ملخص
في حين تعدد شريحة واسعة من السودانيين الأسباب التي تدفعها إلى مغادرة مصر والانجذاب إلى مشروع العودة الطوعية، يقول مدير مكتب "حق" للدعم القانوني والنفسي للاجئين ياسر فراج إن أعداداً كبيرة من السودانيين لا مفر أمامها سوى العودة إلى بلادها، بسبب عدم امتلاكهم مصادر دخل وعدم تأهيلهم للانخراط في سوق العمل المصري.
بعد قرابة عامين من الإقامة في مصر، على خلفية الحرب المستعرة في السودان منذ أبريل (نيسان) 2023، لم يجد أكرم الحاج سوداني في الخمسينيات من عمره، مقيم بمنطقة فيصل بالجيزة، سبيلاً أمامه سوى الاستعداد للعودة إلى الخرطوم برفقة أسرته، منتظراً دوره للالتحاق برحلات العودة الطوعية التي تنظمها جهات سودانية تابعة للجيش.
وتتواصل رحلات العودة الطوعية بصفة أسبوعية من القاهرة على مدى الأشهر الثلاثة الماضية، التي تقل سودانيين راغبين في العودة إلى الخرطوم، وصولاً بانطلاق المرحلة الثانية من المشروع الإثنين الماضي، التي استبدلت فيها وسيلة النقل من الأتوبيسات إلى القطارات بالتنسيق مع الجهات المصرية.
وثقت "اندبندنت عربية" شهادات سودانيين يرفضون العودة وسط استمرار القتال بين الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع"، إلى جانب توثيق حالات فرار أشخاص من السودان إلى الحدود المصرية عبر طرق غير شرعية هرباً من مناطق النزاع، تزامناً مع انتظام الرحلات الطوعية التي تنطلق من القاهرة.
نار الحرب أهون من لهيب الغلاء
بينما يقول أكرم في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، "أفضل العودة إلى السودان لأسباب اقتصادية، إذ باتت ظروف المعيشة في مصر صعبة بسبب الغلاء، وصعوبة إيجاد عمل بدخل مجز، إضافة إلى انقطاع الدعم من مفوضية الأمم المتحدة".
ويعزو أكرم قراره بالعودة إلى عوامل عدة، قائلاً "لا أجد عملاً منتظماً، وأجد صعوبة في دفع إيجار السكن الذي لا يقل عن 5 آلاف جنيه شهرياً (102 دولار أميركي)، في حين يمكننا في السودان السكن في منزل نملكه دون كلفة إضافية. الوضع الأمني تحسن في الخرطوم العاصمة، لكننا نفضل العودة في الشتاء خشية انقطاع الكهرباء في الصيف".
وتواصلت "اندبندنت عربية" مع رئيس لجنة العودة الطوعية للسودانيين أميمة عبدالله لمعرفة تفاصيل الرحلات من القاهرة إلى الخرطوم، وأفادت بأن عدد السودانيين الذين غادروا مصر منذ انطلاق المرحلة الأولى خلال أبريل (نيسان) الماضي بلغ 11100 سوداني، إذ جرى تنظيم 187 رحلة باستخدام الأوتوبيسات، قبل أن تبدأ اللجنة الإثنين الماضي المرحلة الثانية التي تعتمد على القطارات بالتنسيق مع الحكومة المصرية.
وأوضحت رئيس اللجنة أن التحول إلى استخدام القطارات جاء بعدما لاحظت اللجنة الضغط من السودانيين في مصر على هذه الرحلات، ولتقليص عدد الرحلات الأسبوعية من يومين إلى يوم واحد، إذ تتيح القطارات نقل أعداد أكبر من الأتوبيسات. وأكدت أن اللجنة ستواصل تنفيذ هذه المرحلة حتى الوصول إلى العدد المستهدف من السودانيين الراغبين في العودة إلى ديارهم.
وبينما تحتضن مصر أكثر من 1.5 مليون سوداني دخلوا أراضيها منذ اندلاع النزاع في السودان خلال أبريل (نيسان) 2023، أعلنت المنظمة الدولية للهجرة اليوم الخميس أن نحو 26965 سودانياً عادوا من مصر إلى بلادهم خلال يونيو (حزيران) الماضي، وبلغ إجمال السودانيين العائدين من مصر منذ مطلع يناير (كانون الثاني) 2025 حتى نهاية يونيو نحو 191075 شخصاً، أي ما يقارب خمسة أضعاف عدد العائدين خلال عام 2024، الذي لم يتجاوز 42418 فرداً. وبحسب المنظمة، يتحدر غالبية العائدين من ولايتي الخرطوم (65 في المئة) والجزيرة (23 في المئة)، وهما من أكثر المناطق تضرراً بالنزاع.
وفي حين تؤكد المسؤولة السودانية تزايد أعداد المقبلين على هذه الرحلات، لا تزال الأربعينية تهاني عبدالمنعم تتمسك بالبقاء في مصر، انطلاقاً من أسباب تراها منطقية لعدم العودة، مشيرة إلى عودة نحو 20 فرداً من أصل نحو 50 فرداً من عائلتها.
تقول تهاني لـ"اندبندنت عربية"، "الوقت غير مناسب للعودة، نظراً إلى أن الغلاء في السودان مضاعف، إذ ترتفع أسعار السلع الغذائية ويبلغ متوسط المصاريف اليومية للأسرة متوسطة الدخل من دون لحوم نحو 2000 جنيه مصري (41 دولاراً أميركياً)، ولا تتوافر جميع السلع مع نقص حاد في الأدوية وعدم استعادة الأمن بصورة كاملة، إلى جانب انتشار عصابات متخصصة في السرقة وظهور الأوبئة لوجود جثث في بعض الشوارع".
وقبل أيام، حذرت الأمم المتحدة من استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية داخل السودان، مشيرة إلى أن تفشي الكوليرا وموجات النزوح الناتجة من الفيضانات إلى جانب نقص المساعدات، باتت تهدد حياة السكان في مختلف أنحاء البلاد. وأكدت أن الشركاء المحليين والدوليين أنشأوا مراكز لمعالجة المصابين بالكوليرا، غير أن الإمكانات الحالية لا ترقى إلى مستوى الاستجابة المطلوبة في ظل تزايد الحالات المسجلة.
وبحسب تهاني، فإن عدداً من الشباب السوداني غادر مصر لعجزه عن تحمل كلف المعيشة من دون دخل كاف، في ظل ارتفاع نفقات السكن والحاجات اليومية، بينما عادت بعض العائلات مجدداً إلى مصر بعد مغادرتها إلى السودان. مشددة على أن الأمان غير متوافر في السودان، خلافاً لما تروج له حملات تحث على العودة الطوعية.
هل هي عودة طوعية أم قسرية؟
وحول تجربتها التي انتهت بها بالاستقرار في القاهرة، أوضحت أنها وصلت إلى مصر خلال نوفمبر 2024 عبر طرق التهريب، إذ لجأت العائلة إلى هذا المسار على فترات متقاربة. لكنها تجد صعوبة في إقناع شقيقها بعدم العودة، لإصراره على مغادرة مصر بسبب انخفاض دخله، وما تركه ذلك من أثر نفسي عليه.
وتضيف أن شقيقها انتقل إلى أكثر من مكان للعمل ويوميته لا تزيد على 100 جنيه، وتنقل بين مطاعم ومخابز وكان يجبره أصحاب العمل على دوام طويل يصل إلى 12 ساعة، بينما أقصى دوام في السودان ثماني ساعات، ويضطر لمواصلة العمل طوال الأسبوع حتى يتمكن من تلبية المتطلبات الأساس.
وفي ظل استمرار الدعوات التي تحث السودانيين المقيمين في مصر على العودة، تستشهد تهاني بقولها "اصطدمت بأن جميع أفراد الأسرة باتوا يبحثون عن العودة على رغم الأسباب المنطقية التي تجعلها صعبة، تحت ضغوط الإيجارات المرتفعة، إذ لا يحتمل أصحاب السكن أي تأخير في الدفع، وعدد من أفراد العائلة عادوا إلى الخرطوم أخيراً بكلفة تصل إلى 5000 جنيه، ولا صحة لوجود عودة طوعية مجانية كما يروج".
حول ما يتردد في شأن دفع بعض السودانيين مبالغ مالية لوسطاء مقابل الانضمام إلى رحلات العودة الطوعية، شددت رئيس لجنة العودة الطوعية على أن المشروع مجاني بالكامل، ويتحمل نفقات القطارات ورسوم المعابر، إذ تسدد اللجنة 250 جنيهاً عن كل شخص. وأكدت أن أي مبالغ تطلب من وسطاء تمثل حالات احتيال لا علاقة للجنة بها.
وتتخذ العودة الطوعية مساراً محدداً حتى الوصول إلى المناطق الآمنة في الخرطوم، إذ أوضحت أميمة عبدالله التي ترأس اللجنة المكلفة من منظومة الصناعات الدفاعية، وهي مؤسسة حكومية تابعة للجيش السوداني أن الرحلات مجانية بالكامل، إذ تنطلق القطارات إلى السد العالي ومن هناك تقلهم أتوبيسات إلى العبارة وفي السودان يكون في انتظارهم 20 أتوبيساً لنقلهم إلى وجهتهم النهائية في الخرطوم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبينما يرى خبراء أن المبادرة تحمل طابعاً دعائياً، مستندين إلى الأعداد الضئيلة للعائدين مقارنة بالمقيمين في مصر خصوصاً أن الرحلة لا تتجاوز 1000 شخص، ترد أميمة قائلة "لدينا 3000 سوداني على قوائم الانتظار، ونستهدف عودة مليون سوداني عبر هذه الرحلات الأسبوعية".
وبحسب المتخصص القانوني المتخصص في قضايا اللاجئين الأفارقة، أشرف ميلاد فإن مشروع العودة الطوعية يحمل طابعاً رمزياً، إذ لا تمثل أعداد السودانيين الذين يستخدمون هذه الوسائل للعودة سوى نسبة محدودة من أصل أكثر من مليون سوداني دخلوا مصر منذ اندلاع الحرب الأخيرة منتصف أبريل (نيسان) 2023، معتبراً أن المنتمين إلى دارفور المناطق التي يشتد فيها الاقتتال لن يفكروا في العودة في هذا التوقيت.
فيما أشار إلى أن عدد السودانيين ارتفع بصورة كبيرة في مصر خلال العامين الماضيين، مما أدى إلى فجوة تمويلية لدى مفوضية اللاجئين، انعكست على تقليل الدعم الشهري الذي كانت تقدمه لبعض الأسر، إلى جانب تعرض عدد منهم للتوقيف بسبب عدم امتلاكهم أوراق إقامة قانونية.
تعود رئيسة اللجنة المشرفة على العودة الطوعية للسودانيين وتقول "أعداد من السودانيين عادوا على نفقتهم الخاصة، إذ استقبل المعبر نحو 50 ألف سوداني خلال الأشهر الماضية. ونحن نعتمد على نافذة تسجيل واحدة عبر رقم واتساب، وتتطلب تقديم وثائق تثبت الجنسية السودانية، مثل جواز السفر أو البطاقة القومية لجميع أفراد الأسرة، ولا يجري التعامل مع أية حالة لا تستوفي هذه الشروط".
وبخصوص التعامل مع السودانيين الراغبين في العودة ممن ينتمون إلى مناطق لا تزال تشهد نزاعات، أوضحت أن هذه الحالات تتجه عادة إلى مناطق آمنة يوجد فيها أقارب لهم. وأشارت إلى أن محطات الوصول المعتمدة هي ولاية نهر النيل، ومدينة عطبرة والميناء البري في الخرطوم، مضيفة أن معظم المنتمين إلى ولاية الجزيرة انضموا إلى الرحلات في حين لم تسجل حالات انضمام من مناطق دارفور، وغالبية المسجلين من سكان الخرطوم، التي باتت شبه خالية من سكانها.
في حين تعدد شريحة واسعة من السودانيين الأسباب التي تدفعها إلى مغادرة مصر والانجذاب إلى مشروع العودة الطوعية، يقول مدير مكتب "حق" للدعم القانوني والنفسي للاجئين ياسر فراج إن أعداداً كبيرة من السودانيين لا مفر أمامها سوى العودة إلى بلادها، بسبب عدم امتلاكهم مصادر دخل وعدم تأهيلهم للانخراط في سوق العمل المصري، مضيفاً أن غالبيتهم دخلوا مصر عبر طرق التهريب، مما يجعلهم يواجهون صعوبات في التنقل والحصول على إقامة قانونية.
وأضاف أن عدداً منهم نفدت مصادر دخلهم ويعتمدون بصورة كاملة على تحويلات أبنائهم العاملين في الخارج لتحمل أعباء المعيشة المرتفعة، مشيراً إلى أن الصدمة الثقافية التي تعرض لها كثر دفعت شريحة واسعة للتفكير في العودة، مهما كان الوضع في السودان، لكن توجد أيضاً حالات "عودة عكسية" من السودان إلى مصر بكثافة ملحوظة، وتظل حركة التنقل نشطة في الاتجاهين.
مصيران أحلاهما مر
يقول محمد الشيخ سوداني وصل إلى مصر مع أسرته خلال الأسابيع الأولى من الحرب الأخيرة إن الخيارات المتاحة أمامهم محدودة، موضحاً "العملة السودانية باتت ضعيفة جداً أمام الجنيه المصري، بالتالي فإن ما يصلنا من دعم لا يكفي لتغطية الإيجارات أو نفقات المعيشة المرتفعة في مصر. لكن العودة إلى السودان أيضاً صعبة في ظل الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي، وانتشار وباء الكوليرا في عدد من المناطق، مع نقص حاد في المرافق الصحية".
ويتابع "نقيم في مصر في ظل تراجع دور مفوضية اللاجئين والاكتظاظ الكبير على خدماتها، إلى جانب غياب فاعلية المنظمات الشريكة في دعم اللاجئين، بالتالي فإن خيار العودة يبدو أحياناً الطريق الوحيد لكنه في الواقع غير مأمون العواقب، وعلى رغم كل شيء لا تزال أعداد من السودانيين تفر إلى مصر، بحثاً عن الرعاية الطبية أو هرباً من انعدام الأمان".
ويضيف "من ضاقت بهم السبل، وتآكلت طاقتهم أمام الغلاء وتضخم العملة وكلف المعيشة، وبخاصة في دول الجوار مثل مصر بدؤوا يفكرون في العودة. لا لأن الوطن آمن أو مهيأ لاستقبالهم، بل لأن البقاء بات مستحيلاً، والمجهول أصبح أهون من الجحيم اليومي". بينما يكمل "أما من استطاعوا تثبيت أقدامهم ولو نسبياً، بفضل دعم خارجي أو روابط أسرية في المهجر، فهم يحاولون جاهدين بناء أوطان صغيرة في منافيهم، على رغم التحديات اليومية من التعليم الشحيح والرعاية الصحية المحدودة، وفرص العمل المسدودة والتمييز الثقافي والقانوني".
ويختم محمد الشيخ حديثه "المفارقة أن كفتي البقاء والعودة، كلتاهما مرة. لا الأولى تضمن الكرامة، ولا الثانية تضمن النجاة. ومهما تنوعت الأسباب تبقى النتيجة واحدة وهي أن اللاجئ لا يختار بإرادته، بل تدفعه الظروف دفعاً إلى خيارات لا تشبه الحياة. لذا يجب أن نتوقف عن تصوير العودة الطوعية خياراً نابعاً من إرادة حرة، فهي في غالب الأحيان عودة اضطرارية بلا ضمانات ولا رؤية واضحة، سوى التعلق البائس بشيء من الحنين".