ملخص
قطاع العمالة غير المنتظمة آخذ في التمدد، وجهود المواجهة مستمرة، ومعها أيضاً المقاومة، مضافاً إليها عوامل يصب معظمها في خانة مزيد من تمدد القطاع. ويظل هذا التمدد عامراً بالتناقضات، الدولة تحارب، لكن كثيراً من المشروعات، مثل البناء والمحاجر والنقل تعتمد على هذه العمالة. الدولة تقنن، لكن عدم التقنين أحياناً يأتي بنتائج عكسية إيجابية على معيشة البعض في أوقات الأزمات، إذ يعد العمل غير الرسمي الملاذ الوحيد للقمة العيش. إنه الملاذ الذي أصبح منظومة.
فجعت مصر قبل أيام بحادثة سير راح ضحيتها 18 فتاة وسائق كان يقلهن لجمع فاكهة العنب. الحادثة فتحت ملفات عدة مسكوت عنها من حوادث السير القاتلة وتعاطي المخدرات إلى حال الطرق بما فيها الجديدة والخاضعة للإصلاح، وأخيراً العمالة غير المنتظمة التي تحولت عبر العقود من ظاهرة إلى منظومة شعبية أصيلة.
عقود طويلة، وقاعدة العمالة غير المنتظمة تتوسع بسرعة نمو السكان. وعلى رغم أنها قديمة قدم التاريخ، فإن سبعينيات القرن الماضي شهدت التوسع الأكبر في الاقتصاد غير الرسمي لأسباب عدة، أبرزها التغيرات التي طرأت على الأنشطة الاقتصادية من قاعدة عريضة تعمل في المصانع والمزارع إلى "العمل الحر" الناجم عن سياسة الانفتاح الاقتصادي الاستهلاكي السطحي، وتقلص فرص "الميري" أو (التوظيف الحكومي) الذي كان التطور الطبيعي لأي حامل شهادة دراسية، إضافة إلى موجات الهجرة من الريف إلى المدينة هرباً من محدودية العمل الزراعي إلى رحابة العمالة غير الرسمية، وإن ظل العمل الزراعي أحد أكبر المجالات استيعاباً للعمالة غير المنتظمة.
حادثة الفتيات جامعات العنب تسببت في حزن شعبي عميق لفداحتها. وكعادة مثل هذه الحوادث التي تزهق فيها أرواح كثيرة من الفئات البسيطة والفقيرة، تتعالى صيحات الغضب الرابطة بين ثالوث كفاح الغلابة (الفقراء)، وروعة السعي وراء لقمة العيش، وبؤس الإهمال الحكومي.
وعلى رغم الصخب والغضب والتراشق بالاتهامات، وعلى رغم تكرار مثل هذه الحوادث الجلل، يظل الملف الأكبر، ألا وهو العمالة غير المنتظمة، عصياً على الفتح أو الحلحلة أو النقاش العلمي، حول هذا الداء المتمثل في ملايين، غير موثقة العدد، تفتقد الحدود الدنيا من كرامة العيش، والدواء المتمثل في القيام بدور الداعم الرئيس للاقتصاد في أوقات الأزمات والكوارث.
تشخيص وتشريح
أنجزت "الدراسة التشخيصية حول الاقتصاد غير المنظم في مصر" الصادرة قبل أيام عملية تشريح لهذه الفئة العريضة من المصريين. مشهد الاقتصاد الكلي في مصر مضطرب في الأعوام الأخيرة، وتفاقم بصدمات خارجية مثل كورونا وحرب أوكرانيا، إضافة إلى مواطن الضعف الهيكلي الداخلي. قائمة المشكلات الداخلية كثيرة ومعروفة من تضخم وانخفاض قيمة الجنيه وزيادة الدين والقروض وغيرها، وهو ما فاقم من الضغوط على الشركات، لا سيما الصغيرة، التي اختارت أن تظل غير منظمة لتجنب الأعباء الإضافية.
الأعباء الإضافية كثيرة، على سبيل المثال، بدلاً من توفير باص مرخص منظم يحمل 23 عاملاً هي سعته المقررة يخضع للرقابة ويحاسب على الأخطاء، يجري تحميل 40 أو 50 عاملاً في مركبات غير مخصصة للأفراد ولا تخضع إلا لما يقرره السائق من قواعد يؤدي كثير منها إلى إراقة الدماء. المراقة دماؤهم أشخاص بلا عقود عمل أو تأمين أو حتى تأبين، ونماذج "الأعباء" كثيرة.
الأكثر منها هو العمالة غير المنتظمة نفسها. عدد العمال غير المنتظمين المسجلة في قاعدة بيانات وزارة العمل المصرية 1.164.12 عاملاً. وجاءت القاهرة على رأس قائمة المدن الجاذبة لهذا النوع من العمالة، وتهدف الوزارة إلى الوصول إلى رقم 2.5 مليون عامل في قاعدة بياناتها.
رئيس النقابة العامة للعاملين في الصناعات الغذائية ونائب رئيس اتحاد العمال وعضو مجلس الشيوخ خالد عيش، قال في تصريحات صحافية، إن عدد العاملين غير النظاميين يتعدى الـ20 مليون عامل. تقديرات أخرى لمنظمات وجمعيات ترجح أن يراوح العدد ما بين 8 و13 مليوناً.
ووفقاً لبحث القوى العاملة الصادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء الصادر في مايو (أيار) من العام الماضي، فقد ارتفعت قوة العمل خلال الربع الأول لعام 2024 بنسبة واحد في المئة لتصل إلى 31.1 مليون عامل، وهو ما انعكس في زيادة عدد المشتغلين إلى نحو 29.2 مليون فرد، بينهم 18.7 مليون عامل في القطاع غير الرسمي، أي ما يقارب 60 في المئة من القوى العاملة داخل مصر.
كثرة الأعداد وتضاربها أو في الأقل عدم اكتمالها، يعكس جزءاً من فداحة الملف وتعقيداته. الدراسة التشخيصية الصادرة عن كل من "منظمة العمل الدولية"، و"مشروع الحوار الاجتماعي من أجل النظامية وقابلية التشغيل في منطقة الجوار الجنوبي" (سوليفم)، وبتمويل من الاتحاد الأوروبي، تشير إلى أن ما يقارب 67 في المئة من هؤلاء العمال هم من الأصغر سناً والأقل تعليماً ومهارات. قطاع الزراعة يحوي العمال الأكثر عدداً، 97 في المئة من العاملين فيه غير نظاميين. ومعظم "الوحدات الاقتصادية" غير المنظمة متناهية الصغر خالية من التكنولوجيا أو فيها أقل القليل، ولا تتوافر فيها أية ميزات تؤهلها للحصول على تمويل، وهو ما يحول دون انتقالها إلى قطاع العمل المنظم. كما أن غالب العاملين في قطاعات التجارة والصناعات التحويلية التي تمثل 53 في المئة من المنشآت المدرجة في التعداد الاقتصادي الوطني.
اقتصاد وإجراءات وتصورات
خير الوصف ما قل ودل، وتشخيص الحال يبدأ من معرفة أسبابها. والأسباب الأبرز لهذا النمو الرهيب في العمالة غير المنتظمة ثلاثة: الضغوط الاقتصادية إذ كلفة الانتقال من القطاع غير المنظم إلى المنظم من تسجيل وترخيص وتأمين صحي ومعاشات وضرائب وحقوق عمال وغيرها باهظة بالنسبة إلى أصحاب الأعمال، والتعقيدات التنظيمية والبيروقراطية قوة طاردة تحول على مدار العقود دون هذا التحول، والتصورات الاجتماعية الراسخة لدى العمال أنفسهم بأن الميزات المالية الفورية الميزات الطويلة الأجل للوظائف المنظمة، لا سيما في ظل انخفاض قيمة الضمان الاجتماعي والمعاشات.
دائرة العمالة غير المنتظمة مغلقة بإحكام. أعداد "المنشآت الاقتصادية" المعتمدة على هذا النوع من العمالة تزيد، وأعداد العمال والأطفال الذين يجري ضخهم إلى سوق العمل غير المنتظم يزيد، وقدرة سوق العمل النظامية على استيعاب هذه الأعداد، لا سيما وأن الجانب الأكبر منها يعاني نقصاً أو انعداماً أو تدني جودة التعليم وكذلك المهارات، وإيمان العمال والعاملات أنفسهم بالتنظيم والتقنين غائب بصورة شبه كلية.
ويهيمن الفكر القدري على الغالبية، عامل تركيب جهاز التكييف الذي هوى من الطابق العاشر، لأنه جرى العرف على تركيب الأجهزة من دون إجراءات سلامة، والعمال الذين تطايروا في الهواء حين اضطر قائد السيارة المخصصة لنقل البضائع التي تقلهم إلى التوقف فجأة، وعامل البناء الذي وقع عليه حجر ضخم مما تسبب في إعاقة جسدية تمنعه من العمل، والعاملة المنزلية التي وقعت من على الدرج أثناء تنظيف وحدة الإضاءة، والطفل الذي أصيب بكسر في الجمجمة ونزف في المخ بعدما تعرض لإصابة في الورشة، وغيرهم يعدون ما جرى "قضاء وقدراً"، وهذا جزء من الحقيقة. الجزء الآخر هو أن ظروف العمل الهشة، وغياب قواعد السلامة المهنية، وعدم وجود برامج حماية وعلاج وتقاعد وغيرها يفاقم من حجم الأخطار التي تتعرض لها هذه الملايين.
من جهة أخرى تزداد وتترسخ قاعدة العمالة غير المنتظمة يوماً بعد يوم. مكون الأطفال العاملين ومستقبلهم العملي الذي لا يخرج عن هذا القطاع، لا سيما أن معظمهم يتسرب من التعليم أو لا يلتحق به أصلاً، إضافة إلى تفاقم المصاعب الاقتصادية، واستمرار تعامل البعض مع منظومة الإنجاب باعتبارها وسيلة لضخ العيال في سوق عمل غير نظامي لتنمية دخل الأسرة، وخطاب ديني شعبوي يلبس مقولة إن "العيل بييجي برزقه" جلباباً دينياً يحرم تنظيم الأسرة، لكن من أسفل المنابر، لا أعلاها، عوامل تنبئ أن العمالة غير المنتظمة بثقلها الكبير باقية لحين إشعار آخر.
الأصل في السخرة
لكن كيف نمت تلك المنظومة التي يمتزج فيها على ما يبدو التاريخ والجغرافيا، وكذلك ملايين الحكايات؟ بدأت الحكاية الأصلية مع "عمال التراحيل،. فـ"الغرابوة - الترحيلة - الفواعلية" جميعها أوصاف تطلق على عمال التراحيل في مصر. إنها الفئة الأبرز في العمالة غير المنتظمة، إذ يتنقلون من بلدانهم لمناطق مختلفة للبحث عن فرص عمل، عادة تكون موسمية، ومرتبطة بقطاعات بعينها مثل الإنشاءات والخدمات السياحية والزراعة، والأخيرة هي الأكثر حضوراً بحكم طبيعة مصر أنها بلد زراعي.
وعلى رغم أنه لا توجد إحصاءات محددة حول عدد عمال التراحيل حالياً، فإن مراكز مستقلة قدرتها قبل نحو 10 أعوام بنحو 5 ملايين عامل ينطبق عليهم هذا التعريف، وإن كان الخبراء يشيرون إلى أن العدد ربما يكون أكبر من هذا بكثير، خصوصاً أن الدولة قررت ضم عمال التراحيل إلى فئة العمالة غير المنتظمة رسمياً.
ارتبط ما يعرف بـ"عمال التراحيل" في مصر قبل عقود طويلة بالسخرة، وفقاً لدراسة عطية الصيرفي "عمال التراحيل" (1975)، التي تشير إلى أن إرهاصاتها ظهرت بصورة واضحة مع عصر محمد علي، خصوصاً منذ العقد الثاني من القرن الـ19، إذ غذَّى فكرة الملكية الإقطاعية للأراضي الزراعية، فتحول الفلاحون إلى إجراء، وكان يجري حشدهم لحفر الترع والقناطر بالإكراه، لتنمية الرقعة الزراعية بالبلاد. ووفقاً للكتاب، بلغ عدد عمال التراحيل في حفر الترع فقط 355 ألفاً في أقل تقدير، إضافة إلى 277 ألفاً في الجيش، في حين أن عدد السكان حينها لم يكن يزيد على مليونين ونصف المليون.
ومما يذكره الصيرفي في كتابه فإن السخرة والإجبار اضطرا المزارعين المستقرين إلى الهرب إلى مناطق نائية أو إلى المدن، للبحث عن مصير أكثر رحمة، لكن تدريجاً جرى تحسين أوضاعهم بعض الشيء لضمان إنجاز المشروعات الحكومية في ما عرف بالسخرة المقننة، وامتد الأمر بعد ذلك إلى حفر قناة السويس بالطريقة ذاتها، حيث كان يجري شحن عشرات الآلاف من العمال شهرياً قسراً.
الكتاب، الذي يبدو منحازاً للأفكار الاشتراكية ويعدها الحل الوحيد للخروج من التعاسة الاقتصادية، يتضمن مع ذلك أرقاماً ومعلومات قيمة، بينها أن الاحتلال البريطاني في مصر تسبب في تفشي ظاهرة عمال التراحيل، بسبب تغذيته فكرة الطبقية وتوزيع الملكية، إذ وصل عدد عمال التراحيل في مصر عام 1945 إلى مليوني عامل، ويذكر الكاتب تعدد تخصصات عمال التراحيل من الحفر والردم، والزراعة والبناء، والحصاد واستصلاح الأراضي، وعلى رغم ربط الكاتب بين العمل بالإجبار والظلم الاجتماعي، فإن عمال التراحيل يذهبون الآن بملء إرادتهم إلى هنا وهناك، لكن أوضاعهم لا تزال متدهورة.
وفي حين أن ظاهرة عمال التراحيل جرى التأريخ لها بحثياً، وسردها الأديب يوسف إدريس في روايته "الحرام" التي تحولت إلى فيلم سينمائي منتصف ستينيات القرن الماضي من بطولة فاتن حمامة، مفنداً فيها التعاسة غير المحدودة التي تسيطر على حياة هؤلاء العمال الذين يزرعون ويحصدون ويقطفون في أرض لا يملكونها مقابل أجر زهيد، ويتعرضون لشتى أنواع الاستغلال بدءاً من مقاول الأنفار مروراً بالمالك، فإن العصر الحالي يفتقد لدراسات جادة عن حياة هذا القطاع، بل إن البعض يتفاجأ أنه لا يزال هناك ما يسمى عمال التراحيل الذين يجري حشدهم بأعداد هائلة في سيارة لا تتسع لهم، وتسير بهم مسافات بعيدة ثم تعود سريعاً لتحشد غيرهم، لتقديم خدمات الزراعة، مثلما حدث في واقعة مقتل فتيات العنب قبل أيام في رحلة أخطار متكررة.
جامعيون لكن عمال تراحيل
وفقاً لما يقوله الكاتب محمد جبريل في كتابه "مصر في قصص كتابها المعاصرين"، الذي يعيد قراءة أبرز أعمال أدباء مصر الكبار، بينهم "الحرام" ليوسف إدريس، فإن عامل التراحيل هو ذلك الذي لا يملك أي شيء سوى قوة ساعده على العمل في أرض الغير. مضيفاً "ظاهرة عمال التراحيل تأتي من ضيق الأرض الزراعية، وزيادة الأيدي العاملة، بحيث يتطلع الفائض، وهو في كل الأحوال لا يمتلك أو يستأجر أرضاً، إلى الهجرة الدائمة أو الموقتة، يحدث ذلك في مواسم بذاتها، قد يرحل بنفسه إلى أماكن العمل، أو يأتي إليه مقاولو الأنفار، يختارون ويحملون الأنفار في السيارات إلى حيث مناطق العمل".
ويتطرق الصيرفي في "عمال التراحيل" إلى نشأة هذه الفئة. إذ يتنقل بين قارات العالم ودوله الكبرى معززاً وجهة نظره بأن النظام الرأسمالي هو سبب تشريد قطاعات كبرى من البشر بحثاً عن قوت اليوم. ويشدد على أن عمال التراحيل في كل العالم لديهم خصائص مشتركة، أبرزها كونهم من أهالي الريف الكادحين، وأن عملهم موسمي، ولهذا يعانون البطالة معظم العام، ولديهم أمراض سوء التغذية، وتتفشى في صفوفهم الأمية والجهل.
لكن على ما يبدو فإن التطور الذي كان يطمح إليه الكاتب قد تحقق معكوساً، ففي حين أن غالبيتهم تخلصوا من وباء الأمية، فإنهم وللمفاجأة غير السارة لا يزالون عمال تراحيل بلا أي غطاء قانوني أو رقابي أو تأمين من أي نوع، وبلا هيكلة للأجور، فلا يزال مقاول الأنفار كما هو، ولا تزال فكرة الحشد كما هي، مع الفارق أن عمال التراحيل قديماً كانوا ممن خسروا حظوظهم في التعليم تماماً، ولا يملكون أية مهارات سوى مجهودهم.
أصبحت العمالة الموسمية في الزراعة مرتبطة أيضاً بفئة من الطلبة الجامعيين أو من يستعدون لدخول الجامعة، في مناطق متفرقة في مصر. فتيات العنب اللاتي قتلن على الطريق قبل أيام كن مجموعة فتيات متفوقات وواعدات.
في حديث إلى "اندبندنت عربية"، قال طالب في الصف الثالث الثانوي، إنه وعشرات من زملائه اعتادوا على العمل في المزارع الكبيرة، أكثر من مرة في السنة، لا سيما تلك التي تصدر إنتاجها للخارج. يذهبون في سيارات نصف نقل ويعودون فيها إلى قريتهم الصغيرة بصعيد مصر. يقول إنه لا يجد في الأمر أي عيب، فهو يدخر مبلغاً معقولاً، مقارنة بفرص العمل في البيع والشراء، فيوميته في المزرعة 300 جنيه (ستة دولارات أميركية)، إضافة إلى بضعة كيلوغرامات من المحصول.
تفاوت أجور العمالة غير المنتظمة مشكلة إضافية. فتيات العنب قضين نحبهن في رحلة عمل يوميتها 130 جنيهاً (2.5 دولار) لا غير. يقول نائب رئيس اتحاد العمال مجدي البدوي، إن "تفاوت الأجور يتعلق أحياناً بطبيعة العمل نفسه وعدد الساعات، والمناطق الجغرافية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما في ما يتعلق بالتغير الكبير في الخلفية الاجتماعية والمستوى الثقافي للعاملين في هذا المجال، فيرى البدوي أن سببه المباشر هو الأزمة الاقتصادية، مشيراً إلى أن العمال البسطاء لا يزالون موجودين، لكن بما أن هذا المجال يرحب دوماً بالأصغر سناً، فحتى الأطفال يجري استغلالهم للعمل في المزارع.
ويضيف البدوي، "قديماً لم تكن نسبة التعليم كبيرة مثلما هي الآن، لكن على رغم أن التعليم من المفترض أن يحسن فرص العمل وبيئته، فإن الوضع الاقتصادي لا يزال متردياً، والدليل أن العمال يذهبون من مكان إلى آخر، ويتعرضون للأخطار بلا أي مظلة قانونية مقابل هذا الأجر القليل جداً، مما يشير إلى أن الوضع المالي للأسر ضعيف للغاية".
طلاب وطالبات جامعيون كثر يضطرون إلى العمل في أعمال موسمية، لتلبية متطلبات دراستهم، لا سيما مع تقلص نسبة التعليم الجامعي المجاني عاماً بعد آخر، بل إن منهم من يفضل العمل في البناء والري وجني المحاصيل على أطراف المحافظات.
ويوضح مجدي البدوي أن هناك مصاعب كبيرة تواجه أي محاولة لتقنين أوضاع عمال التراحيل، نظراً إلى أن العمالة الموسمية بطبيعتها صعبة المتابعة، بسبب تنقل أفرادها باستمرار، وعدم انتظامهم في العمل، وتغيرهم، ومن ثم فهي غير قابلة للرقابة، وأي لوائح غير قابلة للتطبيق عليهم، فالرقابة من المفترض أن تكون على صاحب العمل، لأنه من المستحيل أن يجري إرسال موظف حكومي إلى كل مزرعة، ليتأكد من تحقيق الشروط العادلة، والتأكد من عدم الاستعانة بالأطفال.
جيش "صغير"
وفقاً لأحدث أرقام الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (2021)، يتوجه 1.6 مليون طفل إلى العمل يومياً، بنسبة تعادل 9.3 في المئة من إجمال عدد الأطفال في مصر، والمقدرة أعدادهم بنحو 39.5 مليون طفل. أما منظمة العمل الدولية فقدرت أعدادهم عام 2024 بنحو 2.6 مليون طفل.
تتفاوت التقديرات لقوام هذا الجيش "الصغير"، وتبقى الحقائق، منها أن أبرز مجالات عمالة الأطفال في مصر هي الزراعة والورش الحرفية وأعمال البيع والمحاجر والعمالة المنزلية وأعمال الإنشاءات والبناء، وغيرها. ويظل العامل الاقتصادي هو الأبرز، إذ يدفع الأسر الفقيرة لتشغيل أطفالها، وذلك من دون النظر إلى سلامة الصغار، لا سيما في مجال الأعمال التي تعرضهم للخطر، وبصورة لا تتناسب مع أعمارهم وقدراتهم.
يقول أستاذ التنمية والتخطيط صلاح هاشم، إن السبب الرئيس لمشكلة عمالة الأطفال في كل العصور هو الفقر، لذلك فلا بد أن يكون هدف الدولة هو القضاء على الفقر وإصلاح النظام التعليمي وتشديد الرقابة، وهو ما سيؤدي تدريجاً إلى تقلص مشكلات مثل عمالة الأطفال والتسرب من التعليم وغيرهما.
ويضيف هاشم، "إحدى معضلات التعامل مع ملف عمالة الأطفال هي تعدد الجهات الضالعة فيه، بين وزارة التضامن الاجتماعي، والمجلس القومي للطفولة والأمومة، ووزارة القوى العاملة. وهذا يتطلب توحيد الجهات لسهولة التعامل وكفاءته". مشيراً إلى الدور السلبي الذي تلعبه أعمال درامية تصور الطفل العامل باعتباره "رجلاً يتحمل المسؤولية"، وكأنه قدوة تحتذى. والحقيقة أن الطفل العامل يساعد موقتاً في مصروفات الأسرة، لكنه لا يساعدها على إحداث نقلة حقيقية في أسلوب الحياة وتقدم المجتمع، بل العكس هو الصحيح.
يشار إلى أن مصر أطلقت خطة وطنية لمكافحة أسوأ أشكال عمالة الأطفال ودعم الأسرة (2018 - 2025) بالتعاون مع منظمة العمل الدولية وأكثر من 17 جهة حكومية. وجرى تنفيذ عدة مشروعات في هذا الشأن من بينها العمل على الوصول إلى سلاسل إمداد خالية من عمالة الأطفال في الشق الزراعي والصناعي وأهمها سلاسل توريد القطن والياسمين.
وتعمل مبادرات مثل "تكافل وكرامة" على تقديم الدعم للأسر التي لديها أطفال تحت سن 18 سنة، لضمان استمرارهم في التعليم. ويتضمن قانون العمل الجديد ضوابط لتشغيل الأطفال بصورة تضمن حماية الأطفال، حال تحقيقه.
ومن جانبه يقول رئيس لجنة القوى العاملة بمجلس النواب المصري عادل عبدالفضيل، "القانون يرتكز على النصوص الواردة في قانون الطفل في مصر. كما أن مصر ملتزمة اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل. وطبقاً للقانون، يجوز تدريب الأطفال من سن 14 سنة، ويسمح بالعمل من سن 15 سنة وفق ضوابط، مثل ألا تكون الأعمال خطرة، وألا تزيد ساعات العمل على ست ساعات، مع عدم وجود أي إيذاء بدني أو نفسي، عدم العمل في ساعات الليل، ومخالفتها تعرض صاحب العمل للمساءلة القانونية بحسب نوع المخالفة".
ويوضح عبدالفضيل أن جانباً من صعوبة التعامل مع عمالة الأطفال يعود إلى كون قطاع منهم يعمل لدى ذويهم في الزراعة أو الورش. في تلك الأحوال يعمل الطفل في نطاق العائلة، والسبيل الوحيد لمواجهة هذه الظاهرة، إلى جانب تفعيل القوانين، هو نشر الوعي والتدريب والتأهيل ومواجهة التسرب من التعليم، وهو ما بدأت تتخذ فيه الدولة خطوات ملموسة.
في تلك الأثناء، ظهرت في مصر نوعية حديثة من "عمال" الصغار في الأعوام القليلة الماضية، لكنها ليست عمالة من أجل سد الأفواه الجائعة، لكن لتدريب الصغار وتسلية أوقاتهم الصيفية. أعداد متزايدة من الأسر الميسورة الحال تبحث لأطفالها عن فرصة تدريب صيفية في مطاعم راقية أو محال أزياء فاخرة كنوع من النشاط والتجربة المختلفة.
من جهتها، تقوم هذه المحال التجارية بعمليات فرز وانتقاء للصغار، وغالبيتهم المطلقة ملتحقة بمدارس خاصة ودولية، لكن يبحثون عن تدريب، لا إطعام. تقول "مروة. أ"، أم لطفل 14 سنة، "اشتركنا لابني لعامين متتاليين في هذه البرامج لإكسابه بعض الخبرات في التعامل مع فئة من الناس تختلف عن تلك التي يعرفها. المرة الأولى، كانت التجربة ناجحة، إذ جرت مراعاة ضوابط العمر والقدرات. أما الثانية، فكان فيها قدر كبير من الاستغلال للصغار. والأخرى لم تكن موفقة وشعرنا فيها باستغلال للأطفال، إذ جرى تحميلهم بعمل كثير لا يراعي قدراتهم".
وبين عمل كثير لا يراعي قدرات الصغار المقتدرين، وعمل كثير جداً واحتمالات تحرش واستغلال وإساءة وأخطار على الطريق وحرمان من التعليم يدور ملف عمالة الصغار، لا سيما في صيف حار وشمس قائظة لا ترحم صغيراً أو كبيراً، حتى لو اعتادوا عليها.
أسرة وتجربة وحكاية
كل منهم يحمل قصة وتجربة وأسرة وأشياء أخرى. فتحت لهيب شمس حارقة، اعتاد الخمسيني محمد الأسواني، ذو البشرة السمراء والجسد مفتول العضلات واليدين المتشققتين مرتدياً ملابسه المهترئة، أن يفترش أحد أرصفة حي فيصل الشعبي (غرب القاهرة) إلى جوار أقرانه من الوافدين من محافظات مختلفة. الجميع ينتظر "زبوناً" عابراً أو مقاول بناء يعمل معه يوماً أو أياماً، في نظير مقابل مادي يمكنه من العودة إلى أسرته بقوت يوم أو بعض يوم.
يومياً، يحمل "عدة الشغل"، مقطفاً وشاكوشاً وفأساً وأزميلاً وبلطة ومسطرين مربوطين بحزام من الكاوتشوك. أما محل السكن فشقة إيجار ضيقة تتكون من غرفة وصالة في حي بولاق الدكرور الشعبي بالجيزة. يعيش مع زوجته وأبنائه الأربعة بعد ما ترك مسقط رأسه أسوان (جنوبي مصر)، ليستقر في الجيزة قبل أربعة أعوام بحثاً عن لقمة العيش.
يقول الأسواني، لـ"اندبندنت عربية"، "حاولت البحث عن فرصة أخرى، مثل عامل دليفري، أو فرد أمن أو حراس عقار، إلا أن كل محاولاتي لم تفلح، فاضطررت للعمل في مجال البناء". مضيفاً أنه يدرك جيداً أن العمل في البناء تكتنفه أخطار عدة، ناهيك بكونه مهنة خطرة للغاية وغير منتظمة وبلا ضمانات أو حقوق. ومؤكداً أن رأسماله الوحيد هو قوته وصحته، لكن لا خيار لديه، لا سيما أنه لا يحمل أية شهادات أو تدريب.
هو وغيره آلاف العاملين في هذا القطاع غير النظامي، يضطرون إلى العمل في كل ظروف الجو الصعبة، لا سيما الحرارة القائظة والرطوبة الخانقة، وذلك نظير أجر يومي يراوح ما بين 150 جنيهاً (3.04 دولار أميركي) و300 جنيه (6.08 دولار أميركي).
وعلى رغم ظروف العمل البالغة القسوة، فإن أكثر ما يخشاه الأسواني هو ألا يأتي الزبون أو المقاول في يوم، فيعود إلى بيته من دون جنيه واحد. إنه البيت الذي يتطلب ما لا يقل عن 9 آلاف جنيه (182 دولاراً تقريباً) شهرياً لتبقى الأسرة على قيد الحياة، بين إيجار وفواتير ومصروفات الصغار. ودائماً ما يسأل نفسه: ماذا لو مرضت أو وقع لي مكروه؟
يقال إن الفقر يورث، وإن دائرته مغلقة طالما لا يجد فيها جديد. ابن الأسواني العشريني "اكتسب" المهنة، وصار عامل بناء. يقول إنه قرر أن يصطحبه معه، ليتعلم أصولها ويكون سنداً له، وربما يخلفه إن أصابه مكروه، لا سيما أنه بدأ يتقدم في العمر، والباحثون عن عامل بناء يفضلون عادة الأصغر سناً. زوجة الأسواني هي الأخرى تحاول المساعدة لإبقاء البيت مفتوحاً. تعمل في الحياكة وتساعدها بناتها. وعلى رغم أن الدخل بسيط جداً، فإنه يسهم بقدر ولو قليل في المصروفات.
يشار إلى أن المادة 17 من الدستور المصري تنص على أن "تكفل الدولة توفير خدمات التأمين الاجتماعي، ولكل مواطن لا يتمتع بنظام التأمين الاجتماعي الحق في الضمان الاجتماعي بما يضمن له حياة كريمة إذا لم يكن قادراً على إعالة نفسه وأسرته، وفي حالات العجز عن العمل والشيخوخة والبطالة، وتعمل الدولة على توفير معاش مناسب لصغار الفلاحين والعمال الزراعيين والصيادين والعمالة غير المنتظمة، وفقاً للقانون".
وكان الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي قد وجه مطلع مايو 2023 بإنشاء صندوق إعانة الطوارئ للعمالة غير المنتظمة وتخصيص 5 مليارات جنيه للصندوق، والبدء في تفعيل عمله فور انتهاء الإجراءات القانونية بصرف إعانة عاجلة للعمالة غير المنتظمة وغير المستفيدة من برامج الحماية الاجتماعيـة، قدرهـا 1000 جنيـه (20.26 دولار أميركي)، وجرت مضاعفتها لاحقاً لـ1500 جنيه (30.39 دولار أميركي)". كما صدرت وثيقة جديدة من شهادة "أمان" السابق إصدارها عام 2017 لتغطية التأمين على الحياة وإصابات العمل للعمالة غير المنتظمة.
الدولة بذلت بعض الجهود للتنظيم تارة، وللتقنين تارة أخرى، وكذلك للدعم في أوقات الأزمات الصعبة. فبين تدشين منصة لتسجيل العمالة وبياناتها (وهو ما يواجه بمقاومة شديدة من قبل البعض)، والتشجيع على التسجيل عبر تخصيص منح مالية يجري صرفها في مناسبات مثل عيد العمال ورمضان وأوقات الأزمات، وإصدار بعض القوانين الهادفة إلى تشجيع أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة لتوفيق أوضاعهم وتقنين العمالة غير المنتظمة لديهم (وهو ما يحجم عنه كثر)، وإطلاق شهادة "أمان" عام 2018 للتأمين على حياة العمال وغيرها تتراوح جهود الدولة، وتستمر، لكن التيار في الاتجاه المعاكس قوي.
الاتجاه المعاكس عامر بالتغيرات والمتغيرات، فالقطاع آخذ في التمدد، وجهود المواجهة مستمرة، ومعها المقاومة، مضافاً إليها عوامل يصب معظمها في خانة المزيد من تمدد القطاع. ويظل هذا التمدد عامراً بالتناقضات، فالدولة تحارب، لكن كثيراً من المشروعات، مثل البناء والمحاجر والنقل تعتمد على هذه العمالة. الدولة تقنن، لكن عدم التقنين أحياناً يأتي بنتائج عكسية إيجابية على معيشة البعض في أوقات الأزمات، إذ يعد العمل غير الرسمي الملاذ الوحيد للقمة العيش. إنه الملاذ الذي أصبح منظومة.