ملخص
الرغبة في استعادة حرية التنقل بعد "بريكست" دفعت آلاف البريطانيين للبحث في جذورهم الأوروبية واستعادة جنسيات كانت مهملة، سواء من باب النسب أو تعويضاً عن مآسي تاريخية. هذه الرحلات الشخصية كشفت عن أبعاد هوية معقدة تتجاوز الوثائق الرسمية إلى الانتماء الثقافي والشعور بالارتباط العاطفي
وُلد بول زابا في بريطانيا مثل والديه وحصل تلقائياً على الجنسية البريطانية، لكن هذه لم تكن سوى نصف القصة، فعلى المستوى الثقافي كانت عائلة بول دوماً تنتمي إلى الهوية البولندية، فهم يتحدثون اللغة بطلاقة، وكان بول يرتاد المدرسة البولندية يوم السبت ويشارك في معسكرات الكشافة، يقول "أصف نفسي بأنني بولندي - بريطاني"، مؤكداً شعوره بالانتماء إلى كلا البلدين، "أنا منضم جداً في شؤون الجالية البولندية"، وعلى رغم أن جميع أجداده الأربعة بولنديون، لكنه لم يحمل قط جواز سفر بولندياً، ولم يكن الأمر ضرورياً في نظره حتى جاء الوقت.
يقول بول "في يوم صدور نتيجة استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست) تبادلنا [أنا وأصدقائي البولنديين] الرسائل فوراً، وقلنا إنه من الواضح أننا سنبدأ إجراءات الحصول على الجنسية البولندية الآن، لقد كان القرار فورياً، وُضعت الخطة في اللحظة ذاتها، وأردنا الاحتفاظ بكل ما تمنحه المواطنة الأوروبية من مزايا: حرية السفر في أوروبا بلا قيود، وإمكان الاستقرار فيها متى شئنا".
كثير من المولودين في المملكة المتحدة ممن يتمتعون، مثل بول، بحق أصيل في الحصول على جنسية ثانية من دولة أوروبية لم يهتموا يوماً بإتمام الإجراءات، فالأمر يتطلب جهداً ومالاً، وغالباً لا يكون هناك دافع مباشر، فما الجدوى؟
لكن كل ذلك تغير بعد "بريكست" حين فقد البريطانيون حقهم في حرية التنقل عبر أوروبا، وكذلك حق الإقامة والعمل في 27 دولة أوروبية، بشروط تقترب مما يحصل عليه السكان المحليون، وهذا التحول دفع مئات الآلاف إلى مواجهة البيروقراطية بجرأة وقراءة التفاصيل الدقيقة، فالقوانين تختلف من بلد إلى آخر، بهدف اكتشاف ما إذا كان بإمكانهم المطالبة بجنسية أوروبية من خلال أُمٍ أو جدٍ، أو حتى جدٍ أكبر وُلد في بلد من الاتحاد الأوروبي.
ووفقاً لـ "المكتب الوطني للإحصاء" فإن 1.26 مليون شخص يقيمون في بريطانيا، أي نحو 2.1 في المئة من السكان، يحملون الآن جوازي سفر بريطانياً وآخر من دولة ثانية، وبصورة دقيقة أكثر فقد كشف تعداد عام 2021 عن تضاعف عدد حاملي جواز السفر البريطاني وجواز سفر أوروبي خمس مرات بين المولودين في المملكة المتحدة، وتشير تقديرات مرصد المواطنة العالمية إلى أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دفع قرابة 90 ألف بريطاني لاستخراج جواز سفر ثان من دولة أوروبية، علماً أن هذا الرقم لا يشمل من حصلوا على جوازات سفر إيرلندية للمرة الأولى، والذين يُقدر عددهم ما بين 120 ألفاً ونصف مليون شخص.
أصبح بول مواطناً بولندياً بصورة رسمية عام 2018 بعد أن أنهت والدته، كريستينا مالكوفسكا، إجراءات الحصول على الجنسية بصفتها ابنة لمواطن بولندي، إذ لم يكن بمقدور بول وشقيقته التقدم إلا بعد إتمام والدتهما الطلب أولاً، وتروي كريستينا أن والدتها احتفظت بجواز سفرها البولندي القديم حتى بعد حصولها على الجنسية البريطانية، لكنها لم تحتفظ بشهادة ميلادها، وتقول "ولدت أمي عام 1927 وقد دمرت كثير من الوثائق خلال الحرب، لكن شهادة معموديتها كانت محفوظة في سجلات الكنيسة في بولندا"، وتمكنت من الحصول على نسخة منها بمساعدة كاهن الرعية هناك.
ضمن استمارة الطلب المؤلفة من 12 صفحة كان على كريستينا أن تشرح صلتها بالوطن الأم، تقول "اضطررت إلى كتابة كل ذلك باللغة البولندية، رويت قصة والديّ وأجدادي وأجداد أجدادي إلى أقصى حد تمكنت من بلوغه"، وفي نهاية المطاف خضعت الأوراق لمراجعة المحكمة التي أقرت بأنها بالفعل مواطنة بولندية.
يشعر بول، الذي يعرف أيضاً باسمه البولندي بافل، بسعادة غامرة كونه أصبح بولندياً أخيراً، وقد عبر خلال حديثه عن حماسته الشديد للإدلاء بصوته للمرة الأولى في انتخابات بولندية، ويقول "أشعر بالفخر تجاه جنسيتي، أشعر أنني استحققتها عن جدارة". يستخدم بول الآن جواز سفره البولندي للتنقل في أوروبا متجاوزاً طوابير الهجرة الطويلة التي باتت مصدر انزعاج لكثير من البريطانيين الذين صار عليهم، منذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بدء عطلاتهم في الطابور البطيء.
وعلى رغم أنه من المتوقع أن يعاد السماح للبريطانيين باستخدام بوابات العبور الإلكترونية في أوروبا بحلول العام المقبل، فإن نظام التأشيرة الإلكترونية الجديد لا يزال مقرراً أن يدخل حيز التنفيذ أواخر عام 2026، مما يقدم تذكيراً صارخاً للبريطانيين بأنهم لم يعودوا أعضاء رسميين في العائلة الأوروبية، وهذا النظام المعروف باسم "نظام معلومات وتفويض السفر الأوروبي" ETIAS، سيلزم البريطانيين بتقديم بياناتهم الشخصية قبل دخول القارة، مقابل تصريح سفر إلكتروني مرتبط بجواز السفر يجدد كل ثلاثة أعوام لقاء رسم مقداره سبعة يوروات.
أما عن الجذور الأوروبية الأكثر شيوعاً لدى المولودين في المملكة المتحدة، فتتصدر الأصول الإيرلندية القائمة بفارق كبير عن الفرنسية، ثم الألمانية فالبولندية فالإيطالية.
نشأت سارة ويلباند في كنف الهوية الإنجليزية ولم تكتشف أصولها الإيرلندية إلا عام 2000 حين عثرت على والدتها البيولوجية، وبالصدفة كانت تعيش في دبلن حينها لكنها لم تسع إلى الحصول على الجنسية الإيرلندية، وتقول إن "الإجراءات معقدة وطويلة، حياتك تكون مليئة بالانشغالات، وإذا لم تدرك قيمة شيء ما فلن تفكر في ملاحقته، لم يكن أولوية في ذلك الوقت".
لكن حدث أمر ما غير المعادلة تماماً، خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وفي تلك المرحلة كانت سارة تقيم في البرتغال ولم تكن قلقة من حقها في البقاء هناك، إذ كانت تحمل إقامة دائمة، وتقول "بجواز سفر بريطاني فقط كانت حرية التنقل لدي ستتقلص كثيراً، ولو رغبت في الانتقال إلى إسبانيا أو إيطاليا لكان ذلك بالغ الصعوبة، أما بجواز سفر إيرلندي فأنا ببساطة أوروبية".
لجأت سارة إلى والدتها البيولوجية للحصول على الوثائق اللازمة، وتقول ضاحكة "غرقت في سيل من الشهادات الرسمية، ولم أكن أعلم إن كان يحق لي التقدم للجنسية، كوني متبناة من والدين بريطانيين، لكن طالما كنت أملك شهادة ميلادي الأصلية، فلم يكن ذلك مهماً".
ومع أن الدافع في البداية كان عملياً بحتاً لكن الرحلة غيرت نظرة سارة لنفسها على نحو عميق، وتقول "أملك إرثاً إيرلندياً وأنا أحب هذا البلد من أعماقي، وهذا الأمر يعني لي أكثر بكثير من مجرد وثيقة سفر، إذا سألني أحدهم عن هويتي اليوم أقول لهم أنا إيرلندية، لأنني رسمياً كذلك، وأنا أعرّف نفسي بهذه الطريقة".
ومن الناحية التقنية فإن من يحصلون على الجنسية من خلال النسب، كما في حال سارة، لا "يتقدمون بطلب للحصول على الجنسية" بالمعنى التقليدي، كما يفعل المهاجرون، بل يقدمون مستندات كثيرة لإثبات أنهم أصلاً مواطنون، وكل ما يريدونه هو إثبات ذلك رسمياً.
ومع ذلك، وعلى رغم أن الجنسية هنا حق مكتسب بالولادة، فإن المطالبة بها قد تُثير مشاعر متضاربة.
كانت جدة توم هاريسون من جهة والده إيرلندية، لكنه أيضاً مولود في إيرلندا الشمالية مما يمنحه تلقائياً، بموجب "اتفاق الجمعة العظيم"، الحق في الحصول على الجنسية الإيرلندية، ويقول توم "عشتُ في بورتستيوارت حتى سن السادسة ثم عادت أسرتي لإنجلترا"، وقد كان يعلم دائماً أن بإمكانه الحصول على جواز سفر ثان، لكنه يضيف "لم يبد الأمر ضرورياً آنذاك، فمن الناحية العملية كان جواز السفر البريطاني أقوى"، لكن والده، الذي يرى نفسه بريطانياً حتى النخاع، لم يكن يؤيد فكرة التقدم للحصول على الجنسية الإيرلندية، بل كان يحبطه بعبارات مثل "لماذا قد ترغب في أن ترتبط بإيرلندا؟"
لكن قرار توم تغير كلياً بعدما أغلق خروج بريطانيا أبواب أوروبا في وجه حاملي الجواز البريطاني، ويقول "أنا قلق من المسار السياسي الذي تسلكه بريطانيا حالياً، والوصول إلى أوروبا مسألة حيوية بالنسبة إلي، وإيرلندا اليوم أكثر تقدماً بكثير مما كانت عليه، لقد أصبحت مكاناً جذاباً أكثر للعيش".
ويضيف ضاحكاً أن والده بدوره غير رأيه أيضاً في شأن الجواز الإيرلندي، إذ أصبح "مؤيداً بشدة للاتحاد الأوروبي" مما جعل الأمر أقل حساسية.
ومع أن ذكرياته عن أعوامه الأولى في إيرلندا الشمالية دافئة، يعترف توم بأنه غالباً ما يتساءل عما إذا كان يحق له فعلاً أن يعتبر نفسه إيرلندياً، "أنا أملك الحق القانوني نعم، لكن لا أمتلك صلة حقيقية بالثقافة، فعندما أتحدث إلى الإيرلنديين لا أشعر أن لي كامل الأهلية لأدعي هذا الانتماء".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولا تمنح معظم الدول حق الحصول على الجنسية إلا لجيل واحد وربما جيلين، وفقط إذا توافرت شروط محددة، وغالباً ما تكون محدودة ومعقدة، لكن كنوع من التعويض والتكفير عن مآسي الماضي، خصصت دول مثل ألمانيا والنمسا وإسبانيا والبرتغال مسارات خاصة لأولئك الذين فقدوا جنسيتهم بسبب الاضطهاد السياسي أو العرقي أو الديني، وفي ألمانيا مثلاً تنطبق هذه القواعد على الأشخاص الذين سلبوا جنسيتهم خلال فترة حكم النظام النازي بين عامي 1933 و1945، وكذلك على ذويهم من الأجيال اللاحقة.
ومن هنا تأتي قصة بيتر فليمينغ، المولود في المملكة المتحدة والذي قضى أعواماً عدة يبحث في تفاصيل السنوات الأولى من حياة جده موريتز الذي ولد في ألمانيا عام 1910 قبل أن تهاجر أسرته إلى الولايات المتحدة، ويروي بيتر "كان موريتز يرغب في الالتحاق بكلية الطب، لكن في تلك الحقبة كانت الولايات المتحدة تفرض حداً لعدد الطلاب اليهود المقبولين للدراسة في الطب، ولذلك قرر موريتز الانتقال إلى ألمانيا عام 1932 لمتابعة تعليمه، حيث أكمل دراسته الطبية في مدينة كونيغسبرغ التي تعرف اليوم باسم كلينينغراد [الروسية] وتخرج موريتز عام 1938 وعاد للولايات المتحدة في توقيت يعد مثالياً".
ويمتلك بيتر عدداً من نسخ الوثائق التي تثبت كل هذه التفاصيل، لكن الألمان يطالبون بالأوراق الأصلية فقط، ويقول "عليّ إثبات أن موريتز كان مقيماً بصورة قانونية في ألمانيا قبل يناير (كانون الثاني) عام 1933 عندما أصبح هتلر مستشاراً"، وهو الآن يحاول الحصول على سجلات الشحن التي تثبت وصول موريتز إلى هامبورغ أواخر عام 1932، وبعد ذلك سيحين وقت تقديم الطلب، متمنياً أن تكون الأدلة كافية.
دافع بيتر وراء كل هذا بسيط، "أريد استعادة حرية التنقل، أريد تلك الحرية، ليست لدي جذور ألمانية عميقة، فقد عاش موريتز في ألمانيا 10 أعوام تقريباً، أشعر بانتماء أكبر لأوروبا بصورة عامة أكثر من ألمانيا بخاصة". وعلى رغم ذلك فقد أثبتت هذه الرحلة جدواها، بخاصة بعدما تحولت إلى مشروع عائلي للبحث والتنقيب، فلم يكن موريتز يتحدث كثيراً عن تلك المرحلة من حياته، لكن بيتر يمتلك نسخاً من رسائل رسمية صادرة عن الجامعة ومطبوعة على أوراق تحمل شعار الصليب المعقوف، تُحذره من أنه لن يسمح له بممارسة الطب لأنه يهودي، وعلى رغم أننا لا نعلم على وجه الدقة ما الذي كان يدور في ذهن موريتز حين غادر ألمانيا، لكن من المؤكد أنه كان يدرك أن الأمور لن تسير في مصلحته إن بقي هناك.
يقول بيتر "جعلني كل هذا أفكر كثيراً في العائلة، وحتى لو لم أحصل على الجنسية الألمانية في النهاية فإن ما تعلمته سيكون ذا قيمة كبيرة بالنسبة إليّ".
© The Independent