ملخص
يقول مصعب بينما يحاول أن يضمد جرحه ويوقف سيلان الدم "كادت حياتي تضيع عندما أنزلت المركب"، ثم ترك الشباك على الرمل وجلس تحت أشعة الشمس يتحسر على غزة، ويتضور جوعاً مثل صغاره.
يعرف مصعب أن نزول بحر غزة بات محظوراً بصورة مطلقة، ولكن الصياد الذي غادر بيته صباحاً تاركاً صغاره يتضورون جوعاً ويطلبون أي طعام، وقف أمام البحر يراقب حركة الزوارق البحرية ويفكر أن يخاطر بنفسه ويبحر ليصطاد.
وعندما تجرأ مصعب على دخول المياه القريبة من الشاطئ للصيد، وبدأ يدفع مركبه ويحركه من الرمل باتجاه مياه البحر، أطلق عليه جنود البحرية الإسرائيلية الأعيرة النارية وأصابوه في يده.
يقول مصعب بينما يحاول أن يضمد جرحه ويوقف سيلان الدم "كادت حياتي تضيع عندما أنزلت المركب"، ثم ترك الشباك على الرمل وجلس تحت أشعة الشمس يتحسر على غزة، ويتضور جوعاً مثل صغاره.
أمس، أصدر الجيش الإسرائيلي تعليمات للغزيين تمنعهم من النزول لمياه البحر، وتحظر عليهم ممارسة أنشطة الصيد والغوص والسباحة، وشملت تلك القيود طول الشريط الساحلي لقطاع غزة من دون أن يتم استثناء المنطقة الإنسانية.
وبحسب المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، فإن وزارة الدفاع فرضت قيوداً أمنية صارمة على طول المنطقة البحرية المحاذية لقطاع غزة، حيث يحظر الدخول إلى البحر مطلقاً، و"هذه القيود تشمل الصيادين والسباحين والغواصين، وأي محاولة للدخول إلى البحر على طول ساحل غزة تعرضهم للخطر".
في الواقع، سبق أن فرضت إسرائيل على سكان غزة خلال الحرب قيوداً على الأنشطة البحرية، لكن هذه المرة منعت بصورة مطلقة أي نشاط على طول ساحل القطاع، إذ حظرت الصيد نهائياً وإن كان على مساحة ميل بحري واحد، ومنعت الغوص، وحتى إنها منعت الاستجمام.
موسم السمك الصيفي
ليس صدفة أن اختارت إسرائيل توقيت فرض هذه القيود الأمنية القاسية، فهو موسم خروج الأسماك واقترابها من شاطئ البحر، ويعد يوليو (تموز) شهر الصيد في القطاع.
يقول الصياد حسني "بعض الصيادين يخاطرون بالنزول لمسافات قريبة من الشاطئ بحثاً عن قوت يومهم وسط خطر القتل أو الاعتقال، لكن إسرائيل منعت ذلك في توقيت مهم، فموسم السمك الصيفي بدأ".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويضيف حسني "كان الصيادون يجهزون أنفسهم للصيد والبيع والتغلب على الجوع، لكن الجيش يتقصد تجويع الغزاويين بكل الوسائل، فمنع الدخول إلى البحر للصيد، وقام بتسليط طائرات الدرون من نوع الكواد كابتر على كل من يقترب من البحر".
نتيجة منع الصيد أضحت الأسماك سلعة نادرة وغير متاحة للجائعين في غزة، على رغم أنها كانت تباع بأسعار باهظة جداً حال توفرها، إذ كان يباع السردين بـ50 دولاراً للكيلوغرام الواحد قبل المنع، وبعد حظر الصيد وصل ثمنه لقرابة 100 دولار.
منع الصيد تزامن أيضاً مع تفاقم واشتداد المجاعة، يقول رامز "اختفت غالبية أنواع الطعام من السوق المحلية، وبات الحصول على الغذاء مستحيلاً، كنا نلجأ للسمك، إنه الطعام الوحيد المتاح لسكان غزة، ولكن فكرة صيد الكائنات البحرية انتهت".
ويضيف "نموت بصورة يومية ونحن نعيش تفاصيل الخوف والرعب والقذائف والأعيرة النارية، تمعن إسرائيل في سياسة تجويع أهل غزة، فبعد إغلاق المعابر ومنع دخول المساعدات، أصدرت أوامر تحذيرية منعت فيها الصيادين من دخول البحر، إنها تفكر بمنع الغذاء في موسمه".
قبل أيام حذرت حكومة غزة من أن الموت جوعاً يهدد 650 ألف طفل دون سن الخامسة جراء الحصار وسياسة التجويع الممنهج، كما قالت الأمم المتحدة إن الجوع في غزة لا يمكن وصفه بالمطلق، ولا أي كلمة يمكنها أن تعبر عن وضع غزة.
إبحار في الخطر
يبلغ طول ساحل قطاع غزة نحو 41 كيلومتراً، وطول ميناء غزة نفسه نحو 650 متراً، ويعد مرفأ الصيادين في غزة هو المرسى الوحيد الموجود في القطاع، وفيه ترسو معظم القوارب ومعظم المعدات البحرية.
قرار وقف الصيد المدمر جاء بعد تدمير قطاع الصيد، فخلال الحرب استهدف الجيش المرفأ، ودمر 260 غرفة للصيادين، كما دمر نحو 1050 قارباً بمحرك، بما يشمل 96 من اللنشات و900 قارب من دون محرك.
كان عدد الصيادين في قطاع غزة يقدر بنحو 5 آلاف صياد، ارتقى منهم 150 صياداً خلال الحرب، 20 منهم أثناء ممارسة المهنة، وتوقف جميعهم باستثناء 700 لا يزالون يبحرون، ولكن توقفوا مع القيود الأخيرة.
يقول رئيس نقابة الصيادين زكريا بكر "يبحر نحو 700 صياد كل يوم، بينما تقتل البحرية الإسرائيلية ثلاثة منهم، وتمكن هؤلاء من اصطياد 900 كيلوغرام فقط خلال أشهر الحرب، وغالبيتها اصطادوها بواسطة أدوات بدائية وقرب شاطئ غزة على مسافة لا تتجاوز الميلين".
ويضيف "فكرة منع الصيد تحرم كل سكان غزة من الأكل، وتحرم الصيادين من الحرفة والرزق، إن إغلاق البحر أمام الصيادين والمواطنين يأتي في إطار سياسة الحصار الشامل والعقاب الجماعي غير الإنساني وغير القانوني الذي تفرضه القوات الإسرائيلية على القطاع، ويشكل امتداداً لسياسة التجويع الممنهج".
ويوضح بكر أن الدمار الذي شمل الصيد سيدوم لـ200 عام، مشيراً إلى أن إسرائيل تعمدت تدمير صناعة الغذاء والإنتاج الذاتي لقطاع الصيد، مؤكداً أن سياسة التجويع هذه قد ترقى إلى جريمة إبادة جماعية.