Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فسيفساء الأعراق في إيران ومحاولات الصهر في بوتقة الفرس

تحولت الأقليات إلى أشبه بـ"أهل ذمة" لدى السلطة الحاكمة في المركز

يسيطر أصحاب القومية الفارسية تقليدياً على الجهاز البيروقراطي للسلطة في إيران (أ ف ب)

ملخص

تقف في منتصف التكوين المتشعب للهوية الإيرانية المعاصرة، الغالبية الفارسية، التي تشكل بحسب التقديرات ما يفوق 60 في المئة من الإيرانيين. وقد تحولت إلى الجماعة الإيرانية المركزية، ثقافياً وسياسياً وسلطوياً.

يعيش في الهضاب الإيرانية وتضاريسها الكثيرة من جبال وصحارى ومدن مكتظة، نسيج متنوع من الأعراق والشعوب والإثنيات والأديان، معقد في تقلبات تاريخ أطيافه المشترك. وتم على مدى أعوام طويلة تثبيت صورة إيران بوصفها "دولة فارسية" من دون التوقف عند خريطة شعوبها وإثنياتها المتعددة، التي كثيراً ما شكلت وقوداً لصراعات النظام ومادة دسمة لمحاولاته المتكررة في إعادة إنتاج الهوية الوطنية من بوابة المذهب الديني (الشيعي حالياً)، أو بوابة الهوية القومية، أو عبر شد العصب الوطني وتكريس عدو خارجي دائم، أو لعب دور سياسي إقليمي يشغل الداخل بالخارج، أو العمل على "تصدير الثورة" لدرء الخوف الإيراني الوجودي من "الانقسام".
تقف في منتصف التكوين المتشعب للهوية الإيرانية المعاصرة، الغالبية الفارسية، التي تشكل بحسب التقديرات ما يفوق 60 في المئة من الإيرانيين. وقد تحولت إلى الجماعة الإيرانية المركزية، ثقافياً وسياسياً وسلطوياً بخاصة خلال فترة حكم الشاه، إذ رفع شعار "شعب واحد وثقافة واحدة ولغة واحدة" وعمل النظام على أساسها على محاربة الشعوب غير الفارسية، وتم تثبيت هذا التصنيف منذ باتت اللغة الفارسية لغة البلاد الرسمية قبل قرون عدة، ولغة التعليم لسائر المجموعات العرقية والإثنية الأخرى الكثيرة، ومنذ باتت لغة السلطة التي تصاغ بها القوانين والخطابات. وتم تكريس دين هذه الفئة الإيرانية (الفرس) كدين "الجمهورية الإسلامية" وقبلها بقرون قليلة، الإمبراطورية الصفوية.

الفرس

يتركز الفرس في المدن الرئيسة والأكبر في إيران والمتجمعة في وسط البلاد وجنوبها أي في طهران وشيراز وأصفهان. ويسيطر أصحاب القومية الفارسية تقليدياً على الجهاز البيروقراطي للسلطة مهما كان نوعها، إمبراطورية أو سلطانية أو شاهنشاهية أو جمهورية، وهم يسيطرون على المراكز العليا في الجيش، وتدير فئات منهم اقتصاد النفط فيشكلون النخبة السياسية في البلاد التي يخرج من رحمها المحافظون والإصلاحيون، كما خرج رجال الدين المؤسسون للجمهورية الإسلامية الحالية في إيران.

الترك

يبرز خارج المركز الفارسي، الهامش الأول الذي تشكله الأقلية الأذرية أو الترك، والهامش المقصود هنا جغرافي وديموغرافي، وجزء منه سياسي واجتماعي وثقافي. والأذريون شعب تركي اللغة، يعيشون في شمال غربي البلاد، خصوصاً في أذربيجان الشرقية والغربية وأردبيل وزنجان. تبلغ نسبتهم بين الأقليات الإيرانية ما يقارب ربع السكان، مما يجعلهم أقلية كبيرة ذات تأثير في تركيبة النظام الإيراني، وهم المعروفون بباعهم وتاريخ طويل في المجالات الاقتصادية والصناعية والتجارية، ويقال إن المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي، أذري الأصل، وكذلك غيره من رموز الحكم ومنهم الرئيس الإيراني الحالي مسعود بزشكيان. لكن تأثيرهم السياسي لم ينعكس تأثيراً في حقوقهم كأقلية، فلا تزال لغتهم غير معترف بها رسمياً، ربما لأن جميع أبناء هذه الجماعة ينتمون إلى المذهب الشيعي المشترك مع القومية الفارسية ومذهب الدولة.

الكرد

تأتي القومية الكردية في المرتبة الثالثة بعد الفرس والأذريين، وتراوح نسبتهم ما بين سبعة و10 في المئة من السكان، وينتشرون على طول الشريط الغربي الجبلي من كرمنشاه حتى حدود أذربيجان الغربية. وهؤلاء بخلاف الأذريين ينتمون بغالبيتهم إلى المذهب السني، وهو ما يضعهم في دائرة التهميش في دولة تدار وفقاً لمنظومة "ولاية الفقيه" الشيعية. تصدر عنهم في فترات متباعدة، مطالب ثقافية وتعليمية تتخللها مواجهات مع الحرس الثوري في مناطقهم. للكرد باع طويلة في خوض مواجهات مع النظامين الملكي ومن هناك أطلق الحزب الديمقراطي الكردستاني نشاطه وشكلوا جمهورية مستقلة أسموها "جمهورية مهاباد" لكن نظام الشاه قضى عليها وأعدم قادتها. تنخرط تنظيمات عائدة إلى الكرد في النشاط المسلح فيما يخوض بعضهم نشاطاً سياسياً سواء للحصول على الاستقلال أو حق تقرير المصير أو إقامة نظام فيدرالي. 

العرب 

ويعيش إلى الجنوب الغربي في إقليم الأحواز (خوزستان)، عرب إيران، تضم أرضهم غالبية الموارد الإيرانية، إذ تحتوي الأحواز على كبرى مصادر النفط والغاز في البلاد، لكن يصنف الأحوازيون من بين الشعوب الأكثر فقراً في إيران. ويعاني المجتمع العربي من البطالة والتضييق على استخدام اللغة العربية، يضاف إلى ذلك المعاناة من التلوث البيئي. تتنوع مطالبهم سياسياً بين الاستقلال والتعايش مع بقية الشعوب الواقعة في جغرافية إيران على أساس نظام فيدرالي، تتعامل معهم السلطة باعتبارهم "خطراً محتملاً"، خصوصاً في مرحلة مجاورة عراق صدام حسين، وكذلك بسبب قربهم من دول الخليج العربي. خاضوا مواجهات تنوعت بين النشاط المسلح والسياسي من أجل الحصول على الاستقلال والاعتراف بحقوقهم القومية. تنتهج السلطات أسلوباً قمعياً في التعامل مع مطالبهم ونفذت حكم الإعدام ضد الكثير من القادة السياسيين والنشطاء في الداخل. كان الشيخ خزعل بن جابر الكعبي آخر أمراء الإقليم وقضى الشاه رضا بهلوي على حكمه عام 1925 وقتل الشيخ خزعل في منفاه بطهران بعد 13 عاماً من الإقامة الجبرية في عاصمة إيران. في عهده اكتشف النفط وشهد الإقليم وعاصمته المحمرة تقدماً اقتصادياً ملحوظاً وأقام أمير الإقليم علاقات مميزة مع جيرانه كذلك تميزت فترة حكمه بالتحالف مع بريطانيا لكنها تخلت عنه لمصلحة رضا بهلوي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

البلوش

أما المناطق الأكثر فقراً في إيران فهي التي يعيش فيها البلوش وهم من أصحاب المذهب الإسلامي السني، وتقع مناطقهم في الجنوب الشرقي الصحراوي حيث الشح والجفاف المزمن، في سيستان وبلوشستان. ويشكل البلوش نحو ثلاثة في المئة من الإيرانيين لكنهم يعانون تمييزاً قومياً ومذهبياً، وبسبب التضييق الاقتصادي والإعلامي على مناطقهم تحولت إلى مراتع للتهريب وشبكات مسلحة تنشط على الحدود مع باكستان وأفغانستان. وقتل في مجزرة زاهدان عام 2022 العشرات من المحتجين البلوش بسبب مشاركتهم في الثورة ضد النظام والتي أخمدت بالقوة والنار. خاض البلوش مواجهات مسلحة ضد السلطات بخاصة أن المناطق الحدودية الوعرة تشكل لنشاطهم غطاء لتنظيم نشاطهم كذلك فإن مناطقهم تعد امتداداً لموطن بلوش باكستان وتربطهم أواصر ثقافية وتاريخية بهم. 

التركمان 

ويعيش التركمان السنة في الشمال الشرقي، في كلستان وخراسان، ويواجهون التهميش الصامت، فلا وجود لقمع معلن، وليست هناك عمليات دمج فعلي لهم في النسيج الفسيفسائي الإيراني. يعيش معظم التركمان على الزراعة والتجارة البسيطة، ويفتقرون إلى تمثيل سياسي فاعل في المركز الإيراني المتحكم. وتصيب حالهم أيضاً، قبائل اللور المقيمون في الجهة الغربية المقابلة من البلاد، الذين وإن كانوا شيعة، إلا أن انتماءهم القبلي يضعهم على هامش السلطة المركزية.
 

الأقليات الدينية
وتعيش في المدن الكبرى مجموعات أصغر من الأرمن والآشوريين والبهائيين واليهود والزرادشتيين، وقد مرت على كل واحدة من هذه الجماعات فصول من التعايش والاضطهاد في آن معاً داخل الشبكة القومية والمذهبية والإثنية الإيرانية. ويتمتع الأرمن والآشوريون في حق التمثيل في البرلمان، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الأقلية اليهودية.
يقول المفكر والباحث الجيوسياسي الأميركي روبرت كابلان في كتابه "انتقام الجغرافيا" إنه منذ الساسانيين حتى الأخمينيين إلى المغول إلى الصفويين ومن العباسيين إلى العثمانيين بقيت الفارسية لغة البلاط في أقصى الشرق والغرب، وكانت لغة الدبلوماسية واللغة الثقافية العابرة للأعراق في حينها. هذه السيطرة اللغوية للفارسية التي امتدت على مدى قرون وبقيت مسيطرة حتى في حال لم يكن الفرس هم الحكام، أي حين آلت السيطرة للعرب أو الأتراك أو المغول. هذه السيطرة اللغوية جعلت فكرة "إيران الكبرى" مفهوماً سياسياً وحالة نفسية متخيلة وراسخة. وهنا بالضبط يدخل المذهب الشيعي كأداة مركبة، لا للتدين فحسب، بل لإدارة الدولة والحكم وإعادة تشكيل الوعي الجمعي. صحيح أن في جوهر المذهب انتظاراً غيبياً للإمام الثاني عشر، إلا أن هذا الانتظار، بمفارقاته الصوفية، أنتج طبقة دينية كانت ولا تزال قادرة على العمل من خلف الستار.
ويذكرنا أوليفييه روي، أن التشيع لم يولد إيرانياً، بل كان ظاهرة عربية جاءت متأخرة إلى بلاد فارس، لكنه مع الزمن، وبفعل هيكل الدولة الفارسية القديمة، تحول إلى جهاز سلطوي كامل، ذي هرمية صارمة وشرعية ثيوقراطية. وما إن جاء الصفويون في القرن السادس عشر، حتى نقلوا المذهب من خانقاهات التصوف إلى قصور الحكم.
ويكمل كابلان في عرض أسباب اختيار الجماعة الصفوية الاثني عشرية كمذهب ديني، على رغم أن الصفويين في الأصل مجموعة صوفية سنية جوالة من أصول تركية والأذرية وجورجية وفارسية، لكنها اختارت التشيع الاثني عشري من أجل توحيد الهضبة الإيرانية.

الشاه والانصهار القومي الإيراني

عمل نظام الشاه بإصرار على صهر هذه الجماعات العرقية والقومية تحت الهوية القومية الإيرانية التي تختفي خلفها القومية الفارسية، في زمن انتشر فيه الشعار القومي حول العالم في النصف الأول من القرن الـ20 في تركيا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا في عهد فرانكو وفي الأرجنتين في عهد براون، ثم في القسم الثاني من القرن الـ20 حين خبأت القومية العربية البعثية في العراق خلفها السيطرة السنية، وسيطرة الأقلية العلوية على الحكم في سوريا تحت عباءة القومية العربية السورية أيضاً. وأدى هذا الصهر التهميشي إلى التضييق على اللغات الأخرى غير الفارسية في التعليم والإعلام وفي الإدارات الرسمية والأماكن العامة. وبعد الثورة الخمينية على نظام الشاه عام 1979، أضيف إلى البعد القومي الفارسي، بعد مذهبي شيعي جعل من القومية والمذهب حارسين للهوية الرسمية، رافضين لأي نزعة استقلال ثقافي أو سياسي. وبهذه الطريقة تم تثبيت السيطرة الفارسية والأذرية على السلطة، وتحولت الأقليات الأخرى غير الفارسية إلى أشبه بأهل ذمة لدى السلطة الحاكمة في المركز الإيراني.
لكن احتجاجات الأكراد بعد مقتل مهسا أميني، والانتفاضات المتكررة في بلوشستان وخوزستان، كلها تؤكد أن إيران اليوم تواجه معضلة داخلية تتعلق بهويتها، وأن القومية الفارسية والمركزية السياسية لم تعد قادرة على ضبط التعدد القائم. ولهذا ستظل إيران إضافة إلى خسارتها لطموحاتها الإمبراطورية خلال العامين الماضيين، ووقوعها لعشرات السنوات تحت عقوبات دولية هائلة، بينما ترزح اليوم تحت ثقل حرب كبيرة مع إسرائيل، ستظل مهددة من التفكك الداخلي، وهو وتر لا ينفك الأميركيون والإسرائيليون يلعبون عليه في الداخل الإيراني، إعلامياً وحقوقياً ودعماً لجماعة معارضة من دون أخرى.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير