Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

انتفاضة شباب العراق نحو هدفها

هل تريد الولايات المتحدة أن توّغل الحكومة ومن ورائها النظام الإيراني بدماء العراقيين الأبرياء لهدف سياسي آجل؟

خرجت تظاهرات شباب العراق بسبب البطالة وتردي الخدمات وامتدت إلى سيادة الوطن ومستقبله عربياً وإقليمياً ودولياً (أ.ف.ب)

منذ البدء، كانت صيحات وصرخات شباب العراق المنتفض إنهم ليسوا تبعاً لحزب أو حركة أو أي جهة، بل خرجوا بتظاهراتهم السلميَّة جراء الأوضاع المنحطّة التي وصلت إليها بلادهم، بسبب الأحزاب الدينية الحاكمة من جهة، والهيمنة الإيرانية المستفحلة من جهة أخرى.

وعلى الرغم من ذلك، فالح الفيّاض مستشار الأمن القومي ورئيس الحشد، خلال مؤتمر صحافي في بغداد يقول، "إن هناك من أراد التآمر على استقرار العراق ووحدته". وأضاف، "لن نسمح لأحد بأن يعبث بأمن شعبنا".

ما قاله الفيّاض لا يُعَبّر عن قراءة حقيقيَّة للواقع، بل اتهامٌ مبطنٌ للشباب يبرر فيه استخدام العنف المفرط ضدهم، بدعوى عدم وجود "مرجعية" أو "أحزاب" للمتظاهرين، مما سبب فيها هذه الشدّة. لا نود أن نخوض في التظاهرات السابقة التي كانت فيها أحزاب وحركات وجُبهت بالقوة، وبتفكيكها عبر السياسيين أنفسهم، لكنها قدمت خبرة للشباب أن لا يعتمدوا إلا على الله وعلى قواهم الذاتية فقط.

إن التضحيات التي يقدمها الشباب الغاضب من شهداء وجرحى، عددهم يفوق ما يذكره الإعلام الرسمي، والإصرار على التواصل والمثابرة بسلميَّة ومدنيَّة تظاهراتهم، ويوثقون بالصوت والصّورة الإجرام والقتل الوحشي ضدهم، باستخدام الرصاص الحيّ وصواريخ الكاتيوشا. فكل ذلك إنّما يؤكد أن انتفاضة الشباب الثائر لن تتراجع أو تهدأ حتى تحقيق أهدافها، التي يجابهون الموت في سبيلها.

إن عزيمة هؤلاء الشباب المتماسكة نابعة من إيمانهم أن بلادهم ذات تاريخ مجيد، وفيها الخيّرات الكثيرة، لكن هذه الطبقة السياسية، سيّما الأحزاب الدينية الحاكمة فاسدة ومفسدة، وعملت على تقديم المصلحة الإيرانية على المصالح العراقية. لذلك انتقلت تظاهراتهم من المطالب إلى الأهداف، فالأمر لم يعد ينحصر في مشكلات البطالة وتردي الخدمات والصحة والتعليم وتبديد ثروات البلاد وسرقات قوت الشعب... إلخ، إنّما بسيادة الوطن والوجود العراقي وما يتعلق بالمستقبل عربياً وإقليمياً ودولياً.

إن مخطط إيران الذي حققت فيه تمدد مشروعها الطائفي في أربعة بلدان عربية، بسبب تراجع الأمن القومي العربي، فإنها تعلم جيداً أن بوابة مدخلها هو العراق، إذ كلما أحكمت السيطرة عليه تستطيع الاستمرار بتنفيذ سياساتها الطائفية السلبية في البلدان العربية. ولكي تدعم أذرعها الطائفية بقمع الشباب وإسكاتهم أرسلت إلى العراق، كما تناقلت بعض المواقع، مجموعات من القوات البرية عبر منفذ خوسروي، وهي: أنصار الحسين، همدان. وبني أكرم، كرمنشاه. وأمير المؤمنين، إيلام. ومحمد رسول الله (ص)، طهران. وولي العصر، خوزستان. وأبو الفضل، لورستان.

وجميع تلك القوات الإيرانية، الآنفة الذكر، دخلت بملابس مدنية بحجة زيارة أربعينيَّة الإمام الحسين. وتحت حمايَّة ورعايَّة بعض المجموعات الطائفيَّة المسلحة والمواليَّة لإيران، مثل العصائب وبدر وحزب الله والخراساني.

وكذلك نُقِلَ 200 جندي من القوات الخاصة الإيرانيَّة، التابعة إلى فيلق القدس، بطائرة خاصة من نوع بوينغ Boing حجم 474، رقم 2gfepshh، وهبطت في بغداد مع اندلاع التظاهرات، علاوة على عدد كبير من المستشارين، هدفهم قمع الشباب الثائر. بالنسبة إلى القوات الخاصة الإيرانيَّة فإنهم مقنّعون ويرتدون زياً أسود ويتكلمون العربية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إن مجابهة غضب الشباب المسالمين المدنيين بهذه القوة المشددة، التي وُثِقت بالصوت والصورة، فلم ينقض الأسبوع الأول وعدد الشهداء تجاوز 170 شهيداً، والجرحى أكثر من 6 آلاف شخص، وحيال ذلك، فقد أكد مجلس القضاء الأعلى في العراق ضرورة "محاكمة كل من اعتدى". تصريح فضفاض يعكس حالة الضعف والتردي للوضع الجاري داخل العراق. كما أنه لا يرتقي إلى مستوى الأحداث الدامية، واعتراف الشرطة الاتحادية بأنها استخدمت القوة المفرطة بحق المتظاهرين.

ومن اللافت حقاً، ما جاء في الاتصال الهاتفي الذي أجراه عادل عبد المهدي مع مايك بومبيو، إذ قال الأخير، "إن واشنطن تدعم حكومة بغداد لتعزيز الأمن". فهل تريد الولايات المتحدة أن توّغل الحكومة ومن ورائها النظام الإيراني بدماء العراقيين الأبرياء لهدف سياسي آجل؟ أم أن الموقف الأميركي مستمر بدعم العملية السياسية، التي أوجدها، بينما الشعب العراقي يريد إسقاطها لفشلها الذريع وإجرامها المريع؟

ومما يثير هذه الشكوك والمخاوف، تغريدة علي خامنئي على صفحته الخاصة في "تويتر"، إذ جاء في مطلعها "إيران والعراق شعبان ترتبط أجسامهما وقلوبهما وأرواحهما" ارتباطاً يزداد "وثقاه يوماً بعد يوم". من دون ريب، إن دوافع هذه اللغة سياسية بحتة، لكن خامنئي أضفى عليها، كالعادة، غلافاً دينياً وطائفياً. كما أن مبدأ التقية ستارٌ تحتجب وراءه عمائم الدّجل الإيرانية.

ومع ذلك، فعلى النظام الرسمي العربي تقع مسؤولية قوميَّة تجاه ما يجري في العراق، فإن أي تلكؤ كما جرى سابقاً عند دخول قوات الغزو الأميركية إلى بغداد في التاسع من أبريل (نيسان) 2003، الذي استغلته إيران أيما استغلال، إذ إن انتفاضة الشباب الغاضب ضد الهيمنة الإيرانية، يجب دعمها وإسنادها وفقاً للوسائل المشروعة، أقلّها إعلامياً بكشف الحقائق على أرض الواقع، وفضح الجرائم البشعة واللا إنسانية التي ترتكبها إيران وأذنابها بحق متظاهرين يرومون الخلاص وكسر القيود الصفوية الدامية. فالشباب العراقي اليوم، كما في الأمس القريب، يقدم التضحيات ليس بما يخص الوضع الداخلي فقط، بل الخارجي أيضاً.

قلّنا ونكرر القول ثانيةً وثالثةً، إذا تعافى العراق تعافت الأمة، وأعداء الأمة العربية يعملون على الضد من ذلك، لهذا يقع على كاهل العرب عموماً، والنظام الرسمي العربي خصوصاً مسؤولية تاريخية، إذ إن أمن العراق من أمنهم بشكل خاص، وأمن المنطقة والعالم بشكل عام. كما أن الشباب الغاضب مستمرون، بعون الله تعالى، بانتفاضتهم ولن يتراجعوا عن تحقيق هدفهم المنشود، وإن غداً لناظره قريب.      

المزيد من آراء