Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"صمت" مارتن سكورسيزي يتوغل في قضية الإيمان

أسئلة شائكة من المخرج الأكثر تعمقاً دينياً بين كبار كاثوليكيي هوليوود

أندرو غارفيلد (الأب رودريغيز) في مشهد من "صمت" (موقع الفيلم)

هناك بشكل عام ما لا يقل عن أسلوبين في تعامل مارتن سكورسيزي مع مسألة الإيمان، التي ارتبط بها جوهر معظم أفلامه، الطريقة غير المباشرة التي يطرح بها المخرج، الذي يعتبر من أكثر المخرجين الهوليووديين كاثوليكية ورغبة في التعبير عنها، من خلال أسئلته حول عدد كبير من القضايا المتعلقة بجوهر الإيمان نفسه، حتى وإن بدا مبتعداً عن المواضيع الدينية، والأسلوب المباشر الذي به يدنو من حكايات دينية من دون لف أو دوران.

وإن كان في مقدورنا أن نعدد معظم أفلام سكورسيزي للتمثيل على الأسلوب الأول، فإن ثمة عدداً محدوداً من أفلامه ينتمي إلى الأسلوب الثاني المباشر، ومن أبرزها طبعاً "الإغواء الأخير للسيد المسيح"، الذي اقتبسه عن رواية معروفة لليوناني نيكوس كازانتزاكيس، و"كوندون" الغارق في المسائل الإيمانية من دون لف أو دوران، حتى وإن كان موضوعه بوذياً وتدور أحداثه في التبت المحتلة من القوات الصينية، التي نفت زعيمها الروحي الدالاي لاما.

وفي الآونة الأخيرة جعل سكورسيزي المسألة الدينية جوهر فيلمه، في عودة إلى الكاثوليكية هذه المرة من دون مبارحة الشرق الآسيوي الأقصى، وذلك من خلال قصة تاريخية حقيقية عن مبشرين قصدوا اليابان لينشروا الدين المسيحي هناك ودفعوا الثمن غالياً.

هذا الفيلم الذي حققه سكورسيزي عام 2016 هو "صمت"، الذي اقتبسه على أية حال من رواية للكاتب الياباني المسيحي شوكاكو إندو، واجداً فيها ما يساعده على استعادة تلك الأسئلة "الإيمانية"، التي كثيراً ما شغلت باله، سواء أكان ذلك في أفلام "الأسلوب المباشر" أو حتى في أفلام "الأسلوب غير المباشر"، ولا سيما منها ما تعلق بالسؤال الأساس: لماذا أنا مؤمن؟ وإلى أي حد ينبغي أن أدافع عن إيماني؟

محاكم تفتيش يابانية

نعرف أن مارتن سكورسيزي لم يكن من نوع المفكرين المبدعين الذين يطرحون مثل هذه الأسئلة على سبيل التشكيك، بل انطلاقاً من حبرة تعتريهم إزاء ما يعتبرونه "صمت العناية الإلهية" في أوقات ما، وكان لا بد له أن يعثر في رواية شوكاكو إندو منذ "اكتشفها" للمرة الأولى أواسط تسعينيات القرن العشرين على تعبير عن أسئلته.

اللافت أن سكورسيزي قبل أن يكتشف هذه الرواية كنص أدبي عثر عليها كموضوع لفيلم من اليابان مقتبس من الرواية نفسها حققه المخرج مازاهيرو شينودا بالعنوان نفسه عام 1971. وحينها وجد سكورسيزي أن في مقدوره معالجة الموضوع من وجهة نظره.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الموضوع يدور في عام 1633 حول مبشرَين برتغاليين منتميين إلى الآباء اليسوعيين يتوجهان إلى اليابان بحثاً عن معلمهما الأب اليسوعي فيريرا، الذي وصلت إلى مركز اليسوعيين بالبرتغال أنباء تفيد بأنه قد تخلى عن إيمانه في لحظة ضعف بعد أن ألقت السلطات القبض عليه وعمدت إلى تعذيبه في منطقة جبل أونزين، حيث كانت قد فقدت آثاره هناك.

وكان فيريرا قد قصد بلاد الشمس المشرقة لنشر أفكار المسيحية على طريقة اليسوعيين ثم اختفى إثر تمرد عرف باسم تمرد شيمابارا حدث بين 1637 - 1638 ضد حكام توكوغاوا شوتوناتي، حيث إن السلطات الحاكمة شنت حينها حملة ضارية ضد الأقلية المسيحية محولة من تبقى منهم إلى جماعة أطلق عليها "المسيحيون المختبئون" (كاكوري كيريشيتان).

وكان القبض عليهم يعرضهم للقتل أو السجن مصحوباً بضروب تعذيب لا يمكن مقارنة التعذيب الذي طاول السيد المسيح من قبلهم به، ويبدو شبيهاً بما كانت تمارسه محاكم التفتيش الإسباني ضد المسلمين واليهود الذين كانوا يصرون على البقاء على إيمانهم بعد سقوط دولة الأندلس الإسلامية العربية.

أسئلة الذات على خطى الرواية

يتبع الفيلم إذاً، على خطى الرواية، حكاية المبشرَين الأب رودريغيز والأب غاروبي اللذين يريدان من وجودهما في اليابان، على الرغم من المخاطر التي يتعرضان لها، من ناحية أن يعثرا على معلمهما ليرفعا عنه كل افتراء كان قد انتشر بصدده وبصدد ما أشيع عن تخليه عن إيمانه المسيحي تحت ضغط السلطات اليابانية، التي تأكد لليسوعيين أنها لم تقتله، ما طرح سؤالاً شائكاً حول أسباب بقائه. ومن ناحية ثانية مواصلة العمل، على الرغم من كل المخاطر لنشر المذهب الكاثوليكي اليسوعي في تلك البلاد البعيدة.

وطوال ما يزيد على ساعتين ونصف الساعة يتابع الفيلم، ليس فقط جهود وجهاد الراهبين في سبيل أداء مهمتيهما، بل أكثر من هذا، تلك الشكوك التي لا تتوقف عن الاشتغال عليهما وعلى إيمانهما. وهي شكوك لا بد من العودة هنا إلى القول بأنها كانت هي هي شكوك سكورسيزي نفسه.

تلك الشكوك يمكننا أن نلمحها حتى خارج إطار المجابهة المباشرة في فيلمي سكورسيزي "الدينيين" الآخرين "الإغواء الأخير للسيد المسيح" و"كوندون"، في مواقف عديدة تتسم بقوة تعبيرية هائلة حتى في أفلام أخرى له يمكن وصفها بأنها "أفلام دنيوية"، مثل "الثور الهائج"، حيث لا بد من أننا نتذكر المشهد الرائع في قسوته وعمقه حين يخبط الملاكم رأسه في جدار زنزانة السجن التي أودع فيها، وهو يسأل العناية الإلهية لماذا تركته وتخلد إلى الصمت؟

وكذلك في فيلم "عصابات نيويورك"، حين يسأل القسيس صديق والد البطل الشاب تلك العناية نفسها، لماذا تخلت عن صديقه وصمتت تاركة إياه لمصيره في صراع الكاثوليك الإيرلنديين مع "الأميركيين الأصليين" يمثلهم بيل الجزار بكل وحشيته وقسوته.

صمت مثير للشكوك

الحقيقة أنه حتى وإن كانت تلك الأسئلة حاضرة في رواية إندو وتحديداً منذ عنوان الرواية "صمت"، فإن سكورسيزي تمكن في فيلمه من أن يرفعها إلى مستوى المجابهة الشرسة، مذكراً بالسؤال الكبير الذي يطرحه السيد المسيح، وفي الأقل في واحد من الأناجيل الأربعة، إنجيل متى، على العناية الإلهية بلغته الآرامية عبر جملة خيل لكثر حين أوردها ميل غيبسون في فيلمه عن "آلام السيد المسيح"، أنه ينطقها بالعربية: "ربي... ربي... لم سبتني؟". المهم أن مارتن سكورسيزي عرف هنا أيضاً، وكما في القسم الأكبر من أفلامه السابقة، واللاحقة طبعاً بما في ذلك فيلمه "الإيرلندي" الذي حققه لشركة نتفليكس، وكان آخر أفلامه الروائية الكبرى حتى الآن، عرف كيف يستحوذ على الموضوع ليسبغ عليه أبعاداً ذاتية.

 

وعلى الرغم من أن فيلم "صمت" قد نال إجماعاً من النقاد الذين اعتبروه واحداً من أقوى أفلام مارتن سكورسيزي وأكثرها "ذاتية بعد كل شيء"، فإنه لم يحقق النجاح الجماهيري المأمول، حيث إن مداخيله في عروضه الأولى لم تتجاوز 40 في المئة من نحو 55 مليون دولار أنفقت عليه.

سوف يقول سكورسيزي معلقاً على هذا إنه كان يعلم منذ البداية أن الفيلم سيكون كارثة مالية، ولذلك اقترح أولاً أن يحقق بميزانية بسيطة ومن دون نجوم، لكن الشركة المنتجة أصرت على أن يتم التصوير في تايوان، على الرغم من معرفتها بغلاء الأسعار المذهل في هذا البلد، وعلى أن يقوم بالأدوار فيه نجوم كبار من الصف الأول، جماهيرياً في الأقل، مثل ليام نيسون وأندرو غارفيلد.

كبرياء الأب رودريغيز

قد يكون من المفيد هنا أن نذكر أن هذا الأخير، الذي لا ينتمي أصلاً إلى ما يعرف بالبيت السكورسيزي، سيقول لاحقاً بأنه قام هنا بأعظم دور أداه في حياته الفنية بل أكثر من هذا، "لقد أعادني هذا الفيلم إلى إيماني حتى منذ لحظة قراءتي السيناريو". أما سكورسيزي، الذي كان يريد أول الأمر أن يقوم ليوناردو دي كابريو بدور الأب رودريغيز، الذي لعبه غارفيلد في النهاية، فسوف يقول إن غارفيلد أذهله منذ التقاه وليس فقط بشكله وقامته، بل بذلك المزيج من الغرور والكبرياء من ناحية والارتباك الأقصى من ناحية ثانية "لقد بدا لي وكأنه هو الأب رودريغيز نفسه وكأنه الأكثر تعبيراً ليس فقط عما أردت أن أقوله من خلال هذا الفيلم، بل عما طرحت على نفسي من أسئلة طوال مساري السينمائي حتى الآن".

المزيد من ثقافة