ملخص
الكوميديا هي الفن الدرامي الأكثر شعبية ونجومها كذلك، ولكن على ما يبدو أيضاً أنها الأكثر عداء لفكرة مرور الوقت، إذ إنها ابنة عصرها، ومفرداتها وأفكارها في معظم الأوقات وثيقة الصلة بالزمن الذي أنتجت فيه، ولهذا ترتبك الذائقة الفردية كثيراً حينما تقارن بين ما كان يضحكها سابقاً وبين تفضيلاتها في الوقت الحالي"
على مستوى أسماء نجوم الكوميديا في المنطقة العربية والعالم أيضاً، يتولى جيل جديد زمام الأمور تدرجياً، إذ تحقق أعمالهم نجاحاً ملاحظاً لأن مفرداتهم الكوميدية أكثر قرباً من الشريحة الأكبر من جمهور الأفلام والمسلسلات، وقد يكون هذا السبب الذي جعل بعضاً من مشاهير الكوميديا من الجيل الأكبر عمراً غير قادرين على الإمساك بوجهة البوصلة الصحيحة لما تتطلبه الأعمال الفكاهية الناجحة هذه الأيام، ولهذا فقد شهدت تجارب بعضهم أخيراً تعثراً ملاحظاً.
وبالنسبة إلى الأجيال الجديدة فإن بعض الأعمال التي تصنف على أنها أيقونية في مجال الكوميديا فإن قلة نادرة منها هي التي يمكن أن تقنعهم بالضحك، واللافت أيضاً أن بعض المشاهدين المخضرمين الذين عاصروا أكثر من حقبة فنية يجدون أن ما يضحكهم بالأمس لم يعد له الوقع نفسه حالياً، فربما المستويات المتقدمة من المحتوى المعروض عبر مواقع التواصل الاجتماعي أثرت بصورة كبيرة في طريقة التلقي لدى الجميع،
لكن يظل الأمر أكثر وضوحاً مع من هم أصغر سناً مع اتساع الفجوة وكذلك المصادر التي يعتمد عليها الأطفال والمراهقون في تشكيل ثقافتهم الشعبية، فسواء كان العمل يعود لزمن الأبيض والأسود أم لسبعينيات أو حتى تسعينيات القرن الماضي، فغالبيتهم لن يفهموا لغته الكوميدية وسيعتبرونه سمجاً ومصطنعاً وأبطاله يبالغون في سذاجتهم غير المنطقية لإضحاك المشاهد رغماً عنه، لأن كل ما يهمهم هو الفكاهة وقضاء وقت مسلٍ والذي هو بالضبط أحد تعريفات فن الكوميديا منذ أن عرفت، وفق المراجع الأكثر شيوعاً في القرن الخامس قبل الميلاد، مع ألوان كثيرة من الدراما في بلاد الإغريق.
وعليه، هل الكوميديا هي أكثر أنواع الدراما عداء لمرور الوقت مقارنة بالتراجيديا؟ أم أن متطلبات الفكاهة في هذا الزمن أصبحت شديدة الصعوبة بفعل المعايير العالية المتوقعة لدى مستهلكي هذا الفن نظراً إلى أن ثقافتهم "الإنترنتية" تجعلهم يطالعون محتوى بلا نهاية وبلا سقف تقريباً؟
تربية الـ "سوشيال ميديا"
بعض من نفور الأجيال الجديدة من الأعمال الكوميديا القديمة قد يعود لمستوى الصورة والألوان مقارنة بالتقدم الهائل في جودة العرض حالياُ ومؤثراته، وكذلك من الطبيعي أن تتغير قوائم الأعمال الفنية المفضلة بصورة عامة، وفي بعض الأحيان لا يكون التغيير جذرياً فقد يحدث تنقيح وإعادة ترتيب، سواء في ما يتعلق بالأغنيات أو المسرحيات وأيضاً الدراما بأنواعها كافة، لا سيما في الكوميديا، ومع ذلك كانت هناك كلاسيكيات بارزة لها مكانتها.
لكن على ما يبدو أن الجدل بخصوص هذا الأمر قد شغل كثيرين ولا سيما مع سيل مواد الإضحاك التي لا تتوقف عبر مواقع التواصل الاجتماعي، سواء من الهواة أو المحترفين، وسواء كانت المواقف المزعومة عفوية أو جرى التدبير لها، فالنتيجة أن صناعة الكوميديا أصبحت صعبة للغاية وهو أمر أقر به من يعملون في هذا المجال مراراً، إذ يبذلون مجهوداً مضاعفاً لمجاراة توقعات المشاهد.
يتفق المؤلف المصري أيمن سلامة مع ما سبق لافتاً النظر أولاً إلى أنه من المعروف في كل عصر أن إضحاك الناس أصعب كثيراً من إصابتهم بالحزن في الدراما، ولهذا فإن فن كتابة الكوميديا مهارة لا يجيدها إلا قلة. مستشهداً بأعمال عدة نجحت في أن تخرج عن المألوف وتقدم وجبة فكاهية تحترم عقلية المشاهد، وبينها مسلسل "أشعل شقة"، لكنه تابع أن سلوك الجمهور تغير كثيراً بفعل مواقع التواصل الاجتماعي مما يجعلهم يفقدون متعة متابعة العمل الفني بصورة سليم.
ويشير أيمن سلامة إلى أن "هذا ما أطلق عليه تربية الـ 'سوشيال ميديا' حيث المشاهد يتابع العمل وهو متحفز للبحث عن ثغرات أو عبارات يكتبها في تدوينة تساعده في السخرية من مشهد ما، ولهذا فصناعة الكوميديا والدراما عموماً باتت معقدة وصعبة لأنها توجه لمشاهد يتغير باستمرار، فقديماً كانت الأمور أبسط كثيراً، لكن الآن الجميع يفتش في كل لقطة عن شيء يمكن أن يصنع منه محتوى والنتيجة أنه يفقد فضيلة الاستماع والقدرة على الضحك، لأنه يركز في أشياء أخرى"، مضيفاً أن مقومات الكوميديا لاتزال كما هي ولكن الوصول لمرحلة إبهار ومفاجأة الجمهور تزداد تعقيداً.
عواصف إسماعيل ياسين
ومن المسلّم به أن الكوميديا اختلفت على مدى أجيال، ولكن الموهبة والصدق الفني ظلا قيمة كبيرة وضلعاً أساسياً في المعادلة، فعلى رغم اختلاف المدارس الفنية بين نجيب الريحاني وفؤاد المهندس وعادل إمام، وصولاً إلى محمد هنيدي ومحمد سعد وهاني رمزي وغيرهم، لكن هناك اسماً هو الأكثر شهرة وارتباطاً بنمط المشاهدة بالنسبة إلى أجيال كثيرة ويعتبر الأكثر جدلاً، وهو إسماعيل ياسين "1912 ـ 1972".
وتعدّ المرحلة الذهبية من مسيرة إسماعيل ياسين التي بدأت منذ منتصف أربعينيات القرن الماضي وحتى مطلع الستينيات نموذجاً مثالياً بالنسبة إلى شريحة كبيرة من الجمهور العربي، واعتبر المضحك الأول في الثقافة الشعبية باعتباره يقدم كوميديا هزلية مبالغاً فيها، على غرار ممثلين كثر من أنحاء العالم في تلك الفترة، وبينهم الممثل الفرنسي العالمي فرنانديل الذي اتهم الممثل المصري بتقليده في طريقة أدائه وحركاته، ولكن يتجدد النقاش حول إسماعيل ياسين في كل فترة وتثار أقاويل من نوعية أنه لا يلائم إلا مرحلة الطفولة الباكرة، وأن طريقته ساذجة ومملة.
وكأن المشاهد يقوم بعمل ما يشبه المراجعة لذائقته ويتبرأ مما كان يضحكه مسبقاً على رغم أن الأمر من المفترض أن يكون أبسط من هذا، ولكن الوضع أخذ أكثر من منحى حينما اتهم محمد رمضان بأنه قصد الاستهزاء بالفنان الكبير الراحل بمشهد من مسلسله "موسى" 2021، ليعود رمضان ويصدر بياناً توضيحياً بعد سخط أسرة النجم الراحل، فالأسرة نفسها غضبت قبل أشهر بسبب المخرج عمرو سلامة الذي دخل بدوره دوامة من الهجوم بعد أن قال إن إسماعيل ياسين أسوأ ممثل بل لا يجيد التمثيل من الأساس، وأن هناك مبالغة في تقدير قيمته، كما أنه لا يضحكه أبداً، بل إنه نادم على أنه اعتبره مضحكاً حينما كان لا يزال طفلاً، فاضطرت عاصفة الهجوم المخرج الشهير إلى الاعتذار عبر بيان مطول، مبدياً ندمه على إبداء آرائه على الملأ مستعملاً هذه الألفاظ القاسية.
من جهته يعتبر السيناريت أيمن سلامة والذي لديه عدد من تجارب الكوميديا الاجتماعية وبينها مسلسل "صدفة" لريهام حجاج، إسماعيل ياسين من أعظم الممثلين العرب ويشبهه بتشارلي شابلن، مشيراً إلى أنه حتى وإن لم يعد يضحك بعضهم حالياً لكن من المستحيل إنكار قيمته الفنية ودوره المهم، ضارباً المثل بسلسلة أفلامه في الجيش التي حظيت بدعم وتشجيع القيادة السياسية حينها للاستفادة من شعبيته الجارفة بين الأعمار كافة.
ويضيف سلامة، الراحل كان حريصاً للغاية أن يقدم رسائل طيبة للنشء من خلال أدواره التي كان ينتصر فيها للخير دائماً، والتي تدعو إلى قيم نبيلة مهما كانت شخصية البطل بسيطة، مذكراً بأن ياسين الذي قدم 240 عملاً لديه سلسلة طويلة من الأفلام التي كانت تحمل اسمه، وهو الممثل الرجل الوحيد الذي حظي بهذا التقدير خلال تلك الفترة، ويختتم سلامة كلامه بالتأكيد على أن أعماله أضحكت الملايين وظلت مصدراً للسعادة ومتنفساً حقيقياً، منوهاً إلى أنه أيضاً من الطبيعي ومع تطور الأجيال أن تتغير مصادر الضحك حتى بالنسبة إلى الجيل الذي عاصر إسماعيل ياسين نفسه.
سلوك المشاهدة
الكوميديا ينطبق عليها القول إنها ابنة عصرها، فمفرداتها وأفكارها وثيقة الصلة بالحقبة التي أنتجت فيها، ولكن هذا أيضاً لا ينطبق على أعمال كثيرة تعتمد على مواقف عامة يمكن أن تحدث لأي شخص في مكان وزمان، ولكن الشائع أن هذا الفن مرتبط كثيراً بثقافة عصره، إذ يؤكد أستاذ علوم المسرح الدكتور محمد سعد أن ثقافة المتلقي الحالي تتغير كل يوم، فعالم الأجيال الجديدة مختلف كلياً، وكذلك المشاهد المخضرم الأكبر سناً حتى يتعرض لكم هائل من المشاهدات اليومية التي تطور وتغير في تفضيلاته.
ويشير سعد إلى أنه في وقت سابق كان يمكن أن ينتظر الجمهور الـ "مونولوجيست" أو حتى الشخص العادي ليلقي نكتة مدتها خمس دقائق وكأنها قصة أو حكاية، بل ويكون متحمساً للنهاية التي حتماً ستكون مفاجئة وتحمل "إفيهاً" ضاحكاً وجديداً، ولكن حالياً لا يتحمل أحد هذا السلوك مهما كانت النتيجة المنتظرة، وتابع أن "ما أسميه ثقافة الـ 'سكرول' يضر جداً بسلوك المتلقي الذي يبحث كل لحظة عن جديد يلبي حاجاته أكثر وأكثر".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن أستاذ علوم المسرح يلفت النظر إلى نقطة أخرى معاكسة، وهي أن بعضاً من أجيال الوسط أو الأكبر عمراً أيضاً تواجه المشكلة نفسها في ما يتعلق بالكوميديا التي صنعها جيل الشباب ممن ولدوا مطلع الألفية الثالثة على سبيل المثال، ويواصل "من واقع خبرتي هناك أعمال أشاهدها وبينها مسرحيات ببصمة هذا الجيل لا أفهم نصفها بسبب المصطلحات التي يعتمدون عليها بصورة أساي في الحوار، إذ يلجأون إلى تعبيرات يتداولونها في ما بينهم مستقاة من الألعاب الإلكترونية والـ 'سوشيال ميديا' وبالتالي يتوه الـ 'إفيه' لأن بعض المتلقين لا يجارون هذه الثقافة ولم يتدربوا على هذا النوع من التلقي، ولهذا فإن الفجوة كبيرة للغاية في الاتجاهين، وهي تؤثر في فنون الدراما ككل وليس الكوميديا فقط".
لذا تبدو مهمة الإضحاك في ظل كل هذه المؤثرات والمنصات صعبة للغاية، إضافة إلى سبب آخر يتعلق بالقيود على عملية كتابة المواقف والإفيهات، إذ كانت المشاهد التي تحمل سخرية على سبيل المثال من الوزن الزائد في عمل من الأعمال تمر مرور الكرام، ولكن حالياً أصبح هذا غير مقبول ولا يمكن التطبيع معه حتى في الإعلانات التجارية، ويلاحق صنّاعه باتهامات التنمر والإساءة وعدم المراعاة وكثير من المواقف.
ولما كانت المشاهد حمالة أوجه ويمكن تفسيرها في سياقات عدة، فإن نجوم وصناع الكوميديا في العالم اعتبروا هذه التوجهات، لا سيما حينما تمارس بصورة مبالغ فيها، إذ يؤكد الدكتور محمد سعد أن قائمة الممنوعات في تزايد مستمر، وأن هناك قوانين كثيرة استحدثت ومن شأنها أن تودي ببعض الأعمال إلى الهاوية، لافتاً إلى أنه من غير المقبول تكبيل الفن وأيضاً من غير المقبول التمادي، واصفاً على سبيل المثال برامج المواهب بأنها تنتمي لنوع من الكوميديا المرضية، بعكس أنواع أخرى من الكوميديا مثل كوميديا الموقف التي تحقق الغرض منها دون أن إيذاء أو إساءة.