ملخص
صدر حديثاً كتاب "أشعار عماد أبو صالح" عن دار ديوان للنشر في القاهرة، متضمناً ثماني مجموعات للشاعر المصري في مجلد، إذ يوثق الكتاب تجربة الشاعر كصوت خاص في ميدان قصيدة النثر، ويثير النقاش أيضاً حول توجه الشاعر إلى النشر العام بعد مرحلة طويلة اكتفى فيها بإثبات أعماله على موقعه الإلكتروني وتوزيع نسخها المحدودة على الأصدقاء والمقربين، في سياق فلسفة الزهد والاستغناء والتزام العزلة ودرء آليات المصلحة والانتفاع.
عبر 30 عاماً حفر الشاعر المصري عماد أبو صالح منجزه كصاحب مشروع فردي مستقل يخرجه عن التعميم النقدي الاستسهالي الذي يجمع شعراء قصيدة النثر من جيل التسعينيات فوق أرضية واحدة، وهذا الحضور المختلف لتجربة الشاعر ينبني فنياً وفي المقام الأول على الطرح الجمالي والأسلوبي المغاير عبر سلسلة دواوينه اللافتة، ولكنه يستند في الآن ذاته إلى صورة إنسانية محددة وغير نمطية ارتضاها الشاعر لنفسه، ورسم ملامحها قولاً وفعلاً عن وعي وإرادة، واشتركت معه الحركة النقدية في تأصيلها وبلورتها، وهي صورة متعمقة ذات أبعاد روحية وفلسفية وذهنية بما يكسبها صدقية وأصالة.
ومثلما اقترنت مجموعاته الشعرية بخصائص وانفلاتات تضرب لها موعداً دائماً مع الدهشة، على مستوى الرؤية والتشكيل والتخييل والتكثيف اللغوي والهمس الموسيقي وتفجير المفارقة وكسر أفق التوقع بصدمات موجعة وتهكمية وفكاهية ومفارقات ختامية عادة تأتي من خارج البرمجة، فإن هذا النتاج المنحاز إلى الشعرية القائمة بذاتها قد اقترن أيضاً بصورة الشاعر، ذلك لأنها لم تكن أبداً مجرد صورة شخصية بقدر ما أنها بورتريه إنساني شامل، خارجي وداخلي، يحمل دلالاته الحية المؤثرة شأن نصوص الشاعر: "تقول لي بنت أختي: ماذا كنت تحب أن تكون يا خالي، لو لم تكن جئت إلى الحياة إنساناً؟/ نقطة ماء، يشربها العمال، في الحر".
وتحت هذه المظلة جاءت دواوين الشاعر "أمور منتهية أصلًا" و"كلب ينبح ليقتل الوقت" و"عجوز تؤلمه الضحكات" و"أنا خائف" و" قبور واسعة" و"مهندس العالم" و"جمال كافر"، و"كان نائماً حين قامت الثورة" كهدايا يطبعها الشاعر على نفقته الخاصة في نسخ محدودة ويوزعها بنفسه على أصدقائه والمقربين منه، ويثبتها كومضات إلكترونية على شبكة الإنترنت بعد إطلاق موقعه الإلكتروني.
وهذا جانب غير هين من جوانب الصورة/ التجربة، فهذه القصائد المغامرة المتمردة المتقشفة لغوياً هي صوت التهميش والزهد والاستقلال والاستغناء والاكتفاء بالقيمة واعتزال الأضواء والضجيج والتحلل من التعاملات المؤسسية، والنأي بعيداً من تشابكات المصالح والانتفاع وأبجديات الترويج والتسويق: "شكراً للموتى الذي يستغرقون أكثر في الموت/ للنائمين بصدق، لا للتمويه والتحرك في الأحلام". إنها الرغبة في تقديس العزلة والتأمل ومخاصمة المزاحمة والتكسب واللهاث الفج، مع الحرص الدائم على تأكيد هذه القناعات الجوهرية، من جانب الشاعر والمحاورين له في اللقاءات الصحافية التي قد تبرز رفض الشاعر إجراءها في البداية، قبل أن يتعدل موقفه ليوافق على إتمامها والإدلاء بآرائه التفصيلية.
حياة أخرى
يأتي صدور كتاب "أشعار عماد أبو صالح" (دار ديوان، يوليو/تموز 2025) الذي يتضمن ثماني مجموعات شعرية له في مجلد كبير، ومن قبله ديوانه التاسع الأخير "يا أعمى" الصادر ورقياً عن دار "أثر" السعودية بمثابة حدث يخص تحولات هذه التجربة الشعرية الفريدة من دون سواها، بعد مرور 30 عاماً على صدور ديوان الشاعر الأول "أمور منتهية أصلًا" عام 1995.
إن "مهندس العالم" الذي يحتفي بذلك الشاعر الذي "لا يعنيه التقدم ولا يستحيي من التأخر، ولا يلهث وراء شكل العالم"، يضع قراءه للمرة الأولى أمام إصدار شامل وموثق لأعماله ومتاح بسهولة، ولطالما كانت مجموعات الشاعر المتمرد على آليات السوق، الرافض لمادية النشر وسلطة المؤسسات، تتداول بين القراء بصعوبة يكتشفها المهتمون بجهد ويتبادلها البعض إلكترونياً، وقد كانت هذه الأبجدية في النشر اختياراً واعياً للابتعاد من كل ما يتعلق بالتنافسية والتجارية والتربح والتركيز على جوهر التجربة الفنية، والتمسك بالشعري النقي فقط في زمن سيطر فيه الاستهلاك على كل شيء.
ويمكن النظر إلى هذا التحول في فلسفة النشر من الاكتفاء بالنشر الخاص والمحدود إلى النشر الورقي العام، من زوايا عدة بطبيعة الحال، من أهمها الرغبة في توثيق أعمال الشاعر بعدما بلغ هذه الدرجة من النضج والاكتمال، ويعد إصدار هذا المجلد، وفق بيان الناشر، تأكيداً لأهمية حفظ التراث الشعري العربي، والتزاماً من الدار بنقل تلك التجربة الشعرية المدهشة إلى الأجيال الجديدة ومنحها حياة أخرى، كما يمثل الإصدار "خطوة مهمة لتوثيق أعمال أحد أبرز الأصوات الشعرية في المشهد الثقافي وإنهاء عناء البحث عن دواوينه المتفرقة وتقريب شعره من جميع القراء، سواء من عاصروا أعماله على مدى أعوام طويلة، أو من يبدأون اكتشاف عالمه الشعري الثري".
من جهته يدرك الشاعر عماد أبو صالح نفسه الذي "ينحاز لليائسين من الشعراء الذين يزرعون عشبة في أسفلت الطريق، وهم يعرفون أن عربة ستسحقها"، أهمية التعليق على حيثيات هذا التحول في فلسفة النشر، مؤكداً في تصريحاته المصاحبة لبيان الصدور أنه كان يحب استكمال نشر أشعاره بالطريقة القديمة "لولا تغير الوجوه والظروف والزمن".
ويوضح أن الدافع الأساس لطبعها حالياً هو "تدقيقها وتوثيقها لحمايتها من التشويه أثناء تداولها في الواقع الافتراضي"، ويصف شعوره إزاء هذا التحول بأنه شعور مختلط بين الدهشة والخوف والفرح الخفيف والحزن الثقيل "أحس أنني قدمت بنفسي دليل إدانتي لمحكمة الزمن، وهي محكمة لا تعرف الرحمة في التعامل مع الإبداع عموماً والشعر خصوصاً".
قصائد وتحولات
هل ثمة تناقض يمكن أن يراه بعضهم متسللاً إلى صورة الشاعر المعتزل الزاهد في الأضواء الرافض للشعرية الرائجة والنشر التربحي؟
الحقيقة أن حرص الشاعر على ألا تكون كلماته "فريسة للناس والزمن"، بحد ديوانه "يا أعمى"، كفيل بوضع رغبته في الحماية والتوثيق ضمن مراتب الزهد ودرجاته العليا أيضاً، بمعنى السعي الآمن إلى ضمان بقاء التجربة وحفظها بمعزل عن الضجيج التسويقي، وهذا التحول في النشر لا يضيف شهرة إلى شاعر متحقق، كما أنه لا يوجد تفسير تجاري واضح له في ظل عدم التربح من كتب الشعر عموماً في العالم العربي، ومن ثم فإنه من الإنصاف الميل إلى رصد دافع أقوى وأبقى يتعلق بمسؤولية الشاعر تجاه إبداعه وقرائه، فالشاعر الذي يقدم تجربة مميزة يواصل اجتهاده أيضاً للإبقاء عليها بأفضل الوسائط الممكنة، وتأمين التوثيق اللازم لها في ظل التحولات العصرية.
ومن الضروري أيضاً تفهم ذلك التطور الطبيعي الذي تمليه المستجدات، خصوصاً أن حضور الشاعر في المشهد لم يكن آلياً جامداً، بل كان يتسم بالمرونة والتأثر بالمحيط، إذ إن العزلة لا تعني الانقطاع التام عن العالم، بل قد تعني في الأساس اختيار طريقة مختلفة للتفاعل معه، كما أن الحفاظ على النص الأصيل هو شكل من أشكال الحفاظ على الذات الشعرية نفسها التي هي جوهر العزلة الحقيقية. ويضاف إلى ذلك كله أن المناخ الأدبي نفسه قد تغير، فالنشر الذاتي مثلاً لم يعد يحمل الدلالة نفسها التي كان يحملها قبل 30 عاماً وذلك مع انتشار الصيغ الإلكترونية والمنصات الرقمية ودور النشر المستقلة عن المؤسسات المركزية المهيمنة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعند مقاربة تجربة عماد أبو صالح، جمالياً أو حتى إجرائياً، يظل لزاماً تجاوز الأسطح الظاهرية واستحضار أدواته هو العاملة بحيوية في استكناه العمق الفني والفلسفي والوجودي والإنساني، ومن ثم فقد يمكن تفهم هذا التحول في مسار النشر لديه في سياق أكثر منطقية وموضوعية وتحرراً من الكليشيه الذي غلب عليه خلال رحلته السابقة، وشكل جزءاً راسخاً من حضوره ومبادئه ووهجه الفني. ويبقى الشاعر مجدداً بقدر ما يبقى إشكالياً، وبقدر ما يمضي منحرفاً عن التوقعات السابقة والإجابات الجاهزة صوب التساؤلات الحارقة التي تستثير شهية القراءة، وتشحذ ذائقة التلقي، وتفتح آفاقاً للتفكير والتأمل في الذات المنقسمة المتشظية والمصائر المأسوية والواقع البشري والكوني المعقد.
"كان نائماً حين قامت الثورة/ لم يغادر سريره، رغم أنه سمع الهتافات الهادرة، من شباك غرفته/ نام بعمق، وكان وحيداً في البيت، في الحي كله/ لا ضجيج بائعين، لا صراخ أطفال، ولا نباح كلاب/ وحيد وحرّ/ بينما الثوار هناك، يشيعون جنازة الحرية".
وهذه الانزياحات كلها وغيرها، هي النقاط والخطوط والمتجهات الدالة في خرائط عماد أبو صالح، صاحب التفاصيل الذكية والبرقيات الشعرية الوامضة المتجردة من الحشو والزخرف، والترميز المحيل إلى طبقات متنوعة من التأويل من غير إلغاز تخييلي ومن دون تكلف ذهني، ليظل القارئ مشاركاً له في إنتاج المعنى وفهم تطورات تجربته في فضاء قصيدة النثر، تلك التي يصفها بأنها "قصيدة فاضحة، تجبر الشاعر على أن يأتي إليها عارياً على اللحم، لا موسيقى صاخبة ولا قافية ولا زركشات لغوية، ولا تخطيطات عمدية مسبقة".