ملخص
نجح وزير الثقافة اللبناني المفكر غسان سلامة في رهانه على الجمع بين معرضي بيروت السابقين، معرض النادي الثقافي العربي ومعرض نقابة الناشرين اللبنانيين، اللذين كانا على خلاف وتعارض، فوحّدهما في معرض واحد وفّق بين جهود الطرفين وجعل من الدورة الـ67 أفقا واسعاً للكتاب والقراء، لم يعهده في الأعوام الأخيرة.
بدا المعرض كأنه يتحدى الظروف القاسية التي يعيشها لبنان، أمنياً وعسكرياً واقتصادياً واجتماعياً... حرب إسرائيل على "حزب الله" ولبنان لا تزال قائمة وغبارها ينتشر خارج الجنوب، المهجرون ما برحوا يعانون أسوأ أحوال النزوح والأوضاع الاجتماعية تزداد تفاقماً بعد اتساع حزام الفقر والبؤس، حتى إن منظمة "اليونيسيف" أعلنت إحصاء يفيد بأن عائلة بين خمس في لبنان تنام بلا عشاء، ناهيك بالعلاقات السياسية المعقدة بين الأطراف اللبنانية والخلاف القائم بشدة حول نزع السلاح غير الشرعي الذي بات يهدد الداخل اللبناني.
في مثل هذه الأجواء الملبدة والقاتمة ألقى معرض بيروت للكتاب بعضاً من ملامح أمل أو فرح، طالما افتقدتهما العاصمة في المعنى الجماعي واستعادت قبساً من حيويتها الثقافية العامة أو المدينية، بعدما تحولت معظم النشاطات الثقافية فيها إلى مبادرات فردية أو خاصة.
واللافت هذا العام الغياب شبه التام لمظاهر الثقافة المقاومة أو ثقافة "حزب الله" التي كانت تحضر سابقاً علانية. ويذكر جمهور المعرض كيف ارتفعت صور قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني في أحد الأجنحة عام 2022 وأحدثت سجالاً تحول تعاركاً بالايدي بين مقاومين ومواطنين لبنانيين. لكن دور النشر المؤيدة لـ"حزب الله" وإيران لم تغب عن المعرض، فحضرت وعرضت كتبها وأحيت ندواتها، ومنها دار "المودة" ودار "كتب خانة" القائمة في الضاحية الجنوبية ودار "الفكر" وسواها. ولم تغب صفوف طالبات مدارس "المقاومة" بلباسهن الإيراني الأسود.
كتب وسياسة
في المقابل، حضر أهل السياسة في ندوات حول كتب لهم أو عنهم صادرة حديثاً، وكذلك الصحافيون والكتاب الذين يكتبون في حقل السياسة والمذكرات السياسية، عطفاً على تكريم بعض الأعلام مثل الصحافي الرائد غسان تويني والعلامة الشيخ صبحي الصالح الذي اغتالته يد الغدر في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 1986، إضافة إلى تكريم فنانين بارزين مثل شوشو الذي ارتفعت له جدارية في وسط المعرض وصدر عنه كتاب مهم أنجزه الكاتب فارس يواكيم (دار الفرات)، وكذلك الموسيقي والمغني أحمد قعبور صاحب أغنية "أناديكم" التي لا تزال رائجة. ومن الأعلام المكرمين عبر ندوات ولقاءات حول كتب عنهم: الزعيم كمال جنبلاط والمفكر موريس الجميل والمفكر أنطون سعادة (حاضرت عنه ابنته الدكتورة صفية سعادة)، وفؤاد شهاب وكاظم الخليل (مذكرات) ومحسن إبراهيم (مراجعات نقدية)... علاوة على ندوات تاريخية وسوسيو–سياسية مهمة، ومنها واحدة عن "التراث الثقافي في جبل عامل"، وأخرى عن "الدروز والشهابيون في وادي التيم"، وندوة عن شخصية موريس الجميل وفكره...
وقدم النائب والكاتب مروان حمادة كتابه في ندوة أقيمت حوله وعنوانه "عسل ودم: رحلتي في الصحافة والكتابة". وقدم الكاتب والصحافي نقولا ناصيف كتابه "غازي كنعان: صانع دولة الدمى"، وقدم الكاتب والصحافي جهاد الزين كتابه "الأزمة الثقافية للمسيحية السياسية اللبنانية وصحوتها"، والصحافي والكاتب سامي كليب كتابه "سورا: سقط الأبد هل ينجو البلد".
لعل هذه الندوات واللقاءات التي تدور في أجواء السياسة والتاريخ السياسي، والتي تشمل خريطة التناقضات السياسية في لبنان، أسبغت على المعرض جواً من الحوار غير المعلن، العميق والفكري، وجمعت شمل الأطراف اللبنانيين الذين طالما فرقت بينهم أععوام الحرب الأهلية.
غياب الناشرين العرب
غاب الطابع العربي عن معرض بيروت للكتاب هذا العام، حتى غدا لبنانياً جداً. لم تحضر دور عربية كما كان يحصل سابقاً، حتى الدور السورية التي تنتمي إلى الدولة "الجارة"، غابت غياباً شبه تام. حتى المراكز الثقافية ووزارات الثقافة والسفارات العربية غابت كلها. بعض الدور العربية القليلة حضرت عبر "التوكيل" ما خلا دار "الشروق" المصرية. وهذا ما حصل مع بعض الدور اللبنانية التي لم تشارك في المعرض، فوزعت بعض الكتب على مكتبات مثل مكتبة الفرات ومكتبة الحلبي. وعزا بعضهم غياب الناشرين العرب أولاً إلى الظروف الأمنية والعسكرية التي يشهدها لبنان، وثانياً إلى تراجع القدرة الشرائية لدى القراء اللبنانيين. وهذا ما قال به أيضاً الناشرون اللبنانيون الذين لم يشاركوا.
وقد تذمر كثر من الناشرين المشاركين من غلاء سعر المشاركة في المعرض، ومن تراجع حركة الشراء إلى حد غير متوقع، بينما ارتاح ناشرون آخرون إلى أرقام المبيع، لا سيما في حقل الكتب السياسية والرواية. ولئن بدت أروقة المعرض تغص بالزائرين، على اختلاف أعمارهم وطبقاتهم، لا سيما الحديقة التي أقيمت وسط المعرض، فلم يكن من الضرورة أن يكونوا من شراء الكتب. فجو المعرض هذا العام كان منفتحاً وحَياً ومريحاً وجاذباً للزوار، لا سيما الصغار والفتيان.
هذا العام وكما في كل عام، احتلت ظاهرة توقيع الكتب واجهة المعرض، الذي بدا كأنه المناسبة الملائمة لإحياء مثل هذه الاحتفالات التي باتت شبه فولكلورية. لكن الموقعين فاقوا النسبة العددية التي عرفتها الدورات السابقة. روائيون وشعراء وصحافيون وكتاب وسياسيون ورجال دين وباحثون ومؤرخون وطباخون ومنجمون، أقبلوا على منصات التوقيع بحماسة وغزارة، وغايتهم الأولى هي البيع وتغطية كلفة النشر، سواء كان شخصياً أم على حساب الدار، والثانية هي التقاء الأصدقاء والقراء، والتقاط الصور. طبعاً هناك دوماً كتاب كبار ومهمون يستحق الجمهور أن ينال توقيعهم، ولكن هناك في قبالتهم كتاب كثر، من كل جنس ولون، يفرضون كتبهم على الأصحاب والأقارب والزائرين العابرين، بوقاحة أحياناً، من أجل البيع لا أكثر. وفي السابق كان الكتاب يتسابقون على جمع التوقيعات كي يحلوا في لائحة الأكثر مبيعاً في المعرض، حاصدين الإعجاب والضجة. واليوم، أُلغيت هذه اللائحة ولم تعد فواتير المبيعات تجمع على مخارج المعرض.
معرض فرنكوفوني
وفي هذا الصدد يمكن الكلام عن البرنامج الأدبي والثقافي الذي رافق أيام المعرض. برزت طبعاً ندوات مهمة حول شخصيات أدبية وفكرية وحول قضايا وشؤون راهنة وتاريخية، لكن ندوات أخرى غير مهمة بتاتاً، بدت كأنها "مدبرة" وفضولية، وتكمن وراءها دور نشر عادية جداً تريد ترويج كتابها وكتبها. وعلى إدارة المعرض ألا تسمح بعقد مثل هذه الندوات السيئة وتراقب البرمجة والأسماء.
غياب الناشرين العرب عن معرض بيروت حاول حضور النشر الفرنسي والفرنكوفوني أن يعوض عنه قليلاً، فأقام المركز الثقافي الفرنسي معرضاً داخل المعرض الكبير، وقدم برنامجاً ثقافياً وأدبياً جمع أحياناً بين الثقافتين العربية والفرنسية. لكن الكتاب الفرنسي لم يحضر إلا عبر المكتبات الفرنسية اللبنانية، وليس عبر دور نشر فرنسية، ومنها مثلاً: مكتبة أنطوان والمكتبة الشرقية ومكتبة لا فينيسي وسواها. واستضاف البرنامج أكثر من 40 كاتباً ورساماً وفناناً من تسعة بلدان، بينهم شريف مجدلاني وألكسندر نجار ووزيرة الثقافة الفرنسية السابقة ريما عد الملك وريوكو سيكيغوشي وجمانة حداد ودومينيك إده وشارل بيربيريان وسواهم، ضمن لقاءات وقراءات وعروض بالفرنسية والعربية والإنجليزية.
حضور الجامعة الأميركية
واللافت هذا العام أيضاً مشاركة الجامعة الأميركية في معرض بيروت، عبر برنامج حافل ومميز، نظمه "كرسي الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان للدراسات العربية والإسلامية، بالتعاون مع دار نشر الجامعة الأميركية. وأشرف على البرنامج الدكتور بلال الأرفه لي رئيس دائرة العربية ولغات الشرق الأدنى في الجامعة.
وحملت هذه المشاركة دلالة تاريخية مميزة، ففي حرم الجامعة الأميركية أقيم أول معرض للكتاب نظمه "النادي الثقافي العربي" عام 1956 برعاية قسطنطين زريق. وأشرف على تنظيم البرنامج الدكتور بلال الأرفه لي.
ذكرى تأسيس دار الآداب
وفي هذا الصدد برز الإحتفاء بالذكرى الـ70 لتأسيس دار الآداب على يد الروائي والدكتور سهيل إدريس، فأقيمت تظاهرة روائية متفردة تعاون فيها الأرفه لي مع مديرة الدار رنا إدريس، تناولت إحدى ندواتها الدور الرئيس الذي أدته الدار في مراحلها المتعددة، وتوقفت عند ذاكرتها العربية العريقة. ودعت الدار مع الجامعة الأميركية عدداً من الروائيين البارزين وأقامت لهم ندوات ولقاءات ومنهم: واسيني الأعرج والحبيب السالمي وجلال برجس ونجوى بركات وريم بسيوني ياسين عدنان وسواهم. وأثارت الندوات نقاشات حول علاقة التاريخ بالرواية، وأثر الجوائز في الأدب وتجارب الكتابة الإبداعية
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي جديد المعرض جناح واسع للفنون الغرافيكية، مفتوح على فضاء الحديقة المستحدثة، وتتوسطه جدران على صورة مكعب كبير عُلقت عليها وحولها لوحات تبرز الحروف العربية بأساليب فنية متنوعة وكلمات بجماليات مختلفة، ومنحوتات خشبية ومعدنية تستلهم الحروف للفنان كميل حوا.
وضم الجناح أيضاً "كشكول حروف وغلاف" أعده عبودي أبو جودة لإظهار أغلفة كتب ومجلات أدبية أسهمت بقوة في صنع العصر الذهبي لبيروت، مثل "شعر" و"الآداب" و"حوار" و"الناقد" و"ملحق النهار" وسواها، مع أسماء مصممي هذه الأغلفة، وأيضاً بعض صفحات قديمة منشورة في جرائد ومجلات عن بيروت وصور مطبوعات تعود إلى عقود مضت.
صوت ريما خشيش
ما حفلة افتتاح المعرض هذا العام فكانت متميزة وفريدة، وقد أحيتها المطربة ريما خشيش وأدت باقة من أغانيها الجديدة والقديمة، وأطربت الجمهور بصوتها العذب والرقيق والمشبع بالعطف والعرب الجميلة. وقدمها بلال الأرفه لي قائلاً: "ريما خشيش تشبه بيروت أيضاً، فهي مثلها، ابنة هذا التعدد، تنفتح على ألوان الموسيقى والثقافات، وتحمل ذاكرتها الفنية إلى آفاق جديدة. في صوتها تلتقي أصالة المدينة بحيويتها، وذاكرتها برغبتها الدائمة في التجدد".
واضاف: "اختارت ريما خشيش طريقاً لا تحكمه اعتبارات السوق ولا تبحث فيه الأغنية عن أقصر الطرق إلى المستمع. إنها فنانة تمنح الموسيقى حقها من المعرفة والبحث والتجريب، وتتعامل مع التراث العربي بوصفه فناً حياً قادراً على التجدد، لا ذاكرة نستعيدها. ولعل أجمل ما في هذه الأمسية أن نلتقي بالموسيقى كما نلتقي بالكتاب: لا بوصفها إجابات جاهزة، بل بوصفها مساحة توسع ما نسمعه، وما نفكر فيه، وما نشعر به".