ملخص
الإسهام في جهد مجلس ترمب للسلام سيوفر فرصة للمجموعة العربية للانخراط، من باب غزة، في عملية يمكن أن تخدم غزة وفلسطين والمنطقة، ويمكنه كذلك أن يسهم في إعادة رسم مستقبل مختلف للعالم أجمع.
ذهب "مجلس السلام" الذي اقترحه وترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والذي وافق مجلس الأمن الدولي على قيامه لدى تصويته على القرار 2038 الخاص باتفاقية إنهاء الحرب في غزة، إلى أبعد من حدود غزة ومن المهمة الأممية التي يفترض أن يقوم بها ويتولاها بحسب ذلك القرار، بحيث تكاد غزة وجذور مشكلتها تضيع في دهاليز أخرى، بين اهتمامات دولية وطموحات شخصية تحكم نهج الرئيس الأميركي، وبين الحاجات الفعلية لبقعة فلسطينية دمرتها الحروب، ولن تخرج منها بسلام إلا نحو حلول مستدامة تأخذ في الاعتبار المشكلة الفلسطينية الأساسية من مختلف جوانبها.
تضمنت الخطة التي اقترحها ترمب لوقف الحرب في غزة، وجرى توقيعها في شرم الشيخ قبل أن يتبناها مجلس الأمن الدولي، في ختام نصها وبنودها، القول بإمكان إقامة دولة فلسطينية في المستقبل، شرط نجاح جهود إعادة الإعمار وإجراء الإصلاحات اللازمة داخل السلطة الفلسطينية، وقالت إنه لتمهيد الطريق نحو السلام الدائم سيُباشر حوار بين إسرائيل والفلسطينيين لإنشاء إطار سياسي يعزز التعايش السلمي والتفاهم المتبادل. اعترفت الخطة بإمكان إقامة دولة فلسطينية استجابة لـ"طموحات الشعب الفلسطيني"، إلا أن الاعتراف الأميركي بهذه الدولة بقي ملتبساً على رغم صدور تلميحات سابقة على لسان الرئيس السابق جو بايدن عن ضرورة قيامها. وبات واضحاً أن الوصول إلى تلك المرحلة سيحتاج إلى خطوات على طريق ضبط الوضع الفلسطيني في مواكبة لموقف عربي رفعت رايته السعودية، يشترط السير نحو قيام الدولة كمقدم لإرساء سلام شامل.
لقد ارتبط قيام "مجلس السلام" بمصير غزة وفلسطين، وكانت غزة مبرراً للحديث في شأنه، وعندما دعم مجلس الأمن الدولي التابع لمنظمة الأمم المتحدة فكرة إنشائه، إنما كان ينطلق من ضرورة العمل لإنهاء حرب مدمرة استمرت عامين، وسعياً إلى المساعدة في وضع حد لصراع يستمر منذ 100 عام.
وتحت هذا السقف كان الانخراط العربي في خطة سلام القطاع انطلاقاً من قناعة المجموعة العربية والسلطة الفلسطينية، كممثل شرعي للشعب الفلسطيني، أنه آن الأوان لوضع حد للمتاجرة بمأساة الشعب الفلسطيني لحساب مصالح إقليمية وجهوية، مثلما آن الأوان لكبح جموح المشروع التوسعي الاستيطاني الإسرائيلي، الذي يستعجل، خصوصاً بعد "هجمة طوفان الأقصى"، إنهاء حق الفلسطينيين في أرضهم ودولتهم، عبر مشاريع القتل والتهجير والاستيلاء على الممتلكات.
لقد سعت المجموعة العربية الفاعلة بجهد من أجل الوصول إلى وقف الحرب ومنع تشريد الفلسطينيين، ودخلت مصر وقطر في وساطات طويلة ومريرة، ورسم ولي العهد السعودي سقفاً للموقف العربي قوامه أن لا سلام مع إسرائيل من دون وقف المأساة والالتزام بمسار يؤدي إلى تكريس حق الفلسطينيين بدولتهم على أرضهم، ومع انخراط السعودية إلى جانب مجموعة الدول العربية والإسلامية في المجلس الذي أعلنه ترمب في منتدى دافوس، أعطت هذه الدول إشارة التزام بتطبيق الخطة الأساسية التي جرى الاتفاق عليها في شرم الشيخ، وأقرتها الأمم المتحدة، كذلك جددت الثقة بمسعى الرئيس الأميركي من أجل تحقيق السلام في المنطقة.
ومع أن الطموحات الأشمل التي يحملها الرئيس الأميركي لمجلسه المقترح، والتي جعلت معارضيه يحذرون من أثره السلبي في المؤسسات الأممية وفي مقدمها مجلس الأمن الدولي، فإن ترمب نفسه لم يُلغ المجلس الأممي، وتحدث عن تعاون منتج معه، والحقيقة أن مجلس ترمب قد يشكل حافزاً وتحدياً للمؤسسات الدولية الأخرى للسير في تنفيذ مئات القرارات المتخذة، التي لم توضع موضع التنفيذ بسبب ترهل تلك المؤسسات وتبدل موازين القوى في العالم.
سيتطلب الانخراط العربي في "مجلس ترمب" حضوراً ناشطاً ومواكبة حثيثة ولصيقة للرؤية الأميركية، التي تتعدى في تطلعاتها مشكلة العلاقات الإسرائيلية - الفلسطينية وضرورات الإعمار والسلام في غزة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
فواشنطن تنظر إلى غزة كجزء من الشرق الأوسط، حيث لا تزال إيران، في هذه الرؤية عقبة أساسية أمام الطرح الاستراتيجي الأميركي، بسبب ما تعتبره الولايات المتحدة رعايتها للإرهاب وللأذرع وتهديدها المستمر لجيرانها ولإسرائيل وللمصالح الأميركية.
وفي وثيقة البنتاغون المنشورة الجمعة الماضي بعنوان "استراتيجية الدفاع القومي 2026"، تشرح وزارة الحرب الأميركية أن "الولايات المتحدة تسعى إلى شرق أوسط أكثر سلاماً وازدهاراً" يضمن "الاندماج لإسرائيل"، وتعلن أن "حلفاءنا في المنطقة هم وحدهم القادرون على تحقيق ذلك"، و"مهمتنا هي دعمهم في هذه الجهود وتعزيز الأساس المتين الذي أرسته الدبلوماسية الرصينة والدؤوبة للرئيس دونالد ترمب".
ما تقوله استراتيجية البنتاغون هو تبنٍّ عملي لالتزامات ترمب في المنطقة، وما يقول إنه يطمح إليه في تحقيق "سلام عالمي" عبر سياسات الحضور الدبلوماسي والإعلامي واستعراض القوة في آن.
ليس في وثيقة وزارة الحرب أي تراجع عن دعم الشركاء والحلفاء من شرق آسيا إلى أوروبا مروراً بالشرق الأوسط، وإنما فيها إلحاح على هؤلاء لتحمل قسطهم من الشراكة في الدفاع عن أنفسهم، وفي المرحلة المقبلة ستكون تلك الشراكة أمام امتحانات مفصلية، لا تخفف من قيمتها مواقف تبدو غير متسقة قد تصدر في واشنطن.
لقد جعل ترمب من "مجلس السلام"، الذي سيترأسه ويقوده، إطاراً تنفيذياً لاستراتيجيته الدولية، يمكّنه من إنجاز ما تأخرت الأمم المتحدة ومجلسها في إنجازه، وسيكون ذلك ممكناً بقدر ما يؤدي الشركاء العرب والدوليون أدوارهم بقوة وبحضور فاعل، صحيح أن خطوات "مجلس السلام" التنفيذية ستكون أكثر التصاقاً بأسلوب الرئيس الأميركي في القيادة والتنفيذ، إلا أن هذا الأسلوب ليس جديداً بالكامل، فمنذ انتهاء عصر القطبين، السوفياتي والأميركي، مالت الولايات المتحدة إلى ممارسة حضورها الدولي على هامش الأمم المتحدة وبمعزل عنها، وفي تجربة ترمب الجديدة تكريس عملي لهذا النهج من دون الاختباء وراء صيغ غامضة.
إن الإسهام في جهد مجلس ترمب للسلام سيوفر فرصة للمجموعة العربية للانخراط، من باب غزة، في عملية يمكن أن تخدم غزة وفلسطين والمنطقة، ويمكنه كذلك أن يسهم في إعادة رسم مستقبل مختلف للعالم أجمع، وهو فوق ذلك قد يدفع إلى فرض الإصلاحات التي طال انتظارها في مؤسسات الأمم المتحدة، التي لا غنى عنها، وعلى رأسها صيغة وطريقة عمل مجلس الأمن الدولي.