مخاطر إيران تجاه أمننا القومي (الحلقة السادسة)

تمدد طهران في العراق وسوريا ولبنان واليمن يجعل من وحدة الصف العربي ضرورة

مخاطر إيران عبر مشروعها السياسي المتستر بعباءة الإسلام كانت جلية منذ قدوم الخميني للسلطة (أ.ف.ب)

مستقبلية الأمن القومي والخطر الإيراني

من الواضح أن مستقبل الأمن القومي العربي تجاه إيران محفوف بمزيد من المخاطر، سيّما وأن نظام الملالي الحالي حقق للأطماع الإيرانية بالمناطق العربية ما لم يحققه أي نظام سياسي سابق، منذ سقوط الدولة الصفوية قبل ثلاثة قرون تقريبا. فالتمدد السياسي الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وخلاياه المنتشره في الجسد العربي، تجعل العمل على رصّ صفوف الأمن القومي ضرورة واجبة وملحة. 

بلا أدنى شك، إن تحرك السعودية في قيادة تحالف عربي لمواجهة التمدد الإيراني، يُعدّ تحركا جوهريا في مصلحة الأمن القومي، ويعكس حاجة الأنظمة العربية إلى منظور أمني مدروس. بمعنى، ألا يكون التحرك محصوراً وفق أبعاد ردّ الفعل، بل في صناعة الفعل ذاته تجاه قضايا الأمة العربية وأمنها القومي.

إن الدور التاريخي الخطير الذي تؤديه الرياض تجاه الأمن القومي، يأتي تكميلاً لما أدته القاهرة وبغداد في مراحل سابقة من تاريخنا المعاصر. إن المخاطر الإيرانية لم تعد تحيط بالأمة العربية، بل داهمتها في الداخل العربي عبر سنوات من العمل السري والعلني لخلاياه وأذرعها. كما أن هذا الوضع بالقدر الذي يوجب تفعيل العمل بالأمن القومي، يتطلب أيضاً رؤية مستقبلية على المدى القريب والبعيد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إن مخاطر إيران عبر مشروعها السياسي المتستر بعباءة الإسلام، كانت جلية منذ قدوم الخميني للسلطة، لكن في تلك الفترة استطاع العراق مجابهة وصدّ المشروع الإيراني بكل قوة، ولم يسمح له بالتمدد والتغول كما أراد الخميني. بيد أن الملالي تحرك في اتجاهات أخرى، منها العمل على أيرنة الجُزر الإماراتية السليبة، طُنب الكبرى وطُنب الصغرى وجزيرة أبو موسى، وضمها بشكل نهائي لجغرافيته السياسية. وما قام به الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد (2005-2013)، بزيارة رسمية إلى جزيرة أبو موسى بتاريخ 11 أبريل (نيسان) 2012، وكان بكل تأكيد عمل استفزازي واضح على هذه الأيرنة الباطلة جملةً وتفصيلاً. لقد كانت تلك الزيارة الرئاسية خطوة سافرة وفاضحة لم يسبقه إليها أحد من المسؤولين الكبار، منذ زمن الشاه محمد رضا بهلوي (1941–1979)، كما أنها تُشكل تحدياً صارخاً للمشاعر الوطنية الإماراتية خاصة، وإلى المشاعر القومية العربية عامة.

وكذلك الدور والسطوة التي وصل إليها "حزب الله" في لبنان، إذ صار دولة داخل الدولة، جراء سنوات الدعم الإيراني الطويلة مالياً وإعلامياً وسياسياً وتسليحياً. ويكفي ما قاله الأمين العام للحزب حسن نصر الله  "ما أنا إلا جندي من جنود خامنئي"، واعترافه علناً أمام الملأ بالدعم الإيراني في كل شيء.

والأمر نفسه يمتد إلى الحوثيين في شمال اليمن، وحروبهم المتواصلة ضد حكومة المركز، ثم انقلابهم على الحكومة الشرعية، والتمدد المناطقي الذي سيطروا فيه على معظم اليمن، بالتواطؤ مع الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح (1990-2012)، الذين تخلصوا منه باغتياله. فلولا الدعم الإيراني المتواصل لهم بالمال والسلاح، ما استطاع الحوثيون أن يحققوا ما حققوه.

وكذلك لولا الموقف السعودي الفعّال، بتشكيل حلف عسكري عربي داعم للشرعية اليمنية بمحاربة الحوثيين، لتمدد المشروع الإيراني نحو بلدان الخليج العربي. فقد تعرض الحوثيون لهزائم وانكسارات، جعلتهم يخسرون جلّ المناطق والمواقع التي استولوا عليها في 2014. وعندما يجندون الأطفال في القتال، فذلك يدل بصورة قاطعة على تصاعد نسبة قتلى الحوثيين، وإحدى أسباب تراجعهم الميداني.

وعن أهمية سوريا لدى إيران، فالوضع أخطر بكثير مما نتصور. إذ في 14 فبراير (شباط) 2013 كشف صراحة رجل الدين مهدي طائب الذي يترأس مقر "عمّار الاستراتيجي" الذي تأسس في 2009 لمكافحة الحرب الناعمة الموجهة ضد إيران، حيث قال، "لو خسرنا سوريا لا يمكن أن نحتفظ بطهران، ولكن لو خسرنا خوزستان (الأحواز) سنستعيده ما دمنا نحتفظ بسوريا". علماً بأن الأحواز التي احتلها رضا شاه بهلوي (1925-1941) بمساعدة بريطانية في 1925، كانت وما زالت الرئة الاقتصادية الكبرى لإيران؛ فمنها يتم تصدير 85% من النفط والغاز، و90% من محاصيل التمور، و50% من إنتاج القمح والغذاء. وعلى الرغم من كل ذلك، فسوريا الأهم لدى ملالي إيران، لأن النظام السوري وشعاراته القومية والمقاومة، كشفت ثورة الشعب السوري حقيقته المرتبطة صميمياً بالنظام الإيراني، لا المصالح السياسية فقط، بل أعمق من ذلك وأبعد، إذ تتصل بالفئة العلوية الشيعية المهيمنة على مقاليد الحُكم السوري.

وعندما يصف المعمم طائب قائلاً، "إن سوريا هي المحافظة الـ35، وتُعدّ محافظة استراتيجية بالنسبة لنا. فإذا هاجمّنا العدو بغية احتلال سوريا أو خوزستان، الأَولى بنا أن نحتفظ بسوريا".

من هنا، إذا أردنا أن نفهم أبعاد الارتباط السياسي بين النظامين الإيراني والسوري، وإذا كان مجموع عدد محافظات إيران هي 31 محافظة، فإن المقصود بالأرقام من 32 إلى 34 تتعلق بالعراق ولبنان واليمن، ومن السذاجة أن نتكهن بغير هذه النتيجة.

ولذلك لم يتردد طائب في تأكيده على أهمية سوريا في المشروع الإيراني، التي تستوجب ضرورة دعم النظام السوري في إدارة حرب المُدن قائلاً، "إن النظام السوري يمتلك جيشاً، ولكن يفتقر إلى إمكانية إدارة الحرب في المُدن السورية، لهذا اقترحت الحكومة الإيرانية تكوين قوات تعبئة لحرب المُدن، قوامها 60 ألف عنصر من القوات المقاتلة لتستلم مهمة حرب الشوارع من الجيش السوري".

إن استفحال التدخل الإيراني في الدول العربية، يتعلق بضعف وتراجع الأمن القومي العربي، لأسباب لها مسببات ولا يسعنا المجال لسردها ومناقشتها الآن، لكن الاستفادة من أخطاء الماضي مهم، ودعم التحالف العربي الذي تقوده السعودية أهم، إذ إن مجابهة التمدد الإيراني له الأولوية في هذه المرحلة الحرجة من التاريخ العربي. إذ لا سامح الله لو تعرضت السعودية لِما تعرض ويتعرض له العراق وسوريا، فإن المشرق العربي لن تقوم له قائمة لجيلين أو ثلاثة أجيال قادمة.

في الواقع، على الرغم من تزايد مخاطر المشروع الإيراني القائم على بث وانتشار التشيع الصفوي، الذي يجرد العربي من وطنيته وقوميته ليجعله تابعاً منقاداً إلى الولي الفقيه في إيران، إلا أن الوعي المجتمعي العربي، يُعدّ ركيزة رئيسة في مجابهة المشروع الإيراني.

إذ في الفترة القصيرة من حكم الإخوان بمصر (2012–2013)، وسعيهم بالتقارب مع إيران لارتباطات تاريخية فيما بينهما، فقد أثبتت دراسة مصرية صدرت في أبريل (نيسان) 2013 على أن 81% من الشعب المصري يرفضون التطبيع مع إيران، حتى إن من ضمن الرافضين أحزابا إسلامية.

وعندما زار محمود أحمدي نجاد مصر في 5 فبراير (شباط) 2013، للمشاركة في القمة الثانية عشرة إلى "منظمة التعاون الإسلامي"، فقد واجهه شيخ الأزهر أحمد الطيب بمطالب محددة وصريحة، منها: عدم التدخل الإيراني في شؤون الخليج العربي، وكذلك "وقف المدّ الشيعي في بلاد أهل السُّنة والجماعة"، و"احترام البحرين كدولة عربية"، وإعطاء الأحوازيين حقوقهم، و"بوقف نزيف الدم في سوريا"، و"استصدار فتوى من المراجع الدينية الشيعية تجرم وتحرم سب زوجة الرسول محمد عائشة وصحابته حتى يمكن لمسيرة التفاهم أن تنطلق".

إن الوعي المجتمعي الذي تأخر بعض الشيء في الأقطار العربية، فله أسبابه التي تتطلب وقتاً زمنياً حتى تتساقط الأقنعة وتتكشف الحقائق على نحو لا لبس فيه. فمن الشعارات التي رفعها الخميني في 1979 ضد أميركا وإسرائيل، إلى حرب يوليو (تموز) 2006 التي روج فيها الانتصارات العسكرية لحزب الله اللبناني على إسرائيل، قد خدعت الملايين من عامة العرب، بل وحتى بعض المثقفين والدارسين للشأن الإيراني، الدكتور فكري سليم مثالاً. فالأخير أستاذ الدراسات الإيرانية في جامعة الأزهر، وكان طيلة عشر سنوات من الداعين إلى التقارب الإيراني العربي، لكنه اعترف بمدى انخداعه بإيران، التي تستمر بطباعة الكُتب وتوزيعها بالمجان في سب ولعن الصحابة، والنيل من زوجات رسول الله، وتدخلها المتواصل في الشؤون العربية. وفي اتصال هاتفي له على "قناة المحور" الفضائية في برنامج 48 ساعة بتاريخ 24 سبتمبر (أيلول) 2010، تطرق سليم إلى أهمية المراجع العربية أمثال علي الأمين (1952–) ومحمد حسين فضل الله (1935–2010)، وغيرهما من الذين يمثلون التشيع العربي من ناحية، ويتخطون الحدود الإيرانية من ناحية أخرى.

إن الذي دفع بهذا الوعي المجتمعي داخل البلدان العربية، هم ملالي إيران أنفسهم، ومن دون قصد منهم، إذ ظنوا أن ثمرة مشروعهم الطائفي قد أينعت، وحان الجهر بها علناً، بعدما توافقت أطماعهم السياسية مع الاحتلال الأميركي للعراق. ولذلك أعلنها صراحة محمد أبطحي مستشار الرئيس الإيراني محمد خاتمي (1997–2005) للشؤون القانونية والبرلمانية في ختام أعمال "مؤتمر الخليج وتحديات المستقبل" الذي ينظمه سنوياً "مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية" في إمارة أبو ظبي بتاريخ 15 يناير (كانون الثاني) 2004، قائلًا، "إن بلاده قدمت الكثير من العون للأميركيين في حربهم ضد أفغانستان والعراق". مؤكداً أنه "لولا التعاون الإيراني لما سقطت كابل وبغداد بهذه السهولة".

وكذلك ما صرح به المعمم الإيراني محمد علي الشيرازي، أستاذ الحوزة العلمية في مدينة مشهد، قائلاً، "إن من حق إيران أن تتدخل في شؤون الشيعة في كل مكان، لأنها هي ولية الشيعة، ووجود عناصر استخبارية إيرانية بالعراق ليس جريمة سياسية، لأن العراق بلد شيعي وتوجد به العتبات المقدسة والمرجعية الدينية". (جريدة القبس، تاريخ العدد: 13–10–2004).

وعليه، فإن ضمان مستقبلية الأمن القومي العربي تجاه المخاطر التي شكلتها، وما تزال تشكلها، إيران، فإنه بالقدر الذي يرتكز على أهمية الوعي الجمعي في الشارع العربي، فإنه يرتكز أيضاً على جوانب أخرى، منها تفنيد الأفكار والنظريات، التي تستند إليها مرتكزات العقيدة الطائفية الصفوية، وتعريتها مما تتغلف به من حجج دينية ومذهبية زائفة. وإذا كان هذا الأمر يخص الحقول الثقافية والعلمية والإعلامية، فإن ما يخص الحقول السياسية والأمنية يكمن في مساعدة الشعوب والقوميات المضطهدة جراء العنصرية الفارسية، وفي مقدمتها الشعب العربي الأحوازي، بغية تفعيلها ضد النظام الطائفي الاستبدادي الذي آذى الشعوب داخل جغرافية إيران بشكل خاص، وشعوب المنطقة بشكل عام.   

المزيد من آراء