Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الضربة الحاسمة أم حروب الإنهاك؟

ينصح عسكريون باعتماد مبدأ التدمير الموجه الذي يرسل إشارة إلى صانعي القرار المعادين للجلوس إلى طاولة المفاوضات

يعترض منظرون عسكريون كثر على كون الإنهاك العسكري شكل من أشكال الحرب (رويترز)

ملخص

الحسم في الحرب هو السعي إلى تحقيق نصر سريع عبر ضربة واحدة أو حملة محدودة زمنياً تقضي على قدرات العدو أو تجعله يرضخ سياسياً.

تلجأ الجيوش المنظمة إلى حروب الإنهاك العسكري حين يكون خيار الحسم السريع للحرب متعذراً. والإنهاك يعني إطالة أمد الحرب على نار هادئة عبر العقوبات والحصار الاقتصادي وربما الحصار العسكري أيضاً، وقد اتبعت جيوش الزمن القديم هذه الطريقة لدفع العدو إلى الاستسلام خصوصاً إذا ما كان محصناً جيداً ومهيئاً لحرب طويلة، فيكون حصاره من كل المنافذ.

في عام 332 قبل الميلاد، وقف الإسكندر المقدوني وخلفه جيشه الهائل على الشاطئ يتأمل مدينة صور قلعة الفينيقيين صامدة في البحر كجزيرة حصينة لا تطالها السهام. لم يملك أسطولاً ضخماً، لكنه كان يملك الوقت والصبر والمثابرة. فأمر جنوده ببناء جسر ضخم يصل البر بالجزيرة، مستعيناً بأنقاض المدن المحيطة. استمر الحصار سبعة أشهر حتى انهارت أسوار صور أخيراً، فدخلها المقدوني. كانت هذه الحرب من أشرس حروب الإنهاك في ذلك الزمن. أي إنهاك صور المحاصرة، وإنهاك جيش المقدوني أثناء بنائه الجسر. أما سقوط بابل فجرى بالحسم ولم يكن هناك حاجة للإسكندر المقدوني بأن يمارس حرب الإنهاك، فبعد معركة غوغميلا تحطم قلب جيش داريوس الفارسي، فقررت بابل ألا تقاتل. كانت الحرب الحاسمة بضرب كل مقدرات العدو عبر هزيمة جيشه.

في 1453، قرر محمد الفاتح ولا يزال شاباً حسم المعركة مع بيزنطة التي قاومت الغزاة لأكثر من 1000 عام، والتي صمدت أمام الفرس والعرب والمغول، والمنهكة اقتصادياً تمزقها الخلافات الدينية تمزقها من داخلها. ولكن رغم عديد جيش الفاتح بأكثر من 100 ألف جندي، ومدافعه الضخمة اضطر إلى حصار المدينة براً وبحراً وبعد 53 يوماً من القصف انهار جزء من السور، فدخل الجنود كالطوفان.

أما نهايات الإمبراطورية الثمانية أوائل القرن الـ20 فلم تأت نهايتها بضربة واحدة، بل عبر استراتيجية إنهاك محكمة توجت بالثورة العربية الكبرى في عام 1916 التي دعمها البريطانيون لضرب خطوط الإمداد العثمانية، ثم في مرحلة ثانية عبر اتفاق سايكس بيكو في العام نفسه التي قسمت السلطنة قبل إعلان سقوطها النهائي. وفوق الإنهاك المالي والاقتصادي بواسطة الديون الأوروبية قدم الأوروبيون الدعم للحركات القومية في البلقان، وأطلقوا حصاراً اقتصادياً ودعم تمرد الأرمن وتفكيك الجيش بواسطة الحركات القومية التركية التي طمحت إلى بناء تركيا حديثة شبيهة بأوروبا. وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى كانت السلطنة قد ماتت ببطء، وبلا ضجيج عبر الإنهاك المدروس والمؤثر.

حروب القرن الـ21

في حروب القرن الـ21 جرى اتباع طريقتي الحرب على السواء، أي الإنهاك الممتد والحسم العسكري السريع والمباشر. ولكن اختيار أي من النوعين في الحروب يتطلب ظروفاً معينة ويرتبط بالأهداف الاستراتيجية للحرب. هذا مع العلم أن حروب الإنهاك ليست أسلوباً مستقلاً بذاته، وليس له عقيدة رسمية أو استراتيجية ذات هيكلية في الجيوش، بل هو وصف لحالة الصراع بين جيشين متحاربين كوسيلة لدرء الحرب المباشرة والحد من الضحايا والخسائر لدى الطرفين.

منذ الثمانينيات، شاع في الفكر العسكري الغربي أن الحسم العسكري هو أسلوب متخلف مقابل أسلوب المناورة والاختراق الذكي، وكما كتب المقدم المتقاعد آموس سي فوكس من الجيش الأميركي في مجلة المراجعة العسكرية عدد عام 2024، فإن الحسم العسكري أكثر تفضيلاً للجيوش ولكنه غير ممكن دوماً لأسباب كثيرة منها التضاريس وحجم العدو وقوته، وتوقيت الحرب والموارد وأنواع الأسلحة المستخدمة في الحرب.

 

وبحسب هذه المؤشرات وغيرها من المؤشرات السياسية والدولية والهدف العام من الحرب تختار الدول أنواع الحروب التي تخوضها وبعضها يقوم على الإنهاك عبر حرب مديدة تقوم أولاً على الحصار الاقتصادي والعسكري والحرب الإعلامية والنفسية وغيرها، وإما تقوم على الحسم المباشر، لأن التاخير في إسقاط العدو قد يؤدي إلى مزيد من الضرر.

وبرأي المقدم فوكس فإن الهدف من حروب الإنهاك هو إيقاع خسائر كبيرة بالعدو من دون أن تخسر مثلها، وهذا يجري بالتفوق بالموقع والموارد والقرار. وبرأيه فإن معظم الحروب عبر التاريخ لم تُحسم بضربة واحدة، بل عبر دفع العدو إلى التآكل بشكل مستمر لقوى العدو، كما فعل نابليون في حروبه الكثيرة وكذلك وسوفييت ستالينغراد، وكما فعلت الولايات المتحدة ولا تزال في استخدام الإنهاك في معاركها حول العالم والتي لم تتوقف منذ نهاية الحرب العالمية الأولى.

ويقدم المحارب القديم في الجيش الأميركي والبرفيسور في الكليات العسكرية الأميركية اليوم أمثلة على معارك الحسم التي لم يكن الإنهاك ليؤدي إلى نتيجة فيها، ومنها معركة الموصل بين عامي 2016 و2017 التي كانت حرب تدمير موقعية كلاسيكية، حيث لم يكن ممكناً الهرب من الاشتباك المباشر، وكذلك معركة الرمادي في عام 2015 التي سميت معارك التدمير التدريجي للعدو، التي لا تقع فيها مناورات بل يجري سحق العدو بطريقة منهجية.

أما في الحرب الأوكرانية فقد لجأت روسيا في معارك باخموت وماريوبول بين عامي 2022 و2023 إلى التخفيف من خسائرها بالاعتماد على الميليشيات مثل "فاغنر" كأدوات إنهاك خصوصاً أن الحسم المباشر للمعارك لم يكن ممكناً بسبب الدعم الغربي الهائل لأوكرانيا بالسلاح. ويدعو البرفسور فوكس إلى تجاوز النزعة الرومانسية للحسم السريع، والاعتراف بأن الإنهاك هو وسيلة ضرورية ومشروعة في أي حرب هدفها التقليل من الخسائر الجانبية. الحروب لا تُربح دوماً بالحركة السريعة، بل غالباً ما تُربح بالثبات والتدمير المدروس والنَفس الطويل، وبرأيه فإنه من واجب الجيوش اليوم أن تستثمر في هذا الفهم الجديد للحرب، لا أن تهرب منه.

الإنهاك شكل من أشكال الحرب؟

يعترض منظرون عسكريون كثر على كون الإنهاك شكل من أشكال الحرب لأنه في السياق العسكري فإن إعطاء أي حرب تعريفاً معيناً يفترض وجود بنية معرفية متماسكة ومجموعة من العمليات والتكتيكات المرتبطة بها. هذه الأفكار أي المعرفة والعمليات والتكتيكات قد تتطور مؤسسياً داخل جيش نظامي، أو تظهر عضوياً على يد منظر يعمل خارج المؤسسة. وبرأي هؤلاء فإن أي مراجعة شاملة للمصادر الغربية المفتوحة حول الاستراتيجية العسكرية والعقيدة تفشل في تحديد أي صياغة متماسكة لما يُسمى بحرب الإنهاك. أي إنه لا توجد مؤسسة عسكرية غربية تمتلك استراتيجية واضحة للإنهاك، أو مفهوماً عملياً قائماً عليه، أو إطاراً عقائدياً يعالج تكتيكاته المرتبطة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أقرب ما يمكن أن تجده في عقيدة الجيش الأميركي يشير إلى التكتيكات ذات الطابع الإنهاكي هي العملية الشاملة التي تهدف إلى تفكيك أو تدمير العدو عبر الجمع بين النيران والحركة. تُستخدم هذه الهجمات لعزل العدو ومنعه من المناورة، مما يجعله عرضة للتطويق أو التدمير. ويستنتج منظرون عسكريون بأن مصطلح "الإنهاك" لا يشير إلى شكل أو نمط من أنماط الحرب، بل إلى بيئة يكون فيها التدمير البطيء هو الوسيلة المتبعة. وعند آخرين هو العكس تماماً أي إن الإنهاك في الحرب هي صفة تُستخدم لتوصيف صراعات أو معارك أو عمليات يكون فيها القتال قائماً على التدمير بدرجة عالية، ويكون أحد الطرفين يوجه خسائر فادحة للطرف الآخر.

ويختم المقدم المتقاعد آموس سي فوكس بحثه حول نوعي الحرب باعتبار الإنهاك توصيف يستخدم لإضفاء معنى على الاشتباكات والمعارك والحملات والعمليات والحروب التي يكون فيها الضرر مرتفعاً لطرف بخسائر أقل للطرف الآخر. وهنا يفتقر الإنهاك إلى بنية معرفية متماسكة ومجموعة تطبيقات عملية مقبولة تسمح باعتباره شكلاً من أشكال الحرب.

ويقول إنه يجب استبدال مصطلح إنهاك إلى مصطلح "الحرب بالتدمير الموجه وفي مثل هذا النوع من الحروب، وفي بعض الحالات يكون مجرد التهديد بتدمير جيش العدو، يرسل الإشارة إلى صانعي القرار المعادين للجلوس إلى طاولة المفاوضات.

الحسم هو السعي إلى تحقيق نصر سريع وحاسم عبر ضربة واحدة أو حملة محدودة زمنياً، تقضي على قدرات العدو أو تجعله يرضخ سياسياً. هذا النمط يرتبط بنظرية كارل فون كلاوزفيتز في كتابه "عن الحرب"، حين قال إن الغاية من الحرب "إجبار الخصم على تنفيذ إرادتنا"، وعد أن أفضل وسيلة لتحقيق هذا هي تدمير مركز ثقله أما الإنهاك فهو أسلوب يستهدف استنزاف العدو تدريجاً، ليس من خلال تدمير قواته فوراً، بل من خلال إنهاك موارده ومعنوياته وقدرته على التحمل، حتى يصل إلى لحظة الانهيار أو التراجع. الباحث العسكري البريطاني روبرت سميث في كتابه "فائدة القوة" يصف هذا الأسلوب بأنه الأكثر شيوعاً في الحروب الحديثة التي يصعب فيها تحديد نصر نهائي.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير