Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رحلة البحث عن الهوية المصرية في رواية "لعنة الخواجة"

وائل السمري ينتقل من زمن الكولونيالية إلى مرحلة القومية

مواجهة الاستعمار البريطاني في مصر (غيتي)

ملخص

يتطرق الروائي المصري وائل السمري في روايته "لعنة الخواجة"، ألى الهوية الهجينة في مصر، بين مرحلتي الكولونيالية والقومية، فنشهد  في الرواية على تجلياتها وتعثراتها ومؤرقاتها.

يعدّ مفهوم الهوية في سياق ما بعد الكولونيالية من أكثر المفاهيم تعقيداً، إذ تتشكل الهوية في ظل تجربة استعمارية سابقة، تكون تركت آثاراً عميقة على كل من الفرد والمجتمع والثقافة. ويمثل الباشا دانينوس الوالد الذي عاش في القرن الـ19 نتاج هذه المرحلة، في حين ينشأ ابنه أدريان دانينوس في القرن الـ20، في مرحلة تتخذ فيها الهوية سياقاً آخر هو سياق ما بعد الكولونيالية. هكذا يتأتى تعقيد شخصيته من تعقيد هويته، ولا سيما أنه ولد يوم الحادثة المسماة "دنشواي الصغرى" التي تحيل إلى لحظة مقاومة مهمة، إذ قام بعض أهالي بلدة الكنيسة في الجيزة بمهاجمة ضابطين إنجليزيين، فقتل أحدهما واحداً من الأهالي.

ولعل هذا السياق بأحداثه التي تتخذ صيغة المقاومة شكل شخصية دانينوس، فكانت مساعيه وأبحاثه وجهوده تنطلق من رغبة لإثبات هويته التي تشكلت في فضاء ثالث وفاقاً لرؤية هومي بابا، وهي الهوية الهجينة التي تتشكل من جدلية سياقي المستعمِر والمستعمَر، فلا تنتمي لأي طرف بصورة كاملة، بل تمزج بين الثقافات، وتعيد تشكيل الذات بعيداً من الثنائيات التقليدية. ويعد هذا الفضاء الثالث واحداً من المفاهيم المركزية في الهوية ما بعد الكولونيالية التي يمكن صاحبها أن يمارس أفعال إثبات الانتماء والذوبان في ثقافة الأصلانيين، بما فيها التصوف. ويغرق في تمثل الجذور والتراث لإثبات ولائه للنسق الثقافي الأصلاني، من غير أن يتخلى عن تمثلات النسق الثقافي الوافد. وتتشكل أفعاله بصورة غير واعية غالباً، وعن رؤية صادرة عن هذا الفضاء الثالث، المكون للهوية الهجينة التي نشهد على تجلياتها وتعثراتها ومؤرقاتها في نص وائل السمري "لعنة الخواجة".

بناء السرد وبناء الهوية

تبنى الهوية من خلال سرد طويل يتغيّا استيعاب حقب ثلاث، الكولونيالية وما بعدها مباشرة وهي حقبة التحرر السياسي من الاستعمار، ثم الحقبة التي تليها وهي حقبة التحرر الاجتماعي من الاستعمار والتبعية، بإرساء قواعد الدولة الوطنية عبر الثورة. ويسهم البطل نفسه "أدريان دانينوس" في بناء الهوية ومتابعة تحولاتها، إذ نقرأ تاريخه ونتابع حركته من خلال الوثائق، وكذلك من خلال شخصية الصحافي ناصر الحسيني، بطل الراهن الذي يتقدم على البطل الأول زمنياً بنصف قرن في الأقل والذي يرينا دانينوس ليس عبر الوثيقة وحسب، بل عبر رؤيته الذاتية وهويته الشخصية التي قادها كل من الفساد والظلم وغياب العدل، إلى الاضطراب، ولا بد من القول إن هذه العوامل المشكلة للمنظومة القيمية لا تحدد علاقتك بالبنية الثقافية الاجتماعية وحسب، أو بمفهومك للوطن، بل تحدد علاقتك بذاتك أيضاً.

يقوم النص على  قصتين متقاطعتين، تشكل كل منهما بنية دالة على سياقها، وفي الوقت ذاته تشير إلى الأخرى، من خلال الحبكة البوليسية التي يقدمها وائل السمري والتي يبنيها الصحافي الاستقصائي ناصر الحسيني الذي يتمسك بمجوعة من القيم المهنية، وأهمها عدم الكشف عن مصادره، فيقع ضحية لعبة من قبل مزورين، ومنتفعين في الوسط الصحافي، لتفتح هذه الورطة ملف الفساد والتزوير في هذا القطاع، وتفضح تهافت الصحافيين على السبق الصحافي، كما تشير إلى فساد شركات الورق ومواجهة مافيات مؤسسات القطاع العام، "قصة فساد واحدة، قادتنا إلى عشرات المصائب".

يكتشف الصحافي وقوعه في مصيدة الملفات والوثائق المزورة، فيهرب إلى ذاته ويعتكف في منزله، وستنفصم علاقته بعالية الزوجة والحبيبة وبالابنتين الأغلى على قلبه، نتيجة الاكتئاب الذي سيصيبه جراء التهمة، مع تناوله أدوية الأعصاب التي يسكن بها آلام ظهره، الناتجة من ظروف المهنة التي تقتضي الجلوس الطويل للكتابة، وسيدخل في حال من العزلة مع وثائق سيشتريها بمال ادخره لأقساط ابنتيه في المدرسة، في عملية مقامرة يشده إليها شغفه بالوثائق، ذلك الشغف الذي أورثه إياه الانغماس الصحافي وعلاقاته بتجار المكتبات والأنتيكات والـ"روبابيكيا"، ونتيجة تلك المقامرة سيحصل على "الملف الأسود" أو بتعبير آخر "خبيئة السد العالي".

 تعرفنا "خبيئة السد العالي" إلى الشخصية الأخرى، لنتتبع إشكاليتها الهوياتية والشخصية، ونكتشف أدريان  دانينوس، وهو رجل إسكندري المولد، فرنسي الأب، يوناني الأسلاف، ومهندس زراعي ومخترع وعالم ومثقف. نشأ دانينوس بين حقبتي الاستعمار وما بعدها، وتتكون هويته من تلك الطبقات المتراكبة، وتقع في "الفضاء الثالث" بحسب هومي بابا، وسنجده يدافع عن أرض مصر وثرواتها ومستقبلها عبر اقتراح مبكر لمشروع السد العالي، تحركه رؤية سنطلع على تفاصيلها الإجرائية مع بناء السرد، إذ يؤكد في كل مناسبة أن هدفه أن يضمن لكل فلاح مصري بيتاً وغيطاً لأنه سيضاعف المساحة الزراعية، ويضاعف الناتج من الكهرباء. وتلك هي رؤية دانينوس التي قاتل من أجلها وباع ملكه من أجلها وسجن من أجلها ومات فقيراً بسببها.

تتكشف لنا حياة دانينوس بوساطة لقيا ناصر، ليس من خلال الوثيقة وحسب، بل من خلال تصور عقله المضطرب لشخصية دانينوس وتشخيصه له، فيصير من لحم ودم، يعيش معه في بيته وسياقه الزمني، وينتقل ناصر أيضاً إلى سياق دانينوس الزمني ويعيش معه ويتحرك في جغرافيته ببناء فني، لا يجعلنا نستهجن اختراق السياقات الزمنية، أو نشعر باغتراب جراءها، كأننا ندخل حالاً من العجائبية، إذ يقول دانينوس لناصر، "إقرأ مقال هيكل، فتش عنه في الأوراق..."،  فيستجيب ناصر، ويقرأ المقالة، ولا نعترض، بوصفنا متلقين، على هذا "العجيب" الفني، ولا نحتاج إلى تسويغات لوجوده لأن ثمة عقداً للمصداقية الفنية بين المتلقي والراوي، بحسب أمبرتو إيكو، ونحن ننفذ بنوده وحسب، مهما بلغت جرأة الراوي وشجاعته في اختراق السياقات الزمنية.

كتابة التاريخ ومفهوم الوطن 

يمثل الباشا الأب الذي يظهر من خلال رؤية الابن دانينوس البطل الكولونيالي الذي يحمل عبء الرجل الأبيض في التمدن والتحرير، "وكان الباشا يأمل قبل تلك الواقعة أن يأخذ الإنجليز بيد مصر من مستنقعها، ويرفعوا من شأنها، لكنه يتيقن بعد ذلك أن مصر صارت محتلة من اثنين: الجهل والفقر والمرض من ناحية، وظلم الإنجليز وطغيانهم من ناحية أخرى"، أما دانينوس فهو يمثل الهوية الهجينة في مرحلتها الأولى التي تستخدم لتفكيك الخطاب الكولونيالي، وللكشف عن آليات الهيمنة الثقافية، فالاستقلال السياسي يعني استقلالاً ثقافياً وهوياتياً، في حين يمثل ناصر الحسيني الهوية الهجينة في مرحلتها المتقدمة، فامتزج خطاب ما بعد الكولونيالية بالخطاب القومي، ثم بتفكيك هذا الخطاب القومي من خلال الصراعات السياسية، وإضعاف قوة الدولة والخصخصة وعودة الهمينة الاستعمارية مع الرأسمالية الجديدة في القرن الـ21.

ويعد هذا التشكل السردي الغني تمثيلاً لتشكل هوية الفرد الغنية في مصر والمنطقة ولتشكل هوية الدولة وتحولات هذه الهويات الفردية والجماعية، إذ نجد ارتباط الصراع الاقتصادي السياسي في مصر منذ عصر نابليون ورؤيته للنيل، "لو قدر لي القدر وحكمت مصر، لما أضعت قطرة واحدة من مياه النيل"،  إلى صراعات الملكية، ثم مجلس الثورة، وقد كان مشروع السد العالي يتحول مع كل حقبة، ويمثل حالاً أليغورية لتحولات الهوية، وخلال ذلك كله نرى دانينوس يحمل أوراقه ومخططاته، ويجري على أبواب المحاكم والمؤسسات وأصحاب السلطة والمسؤولين والعلماء، ويسافر ليثبت نظريته في كيفية بناء السد العالي، وينتقد ويرفع دعاوى على الدولة نفسها، إذ يرى أخطاء مؤسساتها وتهديدها لمشروع السد وتشكيلها خطراً على مصر.

 وقابل دانينوس من أجل مشروعه الأعداء والأصدقاء، النحاس والنقراشي وأعضاء مجلس قيادة الثورة، مثل عبدالحكيم عامر وجمال عبدالناصر والسادات، وحتى بعد بناء السد انتقد دانينوس عمل الروس، وكان مع رؤية الأميركيين في مسألة تقنية يقتضيها تخصصه، وهي أهمية الحفاظ على الطمي، وواجههم فأسكتوه، وفي حواره المتخيل مع ناصر الحسيني يواجهه بما يمكن أن يعتريه من وساوس، "أعرف أنك تريد أن تقول:  إني ما زلت أحب أمريكا على حساب روسيا، لكني أؤكد لك للمرة الألف:  أنا لا تهمني روسيا، ولا أمريكا فكل ما يهمني هي مصر.  ولو كان الروس سمعوا كلامي لارتحنا من كل المشكلات التي سببها السد العالي للأراضي المصرية، وأهمها حرمان مصر من الطمي لكنهم للأسف لم يفعلوا".

بمثل هذه الحوارات والتبئيرات السردية يعيد ناصر الحسيني  كتابة التاريخ، وتركيب الهويات من منظار المستعمَر، لا من منظار المركز الغربي، مما يقودنا إلى السؤال عن مفهوم الوطن في سياق ما بعد الكولونيالية.

ويعاد تعريف الوطن في السياق ما بعد الكولونيالي، بعيداً من التصورات التقليدية التي تربطه بالأرض والانتماء القومي، ليصبح مفهوماً مركباً ومشحوناً بالتجربة الاستعمارية، وينظر إليه على أنه بناء سردي وثقافي، لا مجرد جغرافيا، أو لنقل يصير فضاء متخيلاً، يعاد تشكيله في الذاكرة، كما يرى إدوارد سعيد، وهذه الاستعادة قد تحدث داخل الحدود الجغرافية في ما أسميه "المنفى المجازي"، وليس في المنفى الحقيقي وحسب، وهو منفى تشكله حال الهروب من منظومة قيمية فاسدة، إلى تصور رومانسي تصنعه الذاكرة للوطن، لكن دانينوس يفند لناصر هذه الصورة الرومانسية ويضع أمامه الصورة الواقعية، إذ إن الوطن مجموعة من التحديات والعثرات التي يصنعها شركاؤك في الجغرافيا، من أجل إفشالك، فهم يرون الوطن مجموعة من المكتسبات والمصالح. ويبقى الوطن إذاً مكاناً مفقوداً يُستعاد عبر السرد، ولا يتحقق سوى بالمقاومة، مقاومة المستعمر ومقاومة المستبد ومقاومة المنتفع، أو المهيمن.

الحس التاريخي والحس الروائي

بنى وائل السمري سرده على مرجعيتين، أشار إليهما إيميل زولا منذ القرن الـ19، وهما الحس التاريخي الذي يعتمد على الوثيقة، والحس الروائي الذي يعتمد على الخيال، وعلى الروائي أن يضبط طرفي المعادلة على طول 670 صفحة، وهي مهمة صعبة للغاية، لكنه استطاع النجاح فيها تماماً باستعمال تقنيات نوعية أخرى غير السرد الروائي التقليدي مثل السيناريو  "دانينيوس نائم على سريره البني الفاتح، ومن بين بصيص النور الخفيف في الغرفه تظهر الورود الخشبية التي تتزين بها  قائمة السرير، وبجواره تنام جسي التي يظهر على ملامحها التعب والإرهاق".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تنوع اللغة في النص بين لغة الخطاب ولغة الحكاية ولغة الوثيقة ولغات الشخصيات في الحوارات، وفيها ميل واضح للتهكم، وهو الخاصية الفنية التي تفصح عن النقيضين، المقاومة والاستسلام، "أقنعني محمد جابر (ابن الكلب) بحتمية مواجهة مافيا شركات القطاع العام بكل ضراوة، وأيقظ في قلبي روح أبي ذر الغفاري الكامن في أعماقي، وها أنا أفعل كما فعل أبو ذر: أقف أمام الجميع"، أو قوله "صباح الخير على الورد إلي فتح في زنازين مصر".

 وتتجلى لغة الرواية في مستويات، أكثرها روائية ما يسميه باختين "نثر الحياة اليومية"، وسنجد لغة الوثيقة (الملف الأسود)، ولغة مطالع القرن الـ20، ولغة الراوي الصحافية الأقرب إلى لغة الرواية من ناحية سرديتها وعاديتها، ولغة الراهن الثقافي الاجتماعي لدى الباعة والصحافيين والنساء والمثقفين وسائقي التاكسي، وهذا كله يحقق البلاغة الروائية.

ويعتمد الحس التاريخي على شخصيات وقائعية كثيرة، تمنح قصة الرواية حرارتها، وتعتمد في تفسير حضورها على القارئ الضمني بحسب أيزر، وعلى العملية الإدراكية التي علينا من خلالها أن نملأ الفجوات في العلاقة التأويلية بين الشخصية والسياقين الزمنيين أو المصرين: مصر الكولونيالية ومصر ما بعدها.

ويستعمل رموزه بوصفها حالاً أليغورية لكل مرحلة، من زكريا أحمد إلى شيرين عبدالوهاب، ومحمود حسن إسماعيل وأمل دنقل ومحمد التابعي وأحمد زويل ومحمود غنيم ومحمد حسنين هيكل والعواد جورج نخلة و الروائي إبراهيم عبدالمجيد الذي تظهر كلمته على الغلاف الخلفي للرواية، ويحضر في النص عبر قصته مع الـ"بالطو" التي يعرفها من قرأ نصوصه عن الكتابة، وعبر مقطوعة "بوليرو" لرافيل التي كتب عنها ويعرف معظمنا مدى شغفه بها.

يمكن القول إن اسم كل شخصية ليس مجرد علامة لغوية في النص، بل هو علامة روائية تقدم جزءاً من السرد، ولعل هذا ما يسميه رولان بارت "الماضي البسيط)" الذي يختصر تاريخاً قديماً نفض رعشة الوجود وامتلك الاستقرار وصار علامة سيفيد منها الكاتب في الكتابة عن الحاضر، إذ "بفضله لا يعود الواقع غامضاً ولا عبثياً، بل يكون واضحاً وقريباً من المألوف".

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة