ملخص
الغياب الملحوظ لرئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) ألكسندر تشيفرين عن المشهد الكروي يثير تساؤلات كثيرة، وسط صعود نفوذ إنفانتينو و"فيفا". وفي ظل تحالفات الأندية وتوسع بطولة كأس العالم للأندية، يبدو أن أوروبا تفقد زمام المبادرة.
السؤال المتداول بكثرة هذا الصيف في عدد من المقصورات التنفيذية داخل الملاعب هو "أين ألكسندر تشيفرين؟".
وهذا السؤال يمكن فهمه بأكثر من طريقة. فقد يشير إلى أن تشيفرين لم يحضر حتى الآن سوى مباراة واحدة فقط في بطولة أمم أوروبا للسيدات 2025 التي ينظمها الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا). وقد يشير أيضاً إلى أنه لم يحضر أية مباريات في بطولة أوروبا تحت 21 سنة ولا في كأس العالم للأندية. وربما الأهم من ذلك، أنه قد يشير إلى غياب رد فعل من "يويفا" تجاه محاولة السيطرة على كرة القدم من قبل "فيفا" عبر البطولة الجديدة المثيرة للجدل.
إنفانتينو يستثمر الحدث ويستقطب الأندية الكبرى
ينظر إلى رئيس "فيفا" جياني إنفانتينو على أنه تفوق على تشيفرين. حتى انسحاب "يويفا" من مؤتمر "فيفا" خلال مايو (أيار) الماضي داخل باراغواي، عندما حضر إنفانتينو متأخراً، انتهى بتراجع غريب بعد خمسة أيام فحسب.
إنها بالتأكيد أوقات غريبة تمر بها كرة القدم. وقد يكون من محل نقاش ما إذا كانت بطولة كأس العالم للأندية نجحت كحدث رياضي، لكنها بلا شك حققت أهداف إنفانتينو. فالظهور الكوميدي لدونالد ترمب في مراسم تسليم الكأس شكل لحظة فارقة بالنسبة إلى رئيس "فيفا"، وهي لحظة ستشجعه الآن على محاولة إزاحة دوري أبطال أوروبا من مكانته كأهم بطولة للأندية في العالم. واللافت أن عدداً من مسؤولي الأندية يرون بالفعل في هذه البطولة ما يشبه "دوري السوبر الأوروبي" الذي لم يتحقق خلال أبريل (نيسان) 2021، ولكن هذه المرة بدعم مؤسسي رسمي.
وربما هذا هو التحول الأكثر أهمية في كل ما يحدث، فقد كانت الأندية الكبرى خلال السابق تنظر إلى "فيفا" على أنه مصدر للإحراج ومصدر إزعاج، أما الآن فهي تدخل في شراكة عملية معه، وحتى رابطة الأندية الأوروبية عمقت علاقتها بإنفانتينو على رغم أنها كثيراً ما كانت قريبة من تشيفرين.
حرب باردة على أرض "يويفا" وسط غياب استراتيجي
كل العوامل مهيأة لحدوث اضطرابات. وعلى رغم أن كثيراً من الانتقادات التي يمكن توجيهها إلى إنفانتينو يمكن أيضاً توجيهها إلى تشيفرين، نظراً إلى الطبيعة الخاصة لتلك المناصب التنفيذية العليا، فإن الغياب الواضح لأحد أقوى الهيئات الكروية في العالم عن هذه الساحة يبدو غريباً. وما يزيد الأمر غرابة أن هناك "حرباً باردة" معروفة بين "يويفا" و"فيفا"، وهناك بطولة كبرى تقام حرفياً داخل البلد الذي يتخذ فيه "يويفا" مقره.
يقال إن تشيفرين واثق من أنه حصل على اتفاق يقضي بألا تقام بطولة كأس العالم للأندية التي ينظمها "فيفا" إلا مرة كل أربعة أعوام. لكن هذا يبدو شبيهاً بثقته السابقة في أندريا أنييلي قبل إطلاق دوري السوبر الأوروبي. ويرى عدد من المصادر الكروية المطلعة أن هذا التصور ساذج بصورة صادمة، خصوصاً مع الأحاديث الجارية بالفعل بين الأندية حول إقامة البطولة كل عامين وتوسيعها لتشمل 48 فريقاً.
وقد يُنتقد "يويفا" على أنه يعيش في حال إنكار، لكن –كما عبر أحد المسؤولين البارزين في "يويفا" بحسرة– "يبدو أننا ننكر كل شيء تقريباً".
تشيفرين ومحاصرته بـ"رجال نعم"
لكن هذه تبدو نتيجة حتمية لإحاطة النفس بمن يسمون بـ"رجال نعم"، إذ تصر مصادر عدة على أن تشيفرين بعد ثمانية أعوام في المنصب لا يتقبل الآراء التي لا تعجبه، وكما وصف أحد المطلعين الأمر "لا يسمح لك بإبداء رأي يخالف رأي الرئيس، ولا حتى تقديم نصيحة".
ويبدو أن هذا النهج أدى إلى نوع من الانفصال والتباعد، تجلى في الغياب الملحوظ عن حضور المباريات. وهو مرتبط أيضاً بالسياسات الكروية التقليدية، إذ اعتادت النظم الزبائنية (القائمة على تبادل المنفعة) في كرة القدم على مكافأة الولاء بالتعيينات والنفوذ، مما يعزز المكانة داخل البلد الأم، لا سيما من خلال استضافة البطولات الكبرى.
كل هذا يسلط الضوء على سبب أساس لضرورة وجود حدود زمنية لفترات الرئاسة، وهي مسألة مثيرة للجدل خلال فترة تشيفرين.
خلال الوقت الراهن يحيط بتشيفرين ما لا يقل عن ثمانية من الموالين، وقد يرتفع العدد إلى 12 أو 13. إذ يقف تحته مباشرة الصربي زوران لاكوفيتش الذي ينظر إليه عموماً على أنه المنفذ المباشر لخطط الرئيس. ثم هناك الإيطالي غابرييلي غرافينا الذي يقال إنه نال احترام تشيفرين عندما مال إلى جانبه بدلاً من إنفانتينو، ويشغل الآن منصب النائب الأول لرئيس "يويفا".
ومن ألمانيا يأتي اثنان هما رئيس الاتحاد الألماني لكرة القدم وعضو مجلس "فيفا" بيرند نويندورف، والمدير التنفيذي السابق لبوروسيا دورتموند وعضو اللجنة التنفيذية لـ"يويفا" هانز يواخيم فاتسكه.
واكتسب الألباني أرماند دوكا نفوذاً كبيراً لدرجة أنه يقال إنه يطمح لخلافة تشيفرين لكن قد يتعين عليه الانتظار، إذ دفع الدنماركي ييسبر مولر باتجاه تعديل القوانين التي قد تتيح لتشيفرين الترشح لفترة جديدة بعد عام 2027. ومولر الذي يشغل أيضاً منصب نائب رئيس "يويفا" يعتقد أنه ارتكب خطأً تكتيكياً، عندما صوت لمصلحة إعادة فرق الشباب الروسية على رغم رفض واسع لهذه الخطوة.
أما الإستوني آيفار بوهلاك فينظر إليه على أنه "جندي مخلص" على رغم أنه لا يعبر كثيراً عن رؤى كروية، لكنه ليس قريباً من تشيفرين بقدر قرب الملياردير المجري شاندور تشياني، وهو أيضاً عضو في مجلس "فيفا".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الشخص الموالي الذي يثير أكبر قدر من التساؤلات هو التركي إبراهيم حاجي عثمان أوغلو، نظراً إلى أن اتحاد بلاده يعد قريباً جداً من قطر ورئيس رابطة الأندية الأوروبية ناصر الخليفي، كما أن افتتاح مكتب لـ"يويفا" في إسطنبول أثار كثيراً من علامات الاستفهام.
وشهدت إسطنبول خلال هذه الفترة استضافة نهائي دوري أبطال أوروبا 2023 الذي تأجل من عامي 2020 و2021، إضافة إلى نهائي الدوري الأوروبي 2026، وبطولة "يورو 2032" بالتعاون مع إيطاليا. أما الأصوات الناقدة داخل "يويفا" فقد تابعت بدقة منح تنظيم البطولات الكبرى. فإيطاليا فازت بحق استضافة "يورو 2032" على رغم وجود تساؤلات كبيرة في شأن قدرتها التنظيمية والبنى التحتية. وألبانيا استضافت "يورو" تحت 17 سنة عام 2025، ونهائي دوري المؤتمر الأوروبي 2022. والمجر ستنظم نهائي دوري الأبطال 2026. أما ألمانيا فقد حصلت على أكثر من تركيا بما في ذلك "يورو 2024" ونهائي دوري الأبطال 2025، ونهائيات دوري الأمم الأوروبية 2025 ونهائي الدوري الأوروبي 2027.
إنجلترا تعارض و"ويمبلي" مصدر قوة
أما الاستثناء الوحيد فهو استاد "ويمبلي" الذي لا يزال يحتضن مباريات كبرى بانتظام، على رغم أن الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم أغضب قيادة "يويفا" بكونه الاتحاد الوحيد الذي صوت ضد إصلاح النظام الأساس الذي قد يتيح لتشيفرين الترشح مجدداً. ومع ذلك، فإن "ويمبلي" يظل الأكثر ربحية تجارياً لـ"يويفا"، لذا يحرصون على استخدامه.
أما أمين صندوق "يويفا" السابق ديفيد غيل الذي كان كثيراً ما يعارض تشيفرين، فلا يزال من بين عدد من الشخصيات المحترمة التي هُمشت. ويشمل هذا الفريق أيضاً النجم الكرواتي زفونيمير بوبان ونائب الأمين العام السابق كيفن لامور الذي انتقل الآن للعمل مع "فيفا".
باتت شخصيات أخرى ينظر إليها على أنها أكثر اهتماماً بمسار اللعبة تشعر بالإحباط المتزايد، مثل الأمين العام جورجيو ماركيتي المعروف بإدارته لقرعة دوري أبطال أوروبا، الذي ظل في الأقل حاضراً بلا كلل في مباريات "يورو 2025"، باعتباره عاشقاً حقيقياً لكرة القدم.
وتفاجأ كثر بالتحولات في مواقف رازفان بورليانو. فقد كان ينظر إلى الروماني كمرشح محتمل لمنافسة تشيفرين، لكنه كان في باراغواي المسؤول التنفيذي الذي جمع ممثلي "يويفا" لتنفيذ الانسحاب من مؤتمر "فيفا".
وتشير مصادر إلى أن رفض منح بوخارست استضافة نهائي الدوري الأوروبي 2026 لمصلحة إسطنبول، كان له دور في ذلك.
"يويفا" يهدر فرصة كبرى بعد أزمة باراغواي
تتزايد التساؤلات حول ما حدث بالضبط بعد باراغواي. فكثر داخل الوسط الكروي يرون أن "يويفا" أهدر فرصة ثمينة، وبخاصة أنه بدا خلال تلك اللحظة وكأنه مثل المزاج العام، عندما وجه انتقاداً لاذعاً إلى "المصالح السياسية الخاصة" لإنفانتينو في بيان شديد اللهجة.
ومع وجود عدد من السياسيين الأوروبيين المهتمين بصورة متزايدة بالاتجاه المريب الذي تسلكه كرة القدم، كان بإمكان "يويفا" أن يحشدهم لبداية موجة تغيير واسعة. لكن بدلاً من ذلك انسحب (يويفا) واعتبر ما جرى "حادثة معزولة"، مشيداً بـ"العلاقة القوية والمحترمة مع ’فيفا‘ المبنية على الثقة المتبادلة".
لكن لا أحد يصدق هذا الكلام. فبعض مصادر "يويفا" يصر على عدم الرغبة فقط في حرب شاملة، بينما يتساءل آخرون ما إذا كانت الأندية الكبرى تدخلت، وبخاصة مع اقتراب انطلاق بطولة كأس العالم للأندية.
هذا هو العالم الجديد الذي بات على تشيفرين و"يويفا" أن يواجهاه. فهما لا يملكان حالياً حضوراً مؤثراً فضلاً عن غياب استراتيجية واضحة.
© The Independent