إقليمي، وكذلك الأمر في الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، الذي وصفته الأمم المتحدة وسائر منظماتها بأنه أقرب إلى الجحيم، وعلى رغم كل الدعوات الأممية لوقف الحرب فإنها لا تزال مستمرة، مما يدل على ضعف المؤسسات الإنسانية أمام آلة الحرب السياسية التي تقررها الدول الكبرى.
وليس بعيداً كشف جائحة كورونا عن هشاشة التعاون الدولي في الجوائح، إذ بينت أن منظمة الصحة العالمية لا يمكنها التأثير في قرارات الدول حول المساواة في توزيع اللقاحات وأدوات الوقاية من الفيروس، فبدا العالم في حال من الفوضى خلال مواجهة تلك الجائحة.
أما منظمة الأغذية والزراعة (FAO) فقد عجزت عن وقف المجاعات في الصومال واليمن وفي سائر الدول التي تقع تحت عبء الفقر والمجاعة بسبب الجفاف وتغير المناخ وضيق الرقعة الزراعية وغياب الخبرات المحلية. وكذلك بالنسبة إلى المفوضية العليا للاجئين (UNHCR) التي وفرت مأوى للملايين ولكنها لم تستطع إيجاد حلول دائمة لقضايا جميع من أمنت لهم المأوى، وبدلاً من العمل على إعادتهم إلى بيوتهم تم تثبيتهم في البلدان التي هاجروا إليها بواسطة الدعم المادي كما فعلت هذه المنظمة مع اللاجئين السوريين في لبنان.
لم تعد الأمم المتحدة أو البنك الدولي أو الصحة العالمية تحظى بالقداسة القديمة، بل صار نقدها فجاً وعلنياً. كثير من الدول بدأت تستعيد السيطرة على قطاعات الصحة والتعليم والاقتصاد، والمنظمات الكبرى تهرم، تستهلكها البيروقراطية من الداخل، وتفقد مرونتها في زحام المتغيرات.