Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الألمان يحققون والفرنسيون يعرضون فيلما تلفزيونيا عن حنه آرندت

يستعرض اكتساب فيلسوفة "إيخمان في القدس" و"التوتاليتارية" وعيها السياسي الأممي

احتفلت ألمانيا وطن آرندت الأصلي وفرنسا بلد منافيها الأولى بالذكرى لها بصورة مشتركة عبر نشاطات متعددة (غيتي)

ملخص

اعتبر الحديث التلفزيوني المطول الذي كان نجم التلفزيون الألماني غونتر غاوس أجراه مع حنه آرندت عام 1964 أفضل وثيقة تروي حياتها وأفكارها على لسانها بصورة مباشرة، وهو نص ترجمه كاتب هذه السطور ونشره في كتاب ضخم وجامع يتعلق بفكر حنه آرندت نشرته دار الساقي اللندنية.

لا شك في أن الفيلسوفة الألمانية - الأميركية لاحقاً، حنه آرندت، كانت قبل الأعوام القليلة التي أمضتها في منافيها الفرنسية اعتباراً منذ عام 1933، مشغولة بأمور تبدو لنا الآن أبعد ما تكون من الشأن السياسي إلى درجة أن الوعي السياسي المباشر لديها، والذي سيشغلها بقية أعوام حياتها، أي طوال ما يزيد على 40 عاماً اختتمت برحيلها في أميركا عام 1975 – وهو رحيل احتفلت أوساط عديدة بخمسينيته طوال عام 2025 باستثناء إسرائيل "الوطن المفترض لكل يهود العالم، ولكن ليس لآرندت على رغم يهوديتها – تأخر في الوصول إليها.

والحقيقة لأن ذلك الاستنكاف في عودة إلى الاحتفال بخمسينية وفاة المفكرة، لم ينتج من انشغال السلطات الإسرائيلية بالحروب العدوانية والمزيد منها طوال العام، بل لأن غُلاة الإسرائيليين الصهاينة لم يتوقفوا عن اعتبار آرندت، "ابنة صهيون الضالة"، بينما غُلاة متدينيهم لا يبالون بها، بل يحاصرون ذكراها لمبادرتها هي بمعاداتهم.

المهم على أية حال، أن ألمانيا، وطن آرندت الأصلي وفرنسا بلد منافيها الأولى، احتفلتا بالذكرى بصورة مشتركة عبر نشاطات متعددة ربما كان من أبرزها فيلم تلفزيوني ألماني حققه ألمان وعرضته التلفزة الثقافية – الألمانية المشتركة "آرتي"، قبل أسابيع ليعيد إلى الواجهة ليس حقبة واحدة، بل ثلاث حقب من مراحل حياة الفيلسوفة تتعلق بثلاث إقامات لها في... فرنسا. وهي إقامات ستعتبرها هي نوعاً من مراحل اكتساب وعي وسياسي أممي سيكون ذا تأثير كبير في حياتها اللاحقة.

تنقلات غير متوقعة

تبدأ هذه الحكايات بالنسبة إلى الفيلسوفة، وكانت بعد في الـ27 ولا تزال تعيش حكاية حبها الخالدة مع أستاذها مارتن هابدغر، الفيلسوف المتحول حينها إلى النازية ولو عن انتهازية من دون اقتناع كبير.

ففي عام 1933، الذي كان مفصلياً في العلاقة بين النازية الواصلة لتوها إلى الحكم الهتلري في بلاد الرايخ والمثقفين الأكثر وعياً في ألمانيا، في ذلك العام اضطرت آرندت إلى الفرار من النازيين أولاً لأنها من أصل يهودي، وثانياً لأنها من أصحاب الفكر التقدمي، فكان مقصدها الطبيعي فرنسا آتية من طريق براغ حيث انضمت أول ما انضمت إلى مجموعات من المناضلين الألمان والنمسويين الذين سبقوها إلى هناك، كما يخبرنا الفيلم، هاربين بدورهم من النازية المستشرية.

 

وكان من بين هؤلاء والتر بنجامين الذي سترتبط معه بصداقة يرى الفيلم أنها ساعدتها على تخطي إغراءات الصهيونية العاملة بقوة في ذلك الحين على التسلل إلى فلسطين لإقامة دولة يهودية موعودة هناك. غير أن ذلك التخطي لم يمنع الفيلسوفة الشابة، وانطلاقاً من باريس تحديداً، عن أن تبذل جهوداً ونشاطات لاصطحاب مجموعات من اليهود ذوي النزعة الاشتراكية التقدمية إلى... فلسطين ليس لتأسيس دولة، كما ستقول هي لاحقاً، ولكن لتكوين مجتمعات تعاونية زراعية تجمع بين اليهود والعرب.

ونعرف طبعاً أن آرندت ستعتبر نفسها مخدوعة لاحقاً لتضيف إلى عونها لليهود القاصدين فلسطين، دفاعاً لا ينسى عن حقوق الوطنيين في وطنهم. وهو دفاع لن يتوقف مشكلاً نوعاً من التناقض الحاد الذي أحدث مع الزمن انفصاماً حاداً في شخصية الفيلسوفة نفسها. غير أن هذا ليس موضوعنا هنا على أية حال.

3 إقامات فرنسية حاسمة

موضوعنا هنا، وكما أشرنا في أول هذا الكلام، هو تلك الأعوام، القصيرة على أية حال، التي أقامت الفيلسوفة خلالها في فرنسا. وهي ستعد أول تلك الأعوام، والتي قصدت خلالها فلسطين، بالغة الأهمية في تكوينها. وهي أعوام تعرفت خلالها على بعض المناطق الفرنسية، ولا سيما في اتجاه الجنوب، ولا سيما مارسيليا التي كانت بالنسبة إليها ولمرافقيها من اليهود القاصدين معها مدينة حيفا الفلسطينية بحراً، ممراً إجبارياً، وهي خلال تجوالها هناك وجدت الغستابو يعتقلها وآخرين عام 1938 لتحرم من جنسيتها الألمانية وقد باتت أسيرة في منطقة الغور بعد ذلك بعامين.

غير أنها وبعدما تعرفت في فرنسا كذلك بهاينريخ بلوخر الشيوعي الذي سيضحي زوجها الثاني، تمكنت معه من الهرب إلى نيويورك من طريق لشبونة البرتغالية. وهي كانت في تلك الأثناء قد انتظمت في العمل الصحافي وباتت معروفة على صعيد عالمي بشكل أو بآخر، ما رسخ من قناعاتها الإنسانية التي صاغت مواقفها خلال العقود التالية من حياتها ومسيرتها الفكرية.

 

ومن هنا، وكما يحاول الفيلم أن يخبرنا، صحيح أن حنه آرندت لم تعد لتقيم فترات طويلة من حياتها، ولا سيما بعدما ترسخت إقامتها النيويوركية ومكانتها الفكرية في الحاضرة والثقافة الأميركيتين، غير أن ذلك لم يُنسها لا الثقافة الفرنسية، ولا الأفكار الإنسانية التي اكتسبت أفضلها في فرنسا، كما ستقول دائماً، لكنها لن تنسى كذلك، حبها القديم لأستاذها هايدغر الذي ستظل لفترة طويلة تأخذ على الفرنسيين عداءهم له بسبب نازيته حتى ولو اضطرت كما ستفعل في نص لاحق لها اعتبرت فيه هايدغر ثعلباً ماكراً، إلى الاستفاضة في اعتباره انتهازياً ولو لتبرئته من كونه نازياً رأى الفرنسيون أنه استبد به!

كاميرا وشاشة باردتان

إذاً، حتى وإن كان يمكن القول إن آرندت انطبعت بتكوينها الألماني، ولا سيما أن معلميها الكبيرين إبانها كانا وهايدغر بالطبع، لكن هناك كارل ياسبرز أيضاً، كما ستنطبع بمسارها الأميركي اللاحق، فإن الفيلم الذي نحن في صدده – والذي يكاد يكون ولو في سمته الوثائقية، نوعاً من الاستكمال النزيه، للفيلم الروائي عن حياة "حنه" والذي حققته مرغريتا فون تروتا قبل أعوام ولعبت فيه باربارا سوكوفا بصورة مدهشة دور الفيلسوفة – عرف كيف يضبط موقع الأعوام الفرنسية في حياة آرندت عبر إقاماتها الثلاث، حتى وإن رأى كثر من متابعي حياة المفكرة أن الفيلم أتى أكثر خطية وبرودة من أن يصف حقاً تلك المرحلة من حياة "بطلته"، بخاصة وقد رأوا أيضاً أن الفيلم، على رغم ما يبدو في عنوانه من وحدة في الموضوع، تفترض وحدة وانسجاما في مناخه، أتى ليصور الفيلسوفة أكثر ابتعاداً من فرنسا حتى بأكثر مما كانت تعتقد هي نفسها.

ولربما رأى نقاد فرنسيون أن ذلك البعد نتج من أن كاتب الفيلم، ومخرجه إنما رغب أصلاً في اتباع مخطط بيوغرافي استجاب له إذ اكتشفه لتوه في سيرة لآرندت كانت صدرت قبل إنجاز الفيلم بفترة، بقلم توماس ماير واعتبرت أفضل ما صدر من كتب حول حنه آرندت صدرت حتى اليوم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لعل البرودة التي تلمسها النقاد في الفيلم أتت لتعكس البرودة العلمية والموضوعية التي هيمنت على أسلوب ماير في متابعة حياة المفكرة، وفي الأقل، مقارنة بالحرارة اللافتة التي كانت قد لوحظت في فيلم فون تروتا، بخاصة في أداء باربارا سوكوفا الرائع لحياة حنه التي بدت تحت ملامح الممثلة الألمانية الكبيرة مفعمة بالحياة ودينامية الروح.

قوة فكرية راهنة

بيد أنه لن يكون من الإنصاف عدم الاعتراف بأن هذا الفيلم الوثائقي، لا يقل أهمية عن الآخر الروائي، بل لعله يتكامل معه تكاملاً مؤكداً ضمن إطار انحصار موضوعه في ما كان يتطلع إلى تحقيقه ويتعلق طبعاً بالجانب "الفرنسي" من سيرة المفكرة.

فهنا يبدو الفيلم بالغ الغنى، ولو في ترفع نخبوي، حيث يستخدم كماً كبيراً من الوثائق المصور بعضها بأناقة لافتة، ومن بينها الحديث التلفزيوني المطول الذي كان نجم التلفزيون الألماني غونتر غاوس أجراه مع حنه آرندت عام 1964 واعتبر أفضل وثيقة تروي حياتها وأفكارها على لسانها بصورة مباشرة (وهو نص ترجمه كاتب هذه السطور ونشره في كتاب ضخم وجامع يتعلق بفكر حنه آرندت نشرته دار الساقي اللندنية تحت عنوان بائس مع أن عنوانه الأصلي رائع. فالعنوان الأصلي، وهو "التفكير دون شبكة أمان" تحول لدى الدار العربية إلى "إضاءات لفهم الواقع" من دون أن تكون في الكتاب لا إضاءات ولا واقع ولا يحزنون!).

المهم، أن الفيلم التلفزيوني الذي نتناوله هنا، يبدو بالنسبة إلينا ومن الآن وصاعداً، قطعة فكرية لا يمكن الاستغناء عنها للتعمق في فكر صاحبة العلاقة وتكوينها، بل حتى، ومن منظور ما، في تتبع راهنية هذا الفكر واكتشاف ملامح أساسية فيه، من بينها دور الهجرة في تكوين معظم مفكري القرن الـ20 وثقافتهم الأممية، وكيفية توصلهم إلى إدراك أوليات التوتاليتارية واجتثاث القيم الإنسانية من الفكر الحديث، وصولاً إلى فهم الظروف التي أملت على حنه آرندت بالتحديد وقوفها إلى جانب الحقوق الفلسطينية على رغم ارتباطاتها المبكرة بالصهيونية.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة