Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

 مارتن سكورسيزي... فاضح الحلم الأميركي

كان يريد أن يكون راهباً لكنه وقع في غرام السينما والإخراج

لم ينل أوسكاره الأول إلا عام 2006 عن فيلم The Departed بعد ترشيحات كثيرة واتهامات مزمنة له بالتجاهل من قبل الأكاديمية (اندبندنت عربية)

ملخص

استطاع سكورسيزي في عمله أن يناغم ما بين الإبداعي والتجاري، وطرق عبر أفلامه مواضيع جريئة من قبيل الهوية وعلاقة الدين المسيحي بالأخلاق والعنف، وعرف بتعاونه مع نخبة مفضلة من الممثلين من مختلف الأجيال، مثل روبرت دي نيرو وليوناردو دي كابريو.

"نحتاج الآن أكثر من أي وقت مضى إلى التحدث والاستماع بعضنا إلى بعض، وفهم كيف نرى العالم، والسينما هي أفضل وسيلة للقيام بذلك". جملة شهيرة قالها المخرج الأميركي مارتن سكورسيزي في أحد تكريماته، تؤكد أنه دائماً يعتبر السينما وسيلة التواصل مع الآخر، و"العمل الذي نؤديه بشكل فردي، يعد جزءاً من محادثة مستمرة لا نهاية لها في نهاية المطاف".

رجل قصير القامة، وتجاعيد وجه ناعم. يرتدي دوماً نظارات طبية تساعده على رؤية ما بعد المشهد بصورة واضحة. يبحث دوماً عن الجدلية، لا يعترف بعادات أو تقاليد، ينتقد الكنيسة ومهووس بفكرة الخطيئة والخلاص. يطارد أسئلة وجودية في أعماله، ويمتاز بحركة الكاميرا الحية والسريعة، والمونتاج المتقطع الذي يمنح مشاهده طاقة خاصة.

يعد من أكثر المخرجين وفاءً لممثليه، وعلى رغم عظمته الإخراجية، فلم ينل أوسكاره الأول إلا عام 2006 عن فيلم The Departed، بعد ترشيحات كثيرة واتهامات مزمنة له بالتجاهل من قبل الأكاديمية.

يتميز بذاكرة حديد للسينما، يحفظ أسماء المخرجين والممثلين واللقطات والحوارات، ويستطيع أن يسترجعها أمامك وكأنه يعرض فيلماً كاملاً في رأسه. لا يتحدث عن نفسه كثيراً، بل عن الأفلام التي ألهمته والأفكار التي تؤرقه. 

 

 

استطاع سكورسيزي في عمله أن يناغم ما بين الإبداعي والتجاري، وطرق عبر أفلامه مواضيع جريئة من قبيل الهوية وعلاقة الدين المسيحي بالأخلاق والعنف، وعرف بتعاونه مع نخبة مفضلة من الممثلين من مختلف الأجيال، مثل روبرت دي نيرو وليوناردو دي كابريو.

ترك بصمته على هوليوود بينما تخلص في الوقت نفسه من كثير من تقاليدها ومنها ما يتعلق بالموازنة المرتفعة التي تخلى عنها مكرساً نفسه لموازنة أصغر، فهو يصنع أفلاماً تعبر عن رؤيته الخاصة، بلغت نحو 27 فيلماً روائياً.

المخرج الحائز على الأوسكار سبق أن ناقش مواضيع تتعلق بالعنف عبر شرائط سينمائية سابقة، ومنها فيلم Mean Streets، الذي يعد نظرة جريئة للحياة في الحي الإيطالي الصغير بنيويورك.

ولا يتوانى عن عرض أفكاره السياسية، إذ يرى أن النظام السياسي بالولايات المتحدة ليس إلا معادلة، أطرافها قوة العصابات ونفوذ السياسيين، وهي الأطراف التي أبادت السكان الأصليين. 

 

استطاع سكورسيزي في عمله أن يناغم ما بين الإبداعي والتجاري، وطرق عبر أفلامه مواضيع جريئة من قبيل الهوية وعلاقة الدين المسيحي بالأخلاق والعنف، وعرف بتعاونه مع نخبة مفضلة من الممثلين من مختلف الأجيال، مثل روبرت دي نيرو وليوناردو دي كابريو.

 

 

يعكس سكورسيزي في أفلامه انشغاله الدائم بمواضيع الهوية والذنب والخلاص، وهي تجلٍّ واضح لصراعاته الخاصة مع تراثه المزدوج، وقد تحدث بصراحة عن التحديات التي لقيها في التعامل مع توقعات مجتمعه الإيطالي الأميركي، بينما كان يسعى في الوقت نفسه إلى شق طريقه. ويتجلى توتر مارتي في بعض شخصياته، مثل ترافيس بيكل (الممثل روبرت دي نيرو) في فيلم "سائق التاكسي"، وجاك لاموتا (الممثل روبرت دي نيرو أيضاً) في فيلم "الثور الهائج"، وهما شخصيتان دخيلتان على بيئتيهما، لكنهما ناتجان عنها أيضاً.

بداياته

في عام 1968، أكمل سكورسيزي أول فيلم روائي طويل له بعنوان Who's That Knocking at My Door? وأثناء العمل على هذا المشروع، التقى هارفي كيتل الذي سيشاركه في كثير من المشاريع المستقبلية، إضافة إلى ثيلما شونميكر التي تعاون معها لأكثر من 50 عاماً.

 

 

اكتسب سكورسيزي إعجاباً مبكراً من الناقد السينمائي روجر إيبرت، الذي وصف أفلامه في تلك الفترة بأنها "مرضية فنياً وتقنياً وتضاهي أفضل الأفلام التي تُصنع في أي مكان".

كانت فترة سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته أياماً مزدهرة بالنسبة إلى جيل سكورسيزي من صانعي الأفلام، حين كانت دوائرهم الاجتماعية المتداخلة تجعلهم يتغذون من طاقات بعضهم بعضاً الإبداعية ويحولونها حركة أسلوبية جماعية نسميها الآن هوليوود الجديدة. 

في العقود التي تلت ذلك، برز سكورسيزي ككنز وطني، فهو ليس فقط أحد أهم صانعي الأفلام الأكثر أهمية وتأثيراً في التاريخ الأميركي، بل أيضاً أحد أكثر المنتجين إنتاجاً.

 تتناول مجموعة أعماله إلى حد كبير قصصاً عن التجربة الإيطالية الأميركية، والمفاهيم الكاثوليكية الرومانية عن الخطيئة والفداء، والذكورة الحديثة، والجريمة المنظمة. وقد كان له دور فعال في تطوير السينما الحديثة، حين عمّم كثيراً من تصورات السينما الحديثة مثل حركة الكاميرا الديناميكية والمونتاج السريع الإيقاع ووضع الموسيقى الشعبية في الموسيقى التصويرية. لا ينافسه في التأثير بتصويره للتجربة الأميركية - الإيطالية في مسقط رأسه مدينة نيويورك، سوى وودي آلن في توثيقه التجربة اليهودية.

 

 

وقد حذا صانعو الأفلام الأصغر سناً مثل سبايك لي وجيمس غراي وحتى لينا دنهام حذوه في استخدام المدينة كمنظور للتركيز على ثقافات فرعية معينة (الثقافة الأميركية من أصل أفريقي والبولندية/الأوروبية الشرقية وثقافات جيل الألفية/المحبين على التوالي).

تتعامل أعمال سكورسيزي المبكرة بصورة كبيرة مع المفاهيم الكاثوليكية عن الفداء والذنب، إضافة إلى كيفية ارتباطها بالتجربة الأميركية - الإيطالية في نيويورك. في هذا الصدد، ربما يكون فيلم "من هذا الذي يطرق بابي" الأداة الأكثر حدة من بين أفلامه، إذ يركز على مواضيعه من خلال مونتاج مطول من الأيقونات الكاثوليكية القديمة - الكاتدرائيات وتماثيل مريم والمسيح على الصليب وشموع الصلاة وغيرها. 

 

برز سكورسيزي ككنز وطني، فهو ليس فقط أحد أهم صانعي الأفلام الأكثر أهمية وتأثيراً في التاريخ الأميركي، بل أيضاً أحد أكثر المنتجين إنتاجاً.

 

تمثل حبكة الحب شكلاً نموذجياً للنموذج الكلاسيكي للرومانسية الكلاسيكية لدى سكورسيزي - رجل يحب امرأة تظهر له كرؤية من بين الحشود (عادة ما تكون شقراء ترتدي الأبيض)، وتعده بأنها ستكون خلاصه من عالم وحشي - ولكن عندما تفشل في الارتقاء إلى مستوى معاييره الصارمة وغير الواقعية في نهاية المطاف يتبدل كل شيء.

 

 

تسري عقدة مادونا/العاهرة هذه في أعمال سكورسيزي - حتى إنها تظهر في فيلمه "ذئب شارع وول ستريت" (2013). إنها فكرة متجذرة بعمق في الهياكل الاجتماعية والدينية لتراث سكورسيزي الإيطالي، أما السمات المميزة الأخرى لأعمال سكورسيزي، فتصوير العنف على أنه فوضوي.

بعدما لفت المخرج الشاب الأنظار إليه في هوليوود عام 1973، أراد تسليط الضوء على جانب من الثقافة الأميركية - الإيطالية التي لم تحظَ باهتمام كبير، ألا وهو الأسرة العاملة اليومية المتواضعة. 

عام 1974، أنتج الفيلم الوثائقي ITALIANAMERICAN، حين صوّر والديه في محاولة لتأريخ أبسط متع تراثه، مثل تجربة العشاء الجماعية. تدور أحداث الفيلم بالكامل داخل شقة والدي سكورسيزي في ليتل إيطاليا، حيث يظهر المخرج نفسه على الشاشة وهو يجري مقابلات عرضية مع والده تشارلز ووالدته كاثرين. ويتحدثان عن زواجهما الذي دام 40 عاماً، إضافة إلى حياتهما المبكرة كأميركيين من الجيل الأول وأبناء مهاجرين صقليين.

وأحد الأسباب التي تجعل أفلاماً مثل "غودفيلاز" و"سائق التاكسي" و"ذئب وول ستريت" تثير استياء الجمهور، إصرار المخرج على عدم إظهار الصورة الكبيرة. ما يهتم به سكورسيزي هو المنظور الفردي. 

شخصياته

تدور جميع أفلامه تقريباً حول وجهة نظر فردية، ولا يرغب سكورسيزي في ترك وجهة النظر هذه من أجل العاطفة أو التصحيح السياسي. ولا تدور حول أحداث ضخمة تغيّر الحياة وترسل شخصياته في مغامرات محددة، فهو معروف في الواقع بعدم اهتمامه بالأفلام التي تعتمد على السرد الروائي، ما يريدنا أن نراه هو تأثير البيئة المتغيرة في شخصياته الثابتة. 

 

 

نرى الشخصيات في أفلام سكورسيزي تُظهر عدم قدرتها على التكيف مع عالم متغير بطرق مختلفة. في فيلم "عصابات نيويورك" هناك بيل الجزار، يعتبره الجمهور من معظم الروايات الشخصية الأكثر إثارة للاهتمام في ملحمة سكورسيزي هذه. يتعامل بيل مع العالم من حوله من خلال مطالبته بالبقاء على حاله، لا يريد للمدينة أن تتغير.

يتم التعامل مع التغيير في فيلم Goodfellas بطريقة مختلفة تماماً، فالشخصية الرئيسة في العمل هو رجل العصابات هنري هيل، وعلى عكس بيل الجزار فهو ليس في وضع يمكنه من إجبار بيئته على البقاء على حالها. 

 

 

يعرض سكورسيزي ببراعة البريق والإثارة والقوة التي تأتي مع حياة العصابات. أما في فيلم "ذئب وول ستريت" فنرى أن البطل هو أحد أحقر الرجال الذين ستشاهدهم على الإطلاق، جوردان بلفور. 

وتدور أحداث العمل حول فريق من سماسرة البورصة، بقيادة بلفورت، الذين يغشون ويكذبون ويخدعون في طريقهم إلى قمة وول ستريت. الفيلم مبني على قصة حقيقية، ومع ذلك لم يتم التركيز ولو لثانية واحدة من الفيلم على أي من آلاف الأشخاص الذين دمرهم بلفورت بسبب احتيالاته. 

يركز سكورسيزي على نفسية شخصياته بصورة مهووسة. يريدنا أن نشكك في ما كنا نظن أننا نعرفه عن الناس في هذا العالم، ويرفض مراراً وتكراراً أن يعطينا شخصيات يمكننا أن نؤيدها أو نعارضها تماماً.

 ومن أكثر أعماله إثارة للجدل "تجربة المسيح الأخيرة" (1988)، الذي صوّر فيه ويليم دافو يسوع المسيح وهو يعاني الخوف والإغراء والشك. وقد وصفه بعض ممن في الكنيسة الكاثوليكية بأنه تجديف، وتلقى سكورسيزي تهديدات بالقتل بسبب إخراجه، لكنه حظي بإشادة النقاد وحصل المخرج على ترشيح لجائزة الأوسكار.

سائق التاكسي

نال الفيلم جائزة "كان" الذهبية، ويصور شخصاً عائداً من حرب فيتنام مصاباً بمرض الهذيان. في هذا العمل يدين سكورسيزي الحرب أولاً، ثم يسلط الضوء، بصورة متقدة ومقلقة على الجانب القذر والمتعب لحياة المدينة. مرة أخرى يجري التشديد هنا على الشخصية التي جسدها روبرت دي نيرو، والتي تعكس رؤية المخرج لكآبة وعصاب المجتمع المديني.

 

 

يُعد الفيلم (1976) أحد أكثر الأفلام تأثيراً في السبعينيات، الذي ولد من رحم الحرمان الوجودي العميق. كتب بول شريدر السيناريو خلال فترة مضطربة للغاية في حياته شهدت سلسلة من الحوادث المتصاعدة التي حولته إلى ما يشبه العزلة.

صاغ قصة عن سائق تاكسي يومي كدراسة للوحدة المرضية، مستلهماً ذلك من مونولوجاته الداخلية ووضعه الذي يعتبره غريباً عن نفسه. في التعاون الثاني لدي نيرو مع سكورسيزي، بعد "شوارع وضيعة" (Mean Streets) عام 1973، سيصبح "سائق التاكسي" مشروعاً تحويلياً لكلا الرجلين، إذ دفعهما إلى صدارة المشهد السينمائي المعاصر بعمل جريء لن يحدد عقداً من الزمن وحسب، بل جيلاً بأكمله.

 

تدور جميع أفلامه تقريباً حول وجهة نظر فردية، ولا يرغب سكورسيزي في ترك وجهة النظر هذه من أجل العاطفة أو التصحيح السياسي. ولا تدور حول أحداث ضخمة تغيّر الحياة وترسل شخصياته في مغامرات محددة، فهو معروف في الواقع بعدم اهتمامه بالأفلام التي تعتمد على السرد الروائي، ما يريدنا أن نراه هو تأثير البيئة المتغيرة في شخصياته الثابتة. 

 

ترافيس بيكل (دي نيرو) هو جندي فيتنامي بيطري مؤرق لا يعيش حياة اجتماعية. يعمل سائقاً لسيارة أجرة في نوبة ليلية، حيث يمكنه التواصل مع نبض المدينة النابض ومزيج انتقائي من سكانها. 

ينجرف بلا هدف خلال أيامه، فيأكل الوجبات السريعة ويذهب إلى المسارح الإباحية. ينقشع الضباب عندما يلتقي شابة جميلة تدعى بيتسي (سيبيل شيبرد).

 

 

يصبح مهووساً بها، ويترصدها خارج مكتب الحملة الرئاسية الذي تعمل فيه بضعة أيام قبل أن يتجرأ على طلب الخروج معها. يفشل في موعدهما الأول باصطحابها إلى مسرح إباحي، وبينما يحاول استعادة ثقتها، يصبح في الوقت ذاته متعلقاً بطفلة عاهرة تدعى آيريس (جودي فوستر).

يثبت تعاون سكورسيزي الثاني مع دي نيرو أنه حاد للغاية لدرجة أنه دموي. في دور المعتل الاجتماعي الوحيد في مركز القصة، يوجه دي نيرو إحساساً هادئاً ومكثفاً بالحكم والتعالي، مما يمنحه عنصرية كامنة صاخبة مما يجعل الشخصية غير محبوبة.

يتمكن دي نيرو من الوصول إلى قلب أعمق مخاوفنا. بعد فوزه بجائزة الأوسكار عن دوره في فيلم "العراب 2"، لم يظهر دي نيرو أية علامات للرضا عن النفس، وانغمس في التحضير لدوره، لدرجة أنه قاد سيارة أجرة في مدينة نيويورك لمدة 12 ساعة في كل مرة.

يملأ سكورسيزي مشاهده اليومية بمشاهد من متعاونين سابقين حاضرين بشحمهم ولحمهم وغائبين، ولكن تم التلميح لهم. من بين الوجوه المألوفة التي نراها هاري نورثوب في دور سائق تاكسي زميله، وستيفن برنس في دور تاجر أسلحة في السوق السوداء، وفيكتور آرغو في دور صاحب متجر عنصري، وسكورسيزي نفسه في دور الزوج القاتل الديوث.

 

 

عندما صاره عام 1976، حقق الفيلم أرقاماً جيدة في شباك التذاكر، وحظي بأكوام من المديح النقدي، بل حصد بعض الجوائز المرموقة مثل السعفة الذهبية في مهرجان "كان". كان بلا شك أكبر نجاح لسكورسيزي حتى ذلك التاريخ. وعندما جاءت جوائز الأوسكار كُوفئ بترشيحات لجوائز أفضل فيلم وأفضل ممثل (دي نيرو) وأفضل ممثلة مساعدة (فوستر) وأفضل موسيقى أصلية.

في العقود التي تلت إصداره، استمر إرث فيلم TAXI DRIVER في النمو، إذ أصبح فيلماً مهماً ضمن أفلام سكورسيزي السينمائية. ستصبح كثير من مشاهده أيقونية في تاريخ السينما، بخاصة مشهد "هل تتحدث معي؟" الذي قلده الجميع وأمهاتهم في مرحلة أو أخرى.

وعام 1994 أدخل في السجل الوطني للأفلام لحفظه، مما يضمن خلود أول تحفة فنية حقيقية لسكورسيزي. بعد العرض الأول للفيلم اعتبر عدد من النقاد أن مشاهد العنف مبالغ فيها. وحتى يتفادى أن يصنف الفيلم بتصنيف (R)، أعاد سكورسيزي تلوين مشاهد الدماء، بحيث تظهر الدماء فيها بشكل باهت وغير واضح. 

 

 

وفي مقابلات صحافية لاحقة مع سكورسيزي، ذكر أنه مسرور بتغيير الألوان الذي جرى، وأن ذلك التغيير كان إيجابياً وأن المشاهد المعدلة أفضل من الأصلية، التي ضاعت ولم تعد موجودة.

أفلام مارفل

كثيراً ما أثار سكورسيزي الجدل حول رأيه بإنتاجات "مارفل". وفي مقالة نشرت له في "نيويورك تايمز"، ذكر "أن كثيراً من سلاسل أفلام مارفل صُنعت من قبل أشخاص موهوبين وفنانين حقيقيين، إلا أن الأفلام ذاتها لا تروقني ولا تناسب سني، وهذه مسألة أذواق وتفضيلات شخصية، ربما لو كنت أصغر سناً لأعجبني هذا النوع من الأفلام، بل ربما كنت سأرغب في صنع فيلم بنفسي". وأضاف "أن أفلام ’مارفل‘ ليست مثل أفلام المخرجين المستقلين الآخرين مثل ويس أندرسون، كلير دينس، سبايك لي، أو حتى بول توماس أندرسون"، موضحاً "عندما أشاهد أفلام المخرجين الذين ذكرتهم، أعلم أنني سأرى شيئاً جديداً ومختلفاً بكل تأكيد، سيأخذني إلى عالم وتجربة لم أكن أتوقعها"، أما في حال أفلام "مارفل" فالأمر يشبه تقديم الشيء نفسه مراراً وتكراراً.

 

 

ويعتبر المخرج الأميركي أن صناعة السينما في هوليوود على مشارف الانتهاء، إن لم تكن قد انتهت فعلاً، بسبب أفلام الترفيه والمؤثرات البصرية. وفي لقاء مطوّل مع مجلة GQ الأميركية، قال "لقد انتهت صناعة السينما في هوليوود"، مشيراً إلى أن الأفلام التي تعتمد على المؤثرات والخدع البصرية، شوهت الأفلام الهوليوودية التي أخرجها سابقاً مثل فيلمي "سائق التاكسي" و"شوارع الأشرار"... معتبراً أن الصناعة التي كان جزءاً من نهضتها خلال 50 عاماً قد انتهت تماماً، كما حدث في ستينيات القرن الماضي، حين انطلقت سينما الصوت والصورة بعد أعوام الأفلام الصامتة.

و"الاستوديوهات الكبرى تفضل أفلام الاستهلاك والترفيه، الأسهل تسويقاً، التي تعتمد على أجزاء متتابعة، من دون أن تهتم بالقصص والحكايات المقتبسة من الواقع أو التاريخ الأميركي الحديث، المليئة بالعبر والمشاعر"، على حد تعبيره.

وشبّه وضع هوليوود حالياً بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي من أجل كتابة وإخراج وتمثيل فيلم ضخم، فتكون النتيجة قصة مسروقة وأداء ركيك وإخراج ضعيف، والنتيجة فيلم هجين عبارة عن مجموعة من كل شيء ولا شيء أبداً.

لكن المخرج الكبير استدرك بأن كلامه لا يعني عدم وجود مخرجين كبار ومهمين وأعمال مهمة تستحق المشاهدة والجوائز، لكنها قليلة وغير قادرة على الوقوف في وجه أمواج أفلام الاستهلاك والاستسهال.

 

 

وعاد بذاكرته إلى إشكال مع المنتج السينمائي هارفي وينستين، في شأن موازنة فيلم "عصابات نيويورك"، الذي أخرجه عام 2002، فأكد أنه لو تكررت معه الحادثة وإصرار المنتج على التدخل بالموازنة، لكان غادر هوليوود وانتهت رحلته فيها منذ أعوام.

وتذكر أيضاً رفضه أن تقوم شركة "وورنر براذرز" بإنتاج جزء جديد لفيلمه "الراحلون The Departed" الذي أخرجه عام 2006، وأصبح الفيلم الوحيد في مسيرته الفنية الطويلة، الذي نال عنه جائزة أوسكار أفضل إخراج.

الشكل التقليدي للسينما

في سياق متصل، دافع مخرج الروائع السينمائية عن الشكل التقليدي للسينما بينما تشهد هذه الآونة ثورة تقنية وظهور منصات مثل "نتفليكس" و"أمازون"، مما جعل مستقبل هذا الفن الذي يبلغ عمره 100 عام "غير معلوم".

وشبّه سكورسيزي الواقع في السينما بالطعام حين يطلب بعض الناس إيصاله إلى المنزل بينما لا تزال هناك شريحة تفضل التوجه إلى المطعم، ولا تزال شريحة من رواد السينما الذين يفضلون الاستمتاع بـ"تجربة القاعة" التي توفرها السينما، لذا اعتبر أنه "ملف مهم" من أجل إنقاذ مستقبل صناعة السينما.

 

 

وعبّر سكورسيزي عن تأييده فكرة عرض الأفلام في دور السينما قبل تسويقها للعرض على شاشات التلفزيون في المنازل أو عبر منصات مثل "نتفليكس" التي مولت أحد أفلامه "الرجل الإيرلندي" إذ كرر العمل مع ثلاثة من ممثليه المفضلين وهم روبرت دي نيرو وجو بيسكي وآل باتشينو.

وأضاف سكورسيزي أن "السينما التي أنتمي إليها أو أحاول الحفاظ عليها وحمايتها تحتاج إلى أن تشاهد مع أناس"، معترفاً أنه ليس "ملماً للغاية" بالإنترنت، لكنه لا يستطيع الحكم على النموذج الجديد الذي يسود اليوم عالم السينما بخاصة المنتشر بين الشباب، وهو ما يلحظه لدى بناته. وتابع "لا نعلم إلى أين تتجه السينما ولا إلى أي شيء ستتحول صورة الحركة. كانت السينما هكذا دائماً، طوال 100 عام من العمر، ندخل الآن في حقبة جديدة قد تكون كثقب أسود لمدة 15 عاماً بسبب التقنيات".

ويوضح سكورسيزي أن أفلاماً مثل "دنكيرك" و"الرجل الأول" و"مونلايت" أنتجت كي تُشاهد بهذه الطريقة "لجمهور ضخم، برفقة الأسرة أو الأصدقاء"، وأنه من الضروري ضمان عرضها في الصالات حتى لو كانت ممولة من قبل منصات مثل "نتفليكس" نتيجة عدم قدرة معامل التصوير التقليدية على التمويل.

سكورسيزي والمرأة

تعرض فيلم الجريمة اللامع، "الإيرلندي" (The Irishman)، الذي أخرجه سكورسيزي عام 2019، إلى انتقادات شديدة بسبب قلة الأدوار النسائية فيه، إذ اقتصر الحوار المسند لآنا باكوين على سبع كلمات.

 

 

تؤدي باكوين في الفيلم دور ابنة الشخصية الرئيسة، وهو قاتل مأجور (يؤدي دوره روبرت دي نيرو)، وهي تمثل إجمالاً ضمير الفيلم وسط بحر من انعدام الأخلاق. هي تعرف من أين يكسب والدها قوته ولهذا تحتقره. كل ذلك واضح على وجهها، لكن يبدو أن بعض المشاهدين أرادوا أن تشرح لنا بالكلام كل ما نعرفه أساساً.

بعد مواجهة أحد الصحافيين له عام 2019 بسبب ما اعتبر نقصاً في الشخصيات النسائية في أفلامه، رد سكورسيزي بتبرم "إن لم تستدع القصة وجودها فهي مضيعة لوقت الجميع". وفسر بعض الأشخاص على الإنترنت هذا التصريح لمارتي بأنه يقول إن الشخصيات النسائية مضيعة للوقت.

وأعلن موقع "ماري سو" (The Mary Sue) المختص بالثقافة الشعبية أن سكورسيزي "يعتقد بأن الشخصيات النسائية قد تنتقص من القصة"، والموقع تواق إلى الشعور بالغضب لدرجة جعلته يتجاهل ما أضافه المخرج الذي قال "إن استدعت القصة وجود شخصية رئيسة نسائية، فلمَ لا؟".

وثائقي

أعلنت منصة "أبل تي في" عن مسلسل وثائقي جديد من خمس حلقات عن سكورسيزي، يضم مجموعة من المشاهير من الصف الأول، على أن يحمل عنوان Mr. Scorsese، وسيكون من إخراج ريبيكا ميلر، المعروفة بمشاريع مثل She Came To Me و Personal Velocit.

في حين لم يُعلن بعد عن موعد الإصدار، ولكن لمحت Apple TV+ إلى أنه "سيُعرض قريباً".

 

 

ووفقاً لبيان صحافي، سيوثّق المسلسل الوثائقي حياة سكورسيزي ومسيرته الفنية الأسطورية من خلال حوارات مع المخرج الشهير نفسه، إضافة إلى "وصول غير مقيد" إلى أرشيفاته الخاصة و"مقابلات غير مسبوقة مع الأصدقاء والعائلة والمتعاونين الإبداعيين".

ومن بين قائمة النجوم الذين سيتحدثون إلى المنصة لأجل السلسلة الوثائقية، شركاؤه القدامى روبرت دي نيرو وليوناردو دي كابريو، إضافة إلى عمالقة مثل دانيال داي لويس وستيفن سبيلبرغ ومارغوت روبي وميك جاغر وروبي روبرتسون وشارون ستون وجودي فوستر وكيت بلانشيت، وغيرهم، كذلك ستشارك زوجته هيلين موريس وأطفاله وأصدقاء طفولته.

سيغطي الفيلم الوثائقي فترة طويلة من حياة سكورسيزي، بدءاً من أفلامه الطلابية أثناء دراسته في جامعة نيويورك، وحتى يومنا هذا.

سيرة

وُلد مارتن سكورسيزي في الـ17 من نوفمبر (تشرين الثاني) 1942 في كوينز بنيويورك لأبوين هما تشارلز وكاثرين سكورسيزي. عمل كلا الوالدين في منطقة الملابس إضافة إلى كونهما ممثلين. 

 

 

وكانا مهاجرين من جزيرة صقلية الإيطالية، مما يعني أن سكورسيزي كان من الجيل الأول من الأميركيين، ومن ثم كان في وضع أفضل من والديه لتحقيق الحلم الأميركي كما رآه مناسباً - وهو المسعى الذي سيصبح موضوعاً رئيساً في أعماله. 

بعد انتقاله إلى حي ليتل إيطاليا في مانهاتن قبل فترة وجيزة من التحاقه بالمدرسة، نشأ سكورسيزي كطفل مريض - فقد منعه الربو الحاد من ممارسة الرياضة، لذا كان يذهب إلى السينما بدلاً من ذلك.

كانت أسرة سكورسيزي كاثوليكية متشددة، وكان مارتي الصغير يخطط في البداية أن يصبح كاهناً عندما يكبر. ولكن بعد حضوره عرض فيلم "بلاك نارسيسوس" (Black Narcissus) عام 1947، وجد نفسه مهووساً بالسينما بشدة. بدأ في اتباع نظام غذائي ثابت من الأفلام - معظمها من الملاحم التاريخية والواقعية الإيطالية الجديدة لإنغمار بيرغمان وفيديريكو فيلليني.

 

 

وقد منحت أفلام مثل BICYCLE THIEVES (1948) وROME OPEN CITY (1945) سكورسيزي تقديراً أعمق لتراثه الإيطالي، لكن فكرة متابعة صناعة الأفلام كمهنة لم تخطر بباله حتى أصدر المخرج المستقل جون كاسافيتس فيلمه الطويل الأول الممول ذاتياً FACES عام 1959، وهو حدث مفاجئ بدد أي عذر للمخرج الطموح لعدم صناعة فيلمه أو فيلمها بشكل فعال. 

وفي العام نفسه، حذا سكورسيزي حذو كاسافيتس في وصنع أول فيلم قصير له بعنوان VESUVIUS VI. وعلى غرار الملاحم التاريخية التي أحبها في صغره، دارت أحداث الفيلم في روما القديمة واستوحى أحداثه من المسلسل التلفزيوني الشهير آنذاك 77 SUNSET STRIP.

لم يكن الفيلم متاحاً للعرض العام، لكنه كان كافياً ليحصل سكورسيزي الذي كان يعاني صعوبات أكاديمية على مكان في دفعة جامعة نيويورك لعام 1964. وفي الفترة من 1960 إلى 1964 عمل سكورسيزي على الحصول على درجة البكالوريوس في اللغة الإنجليزية، بينما كان يصنع فيلمين قصيرين كانا بمثابة أولى تجاربه الحقيقية في هذا الشكل الفني وساعدا في ترسيخ جمالياته.

 

 

جرب سكورسيزي الشاب صناعة الأفلام من خلال إخراج فيلمين قصيرين أثناء دراسته الجامعية – "ما الذي تفعله فتاة لطيفة مثلك في مكان كهذا"؟ (1963)، وفيلم "إنه ليس أنت فقط يا موري"! (1964). 

ومع ذلك، فإن الاختبار الحقيقي سيأتي في شكل فيلم قصير للطلبة بدأه في العام التالي - فيلم عن الشباب الإيطاليين المشاغبين بعنوان "أحضروا الفتيات الراقصات". ربما لم يكن يعرف ذلك في ذلك الوقت، لكن ما كان يشرع فيه حقاً كان أول فيلم روائي طويل له - وإن كانت عملية إخراجه قد انحرفت كثيراً عن العمليات التقليدية. 

عام 1967 أضاف سكورسيزي فقرة فرعية رومانسية مع الممثلة زينا بيثون إلى الفيلم القصير وغيّر العنوان إلى "أنا أول من يتصل أولاً"، وفي النهاية عُرض الفيلم في مهرجان شيكاغو السينمائي في العام التالي (وحاز على إشادة كبيرة من روجر إيبرت الشاب).

أدى ذلك إلى استحواذ موزع الأفلام الاستغلالية جوزيف برينر على الفيلم، الذي أجبر المخرج الشاب على إضافة مشهد جنسي غير مبرر (أقحم حرفياً في منتصف مشهد حواري) وإعادة تسمية الفيلم إلى "من هذا الذي يطرق بابي".

 

 

بعد تعثر مشروع آخر، وقع رائعته "ماين ستريتز" عام 1973، في أول تعاون له مع نجمه ورفيق مسيرته روبرت دي نيرو. منذ هذا العمل الثاني تكرس اسم مارتن كمخرج واعد ضمن جيل جديد من المبدعين في هوليوود.

وتبقى محطة الإشعاع الكبيرة لمارتن سكورسيزي فيلمه الظاهرة "سائق التاكسي" (1976)، الذي حصل به على السعفة الذهبية بمهرجان "كان"، وجاء الفيلم صادماً على المستوى الفكري.

بعد فيلم "الإغراء الأخير للمسيح" الذي أثار صدمة لدى قطاعات واسعة من المسيحيين، برع سكورسيزي في تقديم باقة من أشهر أفلام العصابات والمافيا، على غرار "الأصدقاء الطيبون" (1990) مع روبرت دي نيرو وجو بيشي، و"كازينو" (1995) مع النجمة شارون ستون.

ويعد فيلم "الأصدقاء الطيبون" بالنسبة إلى بعض النقاد أعظم فيلم عصابات في تاريخ السينما، وكتب الناقد روجر إيبرت "لم ينتج أدق منه على الإطلاق حول الجريمة المنظمة".

وفي 2002 قدم سكورسيزي ملحمة عن العنف الذي صاحب ميلاد أميركا الحديثة في ذروة الحرب الأهلية، من خلال "عصابات نيويورك" من بطولة ليوناردو دي كابريو ودانيال دي لويس. ومع دي كابريو قدم "الطيار" (2005) وكذلك "المتسللون" (2007) إلى جانب مات ديمون وجاك نيكولسون، وقد توّج عنه بأوسكار أفضل فيلم.

 

 

ومع دي كابريو أيضاً، اقتحم مارتن عوالم المصحة النفسية في "شاتر آيلاند" (2010)، كما قدم نقداً ساخراً لعالم المال والمضاربات في فيلم "ذئب وول ستريت" (2014) وجمع دي نيرو ودي كابريو مرة أخرى في ملحمة الجريمة الغربية "قتلة زهرة القمر" في 2023.

وموازاة مع مسيرته الفنية، أنشأ مارتن سكورسيزي عام 1990 مؤسسة الفيلم التي تتولى ترميم التراث السينمائي العالمي. وعربياً، استفاد من هذه المبادرة فيلم مغربي بعنوان "الحال" للمخرج أحمد المعنوني، حول ظاهرة فرقة "ناس الغيوان" الموسيقية التي أعجب بها سكورسيزي واستخدم إيقاعاتها في بعض أفلامه.

تزوج سكورسيزي خمس مرات، ولديه ثلاث بنات، أكبرهن كاثرين التي عملت في صناعة الأفلام، في المقام الأول في قسم الدعائم، وأسهمت في بعض الأعمال، منها فيلم كازينو (Casino) عام 1995، وهو من إخراج أبيها، وأيضاً ظهرت ممثلة في بعض المسلسلات.

المزيد من بيوغرافيا