Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

4 تحديات قد يفرضها الفراغ الفرنسي في أفريقيا

يبدو أن الانسحاب سيجعل الدول المغاربية أمام سيناريوهات عدة لمواجهة التحولات الأمنية الجديدة

موجة من الانقلابات أدت إلى صعود قادة جدد مناهضين لنفوذ باريس في دول مثل النيجر ومالي (رويترز)

ملخص

فرنسا تطوي آخر صفحات حضورها في الغرب الأفريقي، مع تسليم قواعدها العسكرية في السنغال.

مع تسليم قواعدها العسكرية في السنغال، تكون فرنسا طوت صفحة حضوراً عسكرياً امتد لأعوام في غرب أفريقيا، مما يثير تساؤلات جدية حول تأثير ذلك في الوضع الأمني في القارة السمراء.

وثارت مخاوف في شمال أفريقيا من أن تطاول التهديدات الأمنية التي تعرفها منطقة غرب أفريقيا دولاً مثل تونس والجزائر وليبيا وموريتانيا، خصوصاً مع تصاعد الهجمات التي يشنها مسلحون مرتبطون بتنظيمات إرهابية، على غرار "القاعدة" و"داعش" وتنامي حركة الهجرة غير النظامية.

تحديات أمنية وسياسية

واضطرت فرنسا في الأعوام الأخيرة إلى التخلي عن عمليات عسكرية كانت أطلقتها لمحاربة المتطرفين في الساحل الأفريقي، وذلك إثر موجة من الانقلابات التي أدت إلى صعود قادة جدد مناهضين لنفوذ باريس في دول مثل النيجر ومالي.

الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية وليد عتلم عد أن "القلق من الانسحاب الفرنسي لم يعد مقتصراً على دول الساحل فقط، بل يمتد ليشمل شمال أفريقيا، بخاصة مع تزايد الهجمات الإرهابية العنيفة في مناطق التماس، والاشتباه في تمدد الجماعات المسلحة من الجنوب إلى الشمال، في ظل انهيار خطوط الدفاع الفرنسية التقليدية".

وأوضح عتلم أنه "بالنسبة إلى دول شمال أفريقيا، فإن الانسحاب الفرنسي من غرب القارة يفرض تحديات أمنية وسياسية مباشرة، قد يكون بعضها أكثر خطورة من بقاء القوات الفرنسية نفسها، فالفراغ الناجم عن هذا الانسحاب يتزامن مع تصاعد الهجمات الإرهابية في حزام الساحل وتفكك جبهات الردع السابقة وتزايد تهريب السلاح والمرتزقة عبر الحدود الجنوبية نحو الجزائر وليبيا وتونس وموريتانيا، مما يجعل دول المغرب العربي عرضة لضربات استباقية أو ارتدادية، سواء من جماعات متطرفة أم من ميليشيات عابرة للحدود تبحث عن مأوى أو موطئ قدم".

وشدد على أن "هذه الدول لا تملك حتى اللحظة آلية موحدة للرد، إذ يعاني التعاون المغاربي الانقسام السياسي وغياب الإرادة، في حين أن المؤسسات الإقليمية مثل المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) فقدت كثيراً من فعاليتها، بخاصة بعد انسحاب مالي والنيجر وبوركينا فاسو منها، وتشكيل تكتلات عسكرية بديلة ذات طابع دفاعي هجومي، ولكنها مفتقرة للغطاء الدولي والتماسك الداخلي".

ولفت وليد عتلم إلى أن "الأمن في الساحل الأفريقي لم يعد شأناً محلياً، بل أصبح قضية تتقاطع فيها مصالح إقليمية ودولية، وإذا كانت فرنسا فقدت مكانتها كشرطي أفريقيا، فإن القوى البديلة لا تسعى إلى بناء مؤسسات، بل إلى توظيفها لصالح مشاريعها، مما يجعل خطر إعادة إنتاج الفوضى أكبر من خطر السيطرة الفرنسية القديمة. في ظل هذه المعادلة، تبقى دول شمال أفريقيا مطالبة بالانتقال من رد الفعل إلى الفعل، عبر بناء استراتيجية متكاملة للأمن الحدودي وتدشين تعاون استخباري عابر للحدود وإعادة تنشيط المسارات المغاربية المجمدة، من دون انتظار دعم أوروبي أو أميركي لن يأتي، أو التوهم بأن انسحاب باريس سيترك فراغاً طويل الأمد".

فراغ آخذ في الاتساع

واستطرد المتحدث قائلاً "بالفعل الوضع الجديد سيربك دول شمال أفريقيا، فدول المغرب العربي وهي الجزائر والمغرب وتونس وموريتانيا وليبيا تجد نفسها اليوم في مواجهة فراغ أمني آخذ في الاتساع جنوب حدودها، بخاصة على محور ليبيا - النيجر - مالي - موريتانيا، الذي يشكل خط تماس ساخناً بين الجنوب المتمرد والشمال المتماسك".

وأشار إلى أن "من أبرز هذه التأثيرات تمدد التهديدات الإرهابية شمالاً، فالجماعات المتطرفة مثل ’القاعدة‘ في بلاد المغرب و’داعش‘ في الساحل ستجد في الفراغ الأمني الجديد فرصة للتمدد نحو شمال مالي وغرب النيجر وحتى موريتانيا".

وأردف عتلم أن "من بين التأثيرات أيضاً تسرب السلاح والمرتزقة، فالحدود الصحراوية الشاسعة باتت ممراً للسلاح القادم من حروب الساحل نحو ليبيا والجزائر وتونس، مما سينتج منه ضغط على أجهزة الأمن الوطني، إذ ستضطر دول شمال أفريقيا إلى مضاعفة الجهود الاستخبارية واللوجستية من دون غطاء دولي كاف، وسيقود الانهيار الأمني إلى ظهور موجات جديدة من اللاجئين، مما يزيد الضغط على تونس والمغرب، ويهدد استقرار المدن الساحلية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

توسيع نفوذ المتطرفين

وتتأرجح دول شمال أفريقيا من حيث الوضع الأمني والسياسي، فتونس تشهد استقراراً حذراً في خضم توتر سياسي متصاعد بين السلطة والمعارضة، فيما تعرف ليبيا فوضى أمنية وسياسية، بينما تعد الجزائر أكثر استقراراً منذ الحراك الشعبي الذي اندلع في عام 2019، والشأن ذاته ينطبق على موريتانيا والمغرب.

ويعتقد رئيس تحرير مجلة "لوديبلومات ميديا" والباحث السياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية رولان لومباردي، أن "الانسحاب الفرنسي من غرب أفريقيا يخلق بالفعل فراغاً أمنياً، وهو ليس بالأمر الهين، وستكون له تداعيات على شمال القارة تتمثل أساساً في السماح للمتطرين بتوسيع نفوذهم، بسبب ظهور جهات فاعلة جديدة مثل روسيا والصين وتركيا، حيث يجري الآن إعادة ترتيب موازين القوى الإقليمية".

وأردف لامباردي أن "هذه التداعيات قد تشمل على سبيل المثال تهديدات نحو جنوب الجزائر من خلال تسلل الجماعات المسلحة من دول مثل مالي والنيجر، وأيضاً زيادة تدفق المهاجرين ومعدلات الجريمة العابرة للحدود، وهما ظاهرتان يغذيهما انهيار الأمن في غرب أفريقيا".

وقال إن "المغرب يعد البلد الأقل تعرضاً بصورة مباشرة للفوضى الحالية في منطقة الساحل، لكنه منخرط بشدة في الاستخبارات ومكافحة الإرهاب، إذ رسخ مكانته كشريك أمني رئيس للدول الغربية، ويسعى إلى توسيع نطاق نفوذه في غرب أفريقيا من خلال شراكات اقتصادية ودينية (الصوفية والزوايا وغيرهما)، التي يمكنها احتواء بعض التهديدات الإرهابية".

سردية للتبرير

في المقابل، يعتقد كثر أن الانسحاب الفرنسي لن تكون له تأثيرات في شمال القارة، وأن المخاوف التي ثارت تخفي في طياتها "تبريراً للحضور العسكري الفرنسي" في المنطقة.

أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية رابح العروسي، يرى أن "هناك ترويجاً لسردية مفادها بأنه فور انسحاب القوات الفرنسية من غرب أفريقيا سيتردى الوضع الأمني هناك وتكون له ارتدادات في شمال القارة، لكن أعتقد أن هذه السردية تبرير حتى يبقى الوجود الفرنسي في الساحل والمنطقة المغاربية".

وأبرز العروسي أن "الوجود الفرنسي انتهى عهده نتيجة سلوك باريس غير المنطقي في منطقة الساحل الأفريقي، إذ تحن فرنسا إلى الماضي الاستعماري والوصاية على الأفارقة، ولم تدرك بعد تصاعد الوعي لدى النخب الأفريقية بضرورة إنهاء المنطق الاستعلائي".

وأكد أنه "على الدول المغاربية والأفريقية أن تقوي شبكات التعاون الأمني في ما بينها لحماية حدودها وسيادتها، ولم لا الانخراط في عمليات تكوين عسكرية. ولعل الاتحاد الأفريقي أحسن مظلة للتنسيق، لأن هذه الدول تملك جيوشاً وترسانة عسكرية متفاوتة، لكن يبقى التعاون والشراكة بينها هي الملجأ الوحيد والمحرك لمحاربة التنظيمات الإرهابية، وهكذا لن يؤثر هذا الانسحاب في شمال القارة".

وختم العروسي بالقول إن "الوجود الفرنسي أصبح من الماضي، على رغم أن باريس تبحث عن العودة لأفريقيا من خلال استعمار ثقافي واقتصادي، لكن من الضروري أن يفهم الأفارقة وفي المغرب العربي أن ترسيخ الأمن مسؤولية مشتركة".

سيناريوهات محتملة

ويبدو أن الانسحاب الفرنسي من غرب أفريقيا سيجعل الدول المغاربية أمام سيناريوهات عدة، لمواجهة التحولات الأمنية الجديدة.

يكشف عتلم عن أن "السيناريو الأول يكمن في إنشاء تحالف مغاربي فاعل من خلال قيادة مغاربية موحدة للأمن الحدودي مع تبادل المعلومات وإجراء مناورات مشتركة، بدعم تقني من شركاء دوليين. هذا السيناريو الأفضل، لكنه يتطلب إرادة سياسية غير متوفرة حالياً. أما السيناريو الثاني فيتمثل في استمرار الفراغ الأمني، مع تزايد تمدد الجماعات المسلحة شمالاً وغياب تنسيق حقيقي بين دول الشمال، مما يجعل المنطقة عرضة لهزات كبيرة".

وزاد قائلاً إن "السيناريو الثالث يتمثل في حروب بوكالة يفرزها التنافس بين روسيا والصين وتركيا على ملء الفراغ، وتتدخل كل واحدة وفق مصالحها، وربما يطاول بعض هذه الحروب دول شمال أفريقيا. والسيناريو الرابع هو أن تعيد فرنسا صياغة علاقتها مع دول الساحل والمغرب العربي عبر الشراكة غير العسكرية والدعم اللوجستي، وهو أمر تسعى إليه باريس حالياً، لكن ثقة الشعوب مهزوزة".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير