ملخص
يقول وزير الدفاع الإسرائيلي إن المدينة الإنسانية المزمعة في غزة ستستوعب في البداية نحو 600 ألف نازح من جنوب غزة، وستضم 4 مراكز لتوزيع المساعدات تديرها منظمات دولية. وفي نهاية المطاف، يتوقع نقل كامل السكان المدنيين، أي أكثر من مليوني شخص، إلى تلك المنطقة.
تعرض اقتراح إسرائيلي بنقل سكان غزة إلى ما سمي "مدينة إنسانية" لهجوم شديد إذ وصفه منتقدوه بأنه في أفضل الأحوال محاولة مكلفة لصرف الانتباه، وفي أسوئها بأنه خطوة أولى محتملة نحو طرد الفلسطينيين من أرضهم.
وكان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس قد كشف عن الخطة للمرة الأولى خلال إحاطة مع صحافيين الإثنين الماضي. وتنص الخطة على إنشاء منطقة مغلقة، من الصفر في جنوب قطاع غزة، وذلك خلال هدنة محتملة لمدة 60 يوماً في الحرب الدائرة مع "حماس" تجرى مفاوضات في شأنها حالياً في قطر.
وبحسب كاتس، ستستوعب المنطقة في البداية نحو 600 ألف نازح من جنوب غزة، وستضم أربعة مراكز لتوزيع المساعدات تديرها منظمات دولية. وفي نهاية المطاف، يتوقع نقل كامل السكان المدنيين في غزة، أي أكثر من مليوني شخص، إلى تلك المنطقة.
كلفة باهظة
لكن منتقدي المقترح تساءلوا عن جدوى الخطة وطابعها الأخلاقي، إذ أشار زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد إلى كلفتها الباهظة، بينما لفت متخصص إلى غياب البنية التحتية الأساسية اللازمة لاستيعاب هذا العدد الكبير من الأشخاص.
ووصفت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) المنشأة المقترحة بأنها "معسكر اعتقال"، في حين قال وزير شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المملكة المتحدة هايمش فالكنر إنه "مصدوم" من الفكرة.
وأوضح الوزير البريطاني على منصة "إكس"، "يجب ألا يجري تقليص الأراضي الفلسطينية. يجب أن يتمكن المدنيون من العودة إلى بلداتهم".
اندلعت الحرب في قطاع غزة مع شن حركة "حماس" هجوماً غير مسبوق في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 أسفر عن مقتل 1219 شخصاً، معظمهم من المدنيين، وفقاً لتعداد وكالة "الصحافة الفرنسية" استناداً إلى أرقام رسمية.
وترد إسرائيل منذ ذلك الوقت بقصف عنيف وعمليات عسكرية قتل فيها أكثر من 58026 فلسطينياً في غزة غالبيتهم مدنيون، وفق أحدث حصيلة لوزارة الصحة في القطاع وتعدها الأمم المتحدة موثوقة.
انتقادات زامير
سيخضع الوافدون الجدد إلى "المدينة الإنسانية" إلى عمليات تدقيق أمنية للتأكد من عدم انتمائهم لـ"حماس"، وبمجرد دخولهم المنطقة، لن يسمح لهم بالمغادرة. وأضاف كاتس أن الجيش الإسرائيلي سيوفر الأمن "عن بعد".
إلا أن الخطة أثارت عاصفة من الانتقادات امتدت على ما يبدو إلى داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نفسها. وبحسب وسائل إعلام إسرائيلية، فقد هاجم رئيس أركان الجيش إيال زامير، الاقتراح خلال اجتماع للحكومة، مؤكداً أنه سيصرف التركيز عن الهدفين الأساسيين للجيش وهما هزيمة "حماس" وتأمين عودة الرهائن.
وأفادت قناة 12 الإسرائيلية بأن مسؤولين أمنيين لم تُذكر أسماؤهم وصفوا الخطة بأنها "مدينة خيام عملاق"، محذرين من أنها قد تمهد الطريق لعودة الحكم العسكري الإسرائيلي في غزة.
يتماشى هذا الطرح مع أهداف طويلة الأمد لوزراء اليمين المتطرف في الحكومة الإسرائيلية، مثل بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير، وهما من الشركاء الأساسيين لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في الائتلاف الحاكم.
ويدعو هذان الوزيران إلى إعادة إنشاء مستوطنات يهودية في قطاع غزة الذي انسحبت منه إسرائيل عام 2005، وإلى ترحيل الفلسطينيين طوعاً من القطاع.
كذلك أججت الكلفة المتوقعة للمبادرة، التي تراوح ما بين 10 و20 مليار شيكل (ما يعادل 3 إلى 6 مليارات دولار)، الغضب الشعبي الداخلي، في ظل تزايد الكلفة الاقتصادية للحرب المستمرة منذ قرابة عامين.
وقال زعيم المعارضة يائير لبيد في منشور على منصة "إكس"، أمس الأحدـ "هذا المال لن يعود أبداً. نتنياهو يترك سموتريتش وبن غفير ينطلقان من دون انضباط بأوهامهما المتطرفة فقط للحفاظ على ائتلافه. بدلاً من نهب أموال الطبقة الوسطى، أَنهِ الحرب وأعد الرهائن".
معسكرات اعتقال
من جهتها، ردت السلطة الفلسطينية بلهجة حادة على المقترح، إذ قالت وزارة الخارجية الفلسطينية في بيان الأحد، "المدينة الإنسانية لا علاقة لها بالإنسانية".
وكان لوكالة الـ"أونروا" الموقف نفسه ورأت، أن الخطة "ستنشئ فعلياً معسكرات اعتقال ضخمة عند الحدود مع مصر".
وقال مسؤول فلسطيني مطلع على مفاوضات الهدنة الجارية في قطر، إن "حماس" رفضت أي خطط لتركيز الفلسطينيين في جزء صغير من جنوب القطاع، وعدت ذلك "تحضيراً لتهجيرهم قسراً إلى مصر أو دول أخرى".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وحذرت منظمة العفو الدولية، التي اتهمت إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية، من أن نقل سكان غزة داخل القطاع أو ترحيلهم خارجه قسراً يعد جريمة حرب.
كذلك، أثارت الخطة قلقاً كبيراً بين خبراء القانون. فالجمعة، وجه 16 باحثاً إسرائيلياً في القانون الدولي رسالة إلى كاتس وزامير يحذرون فيها من أن الخطة قد ترقى إلى جريمة حرب.
ووصف ميخائيل ميلشتاين، الضابط السابق في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، الخطة بأنها واحدة من عدة "أوهام" تروج لها القيادة الإسرائيلية في ظل الغضب الشعبي المتزايد من مسار الحرب وغياب الحل السياسي. وأشار إلى أن المنطقة المقترحة لا تحوي أي بنية تحتية قائمة، مما يطرح تساؤلات حول إمكانية توفير الكهرباء والمياه.
وقال ميلشتاين الذي يترأس برنامج الدراسات الفلسطينية في جامعة تل أبيب، "يبدو أن إسرائيل تفضل تبني أي فكرة جنونية بدلاً من الاعتماد على سياسات واقعية". وأضاف "لا أحد يخبر الجمهور الإسرائيلي ما هو الثمن، وما هي العواقب الاقتصادية والسياسية والأمنية لإعادة احتلال غزة... ستكون الكلفة باهظة جداً".
وختم بالقول، "أرى حقاً أنه لو أدرك الناس أن هدف الحرب هو إعادة احتلال غزة، فإن ذلك سيفجر اضطرابات اجتماعية كبيرة داخل إسرائيل".