ملخص
رئاسة البرلمان دخلت على خط الأزمة، وأصدرت بياناً عبرت فيه عن "أسفها الشديد" حيال قرار وزارة المالية الاتحادية القاضي بقطع رواتب موظفي إقليم كردستان، معتبرة أن الإجراء لا يضر فقط بمواطني الإقليم، بل يهدد بخلق أزمة اقتصادية ذات أبعاد سياسية ودستورية في لحظة حساسة من العلاقة بين بغداد وأربيل.
قبل أشهر من الانتخابات النيابية المقرر إجراؤها في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تصاعدت حدة الخلاف بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان، بعد أن أعلنت وزارة المالية عدم الاستمرار بتمويل رواتب الإقليم لـ"تجاوزه الحصة المقررة بقانون الموازنة الاتحادية وهي 12.67 في المئة، بمبلغ 13.547 تريليون دينار (10.5 مليار دولار) من إجمالي الصرف الفعلي".
جاءت هذه الأزمة بعد أيام من توقيع حكومة إقليم كردستان عقوداً غازية مع شركات أميركية ووسط اعتراضات حكومية عراقية، معتبرة هذه العقود غير شرعية كونها جاءت من دون علم وزارة النفط الاتحادية مما زاد من وتيرة الأزمة، وعلى رغم محاولات عديدة من حكومة الإقليم ونوابها في البرلمان العراقي لحلحلة وتيرة الأزمة فإن حكومة بغداد أصرت على موقفها.
رئاسة البرلمان دخلت على خط الأزمة، وأصدرت بياناً عبرت فيه عن "أسفها الشديد" حيال قرار وزارة المالية الاتحادية القاضي بقطع رواتب موظفي إقليم كردستان، معتبرة أن الإجراء لا يضر فقط بمواطني الإقليم، بل يهدد بخلق أزمة اقتصادية ذات أبعاد سياسية ودستورية في لحظة حساسة من العلاقة بين بغداد وأربيل.
أهداف انتخابية
هكذا دب الخلاف بين البرلمان العراقي برئاسة محمود المشهداني (سني)، إضافة إلى نائبين هما محسن المندلاوي المدعوم من "الإطار التنسيقي"، وشاخوان عبدالله الذي ينتمي إلى المكون الكردي، والسلطة التنفيذية قبل أشهر من نهاية عمر البرلمان والحكومة.
بيد أن القيادي السني محمد الحلبوسي اتخذ الموقف المؤيد للحكومة من خلال تقديمه مقترحاً لحل مشكلة رواتب الإقليم، يتمثل بضرورة حصر عملية استخراج وتسويق النفط والغاز والثروات الطبيعية بالحكومة الاتحادية حصراً، وكذلك الأمر بإدارة وحماية الحدود والمنافذ وفرض الرسوم والتعرفة الجمركية لمنع التهريب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبحسب مقترح الحلبوسي فإنه في مقابل ذلك تتحمل الحكومة نفقات الشعب العراقي، وتوزيع التخصيصات المالية في أبواب الموازنة للوزارات والمحافظات والإقليم وبحسب التمثيل السكاني بعدالة، مع احتساب نسبة مئوية متفق عليها من العائدات للإقليم والمحافظات المنتجة والمحافظات التي توجد بها منافذ.
مقترح الحلبوسي أثار انتقادات لاذعة من قبل عدد من الشخصيات الكردية، مما يشير إلى زيادة حدة الأزمة، لا سيما في ظل مطالبات برزت بتدويل القضية.
وبحسب القيادي الكردي ووزير الخارجية السابق هوشيار محمود، فإن العلاقة بين الحكومة المركزية العراقية في بغداد، وإقليم كردستان العراق، سيئة بخاصة بعد قرار وقف تمويل رواتب موظفي كردستان، مشيراً إلى إمكانية تدويل أزمات الإقليم.
ووفق متابعين للشأن السياسي، فإن موقف بغداد جاء كرد فعل على قيام كردستان بتوقيع عقود غازية مع شركات أميركية بمعزل عن حكومة بغداد، موضحين أن تلك المواقف وراءها أهداف انتخابية، ما سينعكس على موقف الكرد في التحالفات المستقبلية.
تعهدات مكتوبة
يرجح أستاذ العلوم السياسية بالجامعة المستنصرية عصام الفيلي، أن أية تعهدات حكومية لن يقبل بها الكرد ما لم تكن مكتوبة وبرعاية دولية، مشيراً إلى أن الأزمة افتعلت من أجل عرقلة حصول السوداني على ولاية ثانية.
وقال الفيلي "هذه الأزمة تكاد تكون صدمة، حيث إن المحكمة الاتحادية ألزمت عام 2024 الحكومة العراقية بدفع رواتب موظفي إقليم كردستان بعد توطينها، وكانت هناك معالجة لموضوع الرواتب بحيث يسلم الإقليم نفطه إلى شركة تسويق النفط العراقية (سومو)، لكن غلق خط النفط المار عبر الأراضي التركية عرقل الأمر".
وأضاف أن ذهاب رئيس وزراء حكومة الإقليم مسرور برزاني إلى الولايات المتحدة وتوقيعه عقود غاز مع شركات أميركية أدى إلى تفجير الأزمة، ويبدو أن هذا الأمر مدفوع من قوى خارجية، حيث إن إنتاج الغاز سيأتي بالنفع على العراق ويحرره من الحاجة إلى إيران.
يرى الفيلي أن هناك بعض الأطراف سعت إلى إيجاد هذه الأزمة بدفع خارجي مع قوة داخلية تريد أن تستثمر الأزمة بين الحكومة والإقليم من أجل أهداف انتخابية.
واعتبر أن عملية استثمار نفط الإقليم وتصديره سيكون نافعاً للحكومة الاتحادية، إذ ستعمل الموارد المالية له على تسديد الرواتب مما يغنيها عن تحمل كلفها، وكذلك لن يستورد غازاً من خارج العراق.
وعن التحالف المستقبلي بين الكرد والأحزاب التي تشكل الحكومة، بين الفيلي أن هذه القوى الممسكة بإدارة الدولة إذا أرادت التحالف مع الكرد مستقبلاً فإنها ستغض الطرف عن جميع المشكلات، سواء كان موضوع الغاز أو الرواتب، مرجحاً أن الكرد سيطالبون برعاية دولية لأي اتفاق مع الحكومة، بالتالي سيكون تشكيل الحكومة محكوماً بشرطين: موضوع العقود النفطية، ورواتب الموظفين.
وخلص الفيلي إلى أن بعض الجهات المناوئة للسوداني عملت على زيادة وتيرة الأزمة للضغط عليه من أجل منع أي تحالف مستقبلي بينه وبين الكرد.
رد فعل
من جانبه، يوضح الباحث السياسي الكردي عبد السلام برواري، أن ما قامت به حكومة بغداد هو رد فعل على توقيع الإقليم عقوداً غازية مع واشنطن، داعياً المفاوض الكردي إلى عدم الدخول في تحالفات مستقبلية من دون ايجاد حل جذري لأزمة رواتب الإقليم.
وقال برواري إن "توسيع عملية الاستثمار في مجال الغاز سيؤدي إلى تحسين منظومة الكهرباء بالعراق، ومنع هدر ملايين الدولارات لجهة أخرى"، مشيراً إلى أن "الحكومة الاتحادية اختلقت الحجج وقطعت الرواتب كرد فعل، وأتوقع أن تطلق الرواتب قريباً بعد اتصالات ستجري بينها وبين الإقليم".
ودعا برواري المفاوض الكردي إلى عدم الدخول بمفاوضات تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة ما لم يتم التوصل إلى حل جذري لمنع تكرار هذه المشكلات، على أن يأخذوا ضمانات من الحكومة الاتحادية، رافضاً ما سماها "سياسة التجويع" التي تقوم بها الحكومة الاتحادية.
وخلص إلى أنه لا يحق للوزير أن يصدر قراراً بخلاف الحكومة الاتحادية، وأن المحكمة الاتحادية ألزمت الحكومة بدفع رواتب الإقليم بصرف النظر عن أي خلاف سياسي.
بدوره، بين الكاتب والصحافي باسم الشرع، إن حل مشكلة رواتب الإقليم بحاجة إلى تعديل الموازنة، مشيراً إلى أن المشكلة لن تتطور وإنما ستبقى في ظل التصعيد الإعلامي.
وأضاف "هذه الأزمة متكررة وليست جديدة، فهناك التزامات من الطرفين يجب تنفيذها، وفي الموازنة هناك حصة الإقليم التي ترسلها الحكومة الاتحادية إليه على أن يوزع هو رواتب موظفيه، لذا فقضية ذهاب الرواتب بشكل مباشر من الموازنة بحاجة إلى تعديل في القانون بموافقة الإقليم وحكومة بغداد".
وبين الشرع أن الحكومة الاتحادية تعمل وفق الدستور، وعلى الإقليم تسديد إيرادات الجمارك وواردات لنفط المصدر بعيداً من الحكومة الاتحادية، موضحاً أن الخلاف تصاعد بعد أن تراجعت إيرادات العراق المالية، ولم يعد قادراً على الاستمرار بمستوى الإنفاق الكبير، خصوصاً بعد عمليات تعيين ومشاريع كبرى في العراق.