Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العرب وسياسية التطويق

هناك محاولات لدق أسافين بين أبناء الشعب العربي الواحد بنشر الإشاعات

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يمين) يتحدث مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اجتماع ثنائي على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، 21 يناير 2026 (أ ف ب)

ملخص

ما نرقبه اليوم من خلط واضح بين الثوابت القومية والسياسات الإقليمية إنما يدل على أن العرب هدف أساس للأطراف غير العربية بلا استثناء، بدءاً من إسرائيل مروراً بإيران وعطفاً على إثيوبيا وتوابعها وصولاً إلى طوابير من العملاء في الداخل والأعداء في الخارج.

لم تشهد المنطقة العربية في تاريخها عبر العصور المختلفة ذلك المشهد الذي نراه الآن، إذ إننا نشعر أن هناك محاولة لتطويق العالم العربي من كل اتجاه بدءاً من منابع النيل وشرق أفريقيا وسواحل البحر الأحمر وصولاً إلى سيناء والتماس مع غزة والأراضي الفلسطينية الأخرى، فضلاً عن متاعب الشمال الشرقي بما في ذلك غاز البحر المتوسط والساحل الطويل للشاطئ مع الأراضي الليبية بظروفها المعروفة وانقساماتها التي لا مبرر لها.

كل السابق إضافة إلى الوجع الحقيقي الذي يدركه المصريون، خصوصاً من أمرين واضحين أولهما الوضع المتفجر في السودان وثانيهما معضلة السد الإثيوبي والعرض الأميركي الذي قدمه دونالد ترمب بالوساطة بين القاهرة وأديس أبابا، وهو أمر يحمل في ظاهره بوادر مشجعة، ولكنه يحمل أيضاً في طياته احتمالات أخرى، في مقدمها التعريف البسيط للوسيط النزيه، فالوساطة ليست مكسباً في حد ذاتها ولكنها تنطلق من حسابات سياسية معروفة هي التي تمهد الطريق لقبول الوسيط والثقة فيه، خصوصاً إذا كان ذلك الوسيط قوياً بوزن الولايات المتحدة الأميركية وثقيلاً بحجم أكبر قوة اقتصادية وعسكرية وإعلامية في عالمنا المعاصر، لذلك فإن الأمر يحتاج إلى بصيرة عميقة تتسع معها دائرة المعارف المحيطة بظروف كل حدث، ولأن الوسيط غالباً ما يكون قوياً بدرجة كافية فإنه يجب أن يكون محايداً لأقصى درجة.

قد لاحظ الجميع خلال الأشهر الأخيرة أن هناك محاولات خارجية وأخرى عربية تسعى لدق أسافين بين أبناء الشعب العربي الواحد، وذلك بنشر الإشاعات والترويج للأخبار المنتقاة عمداً لضرب الأمة العربية في مواقعها المختلفة، وزرع الشكوك في كل اتجاه وتحويل التنافس الحضاري إلى صدام شعوبي يبدو غريباً على التقاليد العربية والمفاهيم القومية.

لقد تمكنت قوى أجنبية من اصطناع ميليشيات عميلة في الداخل تحت تسميات مختلفة تتمسح بالدين أحياناً وبالقومية أحياناً أخرى، لكنها تسعى في كل الأحوال لتدمير البنية الحضارية والفكرية للعرب! فالمشهد الحالي على رغم بعض الإيجابيات التي لا ننكرها، يشمل في معظمه قدراً كبيراً من التفاوت الواضح في المواقف والخروج الفاضح عن المبادئ، ولقد اختلط لدينا قدر كبير من العوامل المختلفة التي تؤثر في المشهد الحالي، ولعلنا نرصد بعضها في النقاط التالية:

أولاً، إن ما نرقبه اليوم من خلط واضح بين الثوابت القومية والسياسات الإقليمية إنما يدل على أن العرب هدف أساس للأطراف غير العربية بلا استثناء، بدءاً من إسرائيل مروراً بإيران وعطفاً على إثيوبيا وتوابعها وصولاً إلى طوابير من العملاء في الداخل والأعداء في الخارج.

علينا دائماً أن نتسلح بأكبر قدر من اليقظة والوعي لما يدور حولنا فأصحاب النفوذ في العالم المعاصر يريدون أن يكونوا هم الحائزين وحدهم للثروة، بينما يتطلع أصحاب تلك الثروة إلى حيازة النفوذ والسلطة على الجانب الآخر، فالمسألة ممتدة بغير حدود ومن دون ضوابط ولكن ما زالت هناك بقية صامدة من قوى عربية ذات تاريخ كبير في المنطقة نذكر منها السعودية وأشقائها في دول الخليج العربي، فضلاً عن الدور المحوري لمصر بتاريخها العريق وحجمها البشري الضخم والشام بثقافته وحضارته وفنونه وآدابه فهو الركيزة الفكرية لفهم المستقبل والتعامل معه، والعراق الذي يحمي الجناح الشرقي لأمته العربية وهو منبع حضارة العباسيين وازدهار الدولة الإسلامية التي واجهت عصوراً متتالية بعمق حضاري لا ينكره أحد. لذلك، فإننا نقول صراحة إن بعض المقومات العربية إذا كانت غائبة عن مسرح الأحداث إلا أنها تؤثر فيه بما تدفع به بين حين وآخر من عوامل التماسك وأسباب التضامن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ثانياً، إن التطورات العالمية والدولية المعاصرة تنعكس مباشرة على الوضع الراهن في ما نطلق عليه "الشرق الأوسط"، فالكل متطلع ولدول الجوار أطماعها ولا نستثني من ذلك أيضاً دولاً تحاول العبث في خريطة الأمة بل وتدس أنفها أحياناً دون مبرر في أوضاع الجنوب العربي، لكي نفاجأ كل يوم بأخبار جديدة عن أزمات مُفتعلة وفدت على المنطقة من كل اتجاه، ولذلك فإنني أستخدم تعبير "تطويق الأمة العربية" وأنا مرتاح إليه تماماً لأن المشهد يُنبئ بذلك ويَشي بأن ما هو قادم قد يكون هو الأصعب، ومع ذلك أقول إن العروبة باقية وإن ركائزها الأساس في الجزيرة العربية ومصر والشام والعراق والمغرب العربي ودول الجوار المرتبطة بالثقافة والحضارة العربية الإسلامية تشكل في مجموعها قوة هائلة قادرة على التغيير عند اللزوم.

ثالثاً، إن ظهور الولايات المتحدة الأميركية على مسرح الأحداث الدولية بتأثير قوي وقدرة على التغيير هو أمر أدى في النهاية إلى ظهور حركات التحرر الوطني بعد الحرب العالمية الثانية ووصول أوروبا كقوة احتلال إلى مرحلة الشيخوخة، مما أدى إلى ظهور نظرية الفراغ المرتبطة بمبدأ الرئيس الأميركي الأسبق دوايت إيزنهاور وكأنها استكمال لمبدأ "مونرو" الذي سبقها بقرن كامل منذ تفتحت شهية واشنطن للعب دور في الحياة السياسية الدولية بصورة فاعل ومؤثر.

وظهرت أساليب الاستعمار الجديد الذي ارتكز بوضوح على العامل الاقتصادي حتى ولو كانت الظواهر سياسية في العلن، فزحف أوروبا الاستعمارية نحو القارة السمراء (أفريقيا) أثبت أن الأطماع في تلك القارة البكر هي التي تحرك مسار الأحداث وتدفع بالتدخلات الأجنبية في دول الجنوب عموماً، وهو أمر قاومته حركات التحرر الوطني المتحالفة مع اليسار المعتدل فظهرت حركة تصفية الاستعمار ومظاهر ما سُمي حينذاك بالحياد الإيجابي، ولكن دبلوماسية حافة الهاوية التي قادها وبشر بها وزير الخارجية الأميركي السابق جون فوستر دالاس أدت إلى إذكاء روح الحرب الباردة، والدفع بالشعوب نحو أهداف جديدة وسياسات مختلفة.

كان ظهور البترول والصراع على مصادر الطاقة ثم منابع الأنهار بعد ذلك بمثابة ناقوس جديد بدأ يدق ليشعر الجميع أن مرحلة جديدة في العلاقات الدولية المعاصرة تطل على عالمنا بقوة وشراسة، فلقد جسد وصول دونالد ترمب إلى البيت الأبيض ذلك المعنى بكل وضوح وتأكد لدينا أننا إزاء مرحلة مفصلية في العلاقات الدولية تطيح ديمقراطية تلك العلاقات وتفتح المجال لسطوة القوي على الضعيف، والتهام الكبير للصغير.

بدأت أطماع ترمب العلنية تتحدث صراحة عن إمكانية السيطرة على بقاع معينة وضمها للولايات المتحدة الأميركية بدعاوى جيوسياسية، من دون الوعي الكامل أن شعوباً تحررت وأن دولاً كثيرة في المنطقة تغيرت وأن عالم اليوم يختلف عن دنيا الأمس.

رابعاً، لقد هرمت أوروبا الغربية وبدت وكأنها الأم العجوز للحضارة ولكنها ليست الراعية الأولى للتكنولوجيا، ثم أطل عصر الذكاء الاصطناعي بكل ما له وما عليه لكي تُحاصر به شعوب معينة ودول بذاتها، وأصبحنا أمام معضلة حقيقية تتلخص في أن الذين يحوزون النفوذ الدولي والثروات الكبرى هم أنفسهم الذين يتحكمون في مصائر الشعوب ويضربون الشرعية الدولية في مقتل، غير مدركين للأخطار التي تحيط بالكوكب كله في ظل تحديات أخرى، ليس أولها المياه والطاقة وليس آخرها التقدم المذهل في تكنولوجيا الصناعة والتطور في صناعة الأسلحة وأدوات الدمار الشامل بما فيها السلاح النووي.

إننا نتحدث كعرب عن الأخطار المحيطة بنا والأطماع التي تغلف النظرة إلينا إلى حد استلاب بلد عربي بالكامل هو فلسطين وتحويله إلى مأساة عصرية بالسطو على أرضه واغتصاب مقدساته وتدمير أجياله القادمة، ذلك أن مثل هذا الأمر يدعو إلى مزيد من الحذر في خطواتنا نحو المستقبل، فنحن أمة مستهدفة من كل اتجاه كما أن ثرواتنا الباقية وموقعنا الجغرافي وتراثنا الثقافي وإرثنا الحضاري هي كلها مغريات تدعو إلى ضغوط هائلة علينا ومحاولات متجددة للإيقاع بنا صباح مساء! والعرب ينشطون بكل ما لديهم من قوة ولكن ذلك لا يمنع أن يكونوا أحياناً كالأيتام على مائدة اللئام!

المزيد من آراء