ملخص
في بلد يُصدّر السكر إلى العالم، تدفع نساء معدمات ثمناً غالياً لا يُرى، في صمت مطبق. الرحم لم يعد رمزاً للخصوبة في هذه الحقول... بل عبء يُستأصل ليُستبدل بالكدح والديون.
كان العمل الشاق منقوشاً في خطوط راحتيها، وبـ"بيندي" سوداء تزين جبينها، كانت سوربورنا نايثيني تعبر يومياً عن أنوثتها، على رغم أنها ضحت بأمومتها منذ أعوام حين اضطرت إلى استئصال رحمها كي تسد رمق جوعها. تبلغ سوربورنا من العمر الآن 45 سنة، وقد زوجت وهي لم تتجاوز الـ13 من العمر. تنتمي إلى أسرة توارثت العمل الزراعي، إذ عمل أهلها وأهل زوجها، عبر أجيال متعاقبة، في حقول قصب السكر في الهند. ويشارك جميع أفراد أسرتها، صغاراً وكباراً، في زراعة القصب وقطافه.
إن العمل القسري في هذه الزراعة المرهقة، التي تتطلب جهداً جسدياً شاقاً، يفرض على النساء أقسى التضحيات: التخلي عن أرحامهن. ففي سن الـ22، خضعت سوربورنا لعملية استئصال الرحم. وكلما استرجعت ذلك اليوم، يخيم الصمت على ملامحها، كأن جرحاً دفيناً لا يزال ينزف في أعماقها، يؤلمها بلا انقطاع ويطاردها في كل حين.
عمل قاس لا يعرف الرحمة
تقول في حديثها إلى "اندبندنت عربية"، إن قطع قصب السكر عمل قاس لا يعرف الرحمة. ففي قرية كوثي الواقعة في مديرية بيد بولاية ماهاراشترا الهندية، وهي إحدى أكثر المناطق الريفية، تهاجر سوربورنا سنوياً خلال موسم الحصاد برفقة نساء مهاجرات أخريات، للقيام بأعمال شاقة.
تبدأ أيام العمل عند الخامسة فجراً ولا تنتهي قبل الـ11 ليلاً مع فترات راحة نادرة، بل نادرة حتى لقضاء الحاجة. وما إن يجتز الحقل حتى تبدأ مرحلة تجميع أعواد القصب في حزم تزن الواحدة منها 45 كيلوغراماً، تحمل على الرؤوس وتحمل في الشاحنات عبر سلم لا يستخدم إلا للصعود. أما النزول، فبقفزة من ارتفاع يراوح ما بين ثلاث وأربع أقدام. لا تتجاوز ساعات النوم أربعاً أو خمساً في خيمة موقتة تقيم فيها سوربورنا، على رغم امتلاكها منزلاً، توفيراً للوقت والجهد اللذين يتطلبهما التنقل. وبعد يوم طويل تحت شمس لاهبة، لا يختلف ليلها عن نهارها في قسوته، تستأنف الدورة ذاتها من جديد مع بزوغ الفجر. تستمر هذه الدوامة المرهقة على مدار ستة أشهر، من أكتوبر (تشرين الأول) إلى مارس (آذار)، تهاجر خلالها النساء مع عائلاتهن بين ولايتي ماهاراشترا وكارناتاكا، طلباً لعمل موسمي شاق لا يرحم.
تحكي سوربورنا أنها بدأت العمل في الحقول بعد زواجها مباشرة. وقد طلب منها مراراً استئصال رحمها، لكنها كانت ترفض على أمل أن تتفادى ذلك. غير أن الالتهابات المتكررة التي سببتها ظروف العمل القاسية أجبرتها في النهاية على الرضوخ. وكانت معظم النساء العاملات معها قد خضعن مسبقاً لهذا الإجراء، فنصحنها بأن تفعل الأمر ذاته.
واليوم، بعد العملية، تعاني سوربورنا مضاعفات شتى، من آلام جسدية إلى صداع دائم، إضافة إلى مشكلات في العضلات والعظام. ومع ذلك لا تزال تواصل نوبات العمل الشاقة التي تمتد لـ18 ساعة يومياً خلال موسم الحصاد، وكأنه لا خيار آخر أمامها.
"دين يقيدها"
من بين النساء اللاتي تحدثنا إليهن في مقاطعة بيد، برزت قصة مامتا ديفي، البالغة من العمر 85 سنة، التي لا تزال، على رغم تقدمها في السن ومشكلاتها الصحية، تذهب يومياً إلى الحقول للعمل الشاق. شأنها في ذلك شأن كثير من نساء قريتها، إذ كانت قد حصلت منذ أعوام على دفعة مقدمة من مقاولي قصب السكر، وهو دين لا يزال يقيدها ويجبرها على مواصلة العمل. تقول مامتا، "ليس لدي خيار آخر حتى أسدد ما علي، لا بد أن أواصل العمل حتى آخر نفس".
في سن الـ26، خضعت مامتا لعملية استئصال الرحم بعد معاناة شديدة من الألم والنزف خلال موسم الحصاد.
تؤكد أنها لم ترَ طوال حياتها أي مرافق مخصصة للنساء في تلك الحقول تساعدهن على التعامل مع الدورة الشهرية. تقول "عملت في حقول كثيرة في أنحاء ماهاراشترا، لكنني لم أرَ أبداً مرحاضاً أو حماماً للنساء. الرجال يمكنهم الذهاب إلى أقرب بركة للاستحمام، ويقضون حاجتهم في العراء في أي وقت، ليلاً أو نهاراً. أما نحن، فأين نذهب؟ كنا ننتظر حلول الظلام، وفي الصباح الباكر، بينما لا نزال في نصف نومنا، نذهب إلى الحقول لقضاء الحاجة. وإذا لم نتمكن من ذلك في الوقت المناسب، نضطر لحبسها طوال اليوم، مما يسبب لنا آلاماً في البطن والتهابات مستمرة". وتشير إلى أن بعض النساء يضطررن للبقاء لأسابيع من دون استحمام.
لا إجازات
في غرب ولاية ماهاراشترا وبعض مناطق ولاية كارناتاكا، تعمل النساء في حقول قصب السكر من 18 إلى 20 ساعة يومياً، في ظل غياب تام لأبسط مقومات النظافة أثناء الدورة الشهرية، مثل الماء والمراحيض والفوط الصحية والخصوصية، بل وحتى الوقت.
أفادت معظم النساء اللاتي تحدثنا إليهن بأنهن يضطررن إلى تمزيق قطعة من تنورتهن الداخلية لصناعة فوطة صحية. وغالباً ما يستخدمن القطعة نفسها ليومين أو ثلاثة من دون تغيير. تقول دوراركا سوبان، "إن النساء العاملات في هذا القطاع يعانين بصورة متكررة من التهابات في المسالك البولية والمهبل، وقد عانت هي نفسها آلاماً حادة في البطن منذ سن الـ31.
وكشفت تقارير استقصائية حديثة أن عاملات قصب السكر في مقاطعة بيد يخضعن لعمليات استئصال الرحم بأعداد كبيرة. ووفقاً لبحث أجرته منصة "باهن باكس" المعنية بحقوق المرأة، توجد قرى في ماهاراشترا أقدمت أكثر من 50 في المئة من نسائها العاملات في الحقول على إجراء هذه العملية. المقاولون الذين يدفعون أجوراً للنساء، لا يرغبون في أن تأخذ العاملات أي إجازات خلال الدورة الشهرية للعناية بأنفسهن أو للراحة. ويذكر أن عملية قطع القصب غالباً ما تجري من قبل الأزواج، وأشار التقرير إلى أن تغيب الزوج أو الزوجة ليوم واحد فقط يفرض عليهما دفع غرامة تصل إلى 500 روبية (6 دولارات).
"نظام أشبه بالعمل القسري"
وفقاً لتقرير أعدته منظمة غير حكومية، مؤسسة حقوق المزارعات (ماكام) وقُبل من قبل الحكومة، "بلغ عدد النساء العاملات في قطع قصب السكر في مقاطعة بيد 82,309 نساء عام 2019، ومن بينهن خضعت 13,861 امرأة، أي ما يعادل نحو 17 في المئة، لعملية استئصال الرحم.
تقول الكاتبة والناشطة في المنظمة مانيشا توكلي، "في كل عام، وخلال موسم حصاد قصب السكر في ولاية ماهاراشترا، كثير من النساء من المجتمعات المهمشة يواجهن خياراً قاسياً: إما الحفاظ على أعضائهن التناسلية أو الحفاظ على مصدر رزقهن". ففي المناطق الجافة مثل بيد وعثمان آباد ولاتور ونانديد، تتزايد أعداد النساء اللاتي يخضعن لعمليات استئصال الرحم لتجنب الدورة الشهرية وضمان الاستمرار في العمل من دون انقطاع.
وتابعت، "غالباً ما تكون النساء عاملات موسميات مهاجرات، يخضعن لنظام أشبه بالعمل القسري، إذ يمكن أن يؤدي التغيب الموقت، بسبب آلام الدورة الشهرية، إلى خصومات في الأجور أو فرض غرامات أو حتى فقدان الوظيفة.
الحكومة غير مبالية بالأوضاع؟
الحكومة لا تعطي الأولوية لمعاناة هؤلاء النساء، ولهذا السبب لا تجرى أي مسوحات رسمية تخص معاناتهن. يقول الخبراء إنه لو أجرت الحكومة مسوحات حول مشكلاتهن لكان عامة الناس على دراية بمعاناتهن، وهو أمر لا ترغب الحكومة بحدوثه. تشرح الصحافيات العاملات في قضايا المرأة، مثل سنيها راشاريا، أن حكومة الولاية الحالية تركز على قضايا أيديولوجية مثل "المسلمين غرباء وليس لهم مكان في الهند"، وإعلان بعض المساجد غير قانونية، وفرض قيود على التضحية بالحيوانات في عيد الأضحى. تحظى هذه القضايا باهتمام واسع من قبل الوزراء الذين يطلقون التصريحات العلنية حولها باستمرار، لكن حين يطرح عليهم السؤال عن المشكلات الحقيقية التي تواجه النساء، يقعون في حيرة ويجهلون الإجابة.
وتشير سنيها إلى أنه، على سبيل المثال، لم يصدر تقرير رسمي عن هؤلاء النساء منذ أعوام طويلة. وكانت آخر دراسة أجريت في 2019-2020 من قبل منظمة غير حكومية شملت 1042 امرأة تعمل في قطف قصب السكر في ثماني مديريات بولاية ماهاراشترا. كشفت الدراسة أن 83 في المئة من بين 946 امرأة في سن الإنجاب تستخدم خرقاً قديمة أثناء فترة الحيض، و92 في المئة منهن يغسلنها ويعدن استخدامها. ومع ذلك جففت 76 في المئة فقط القماش قبل إعادة الاستخدام، في حين استخدمت النسبة الباقية قطعاً مبللة. وأفادت 59 في المئة فقط من النساء بتوفر المياه في أماكن عملهن. وقبلت الحكومة هذا التقرير في أغسطس (آب) 2019، إلا أنها لم تتخذ أي إجراء تنفيذي حتى الآن.
وأكدت بارناما شاه، التي أجرت بحثاً حديثاً حول قضايا هؤلاء النساء بمساعدة منظمة "لادلي"، أن المؤسسات الصحية الحكومية على دراية بالأزمة. وأوضحت أن المستشفيات الحكومية تستقبل نساء تراوح أعمارهن ما بين 25 و40 سنة يعانين إفرازات بيضاء والتهاب عنق الرحم ونزف الرحم. ومع ذلك لا يلجأ هؤلاء للعلاج إلا عندما تصل حالهن إلى مرحلة حرجة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
السكر... مرارة للمنتجين
لا يكتمل طعم الحلاوة من دون السكر في أنحاء العالم، وهذه الحلاوة تأتي من قصب السكر، لكنه في الوقت نفسه يجلب عاصفة من المشكلات إلى حياة هؤلاء النساء. يروي السكان المحليون أن زراعة قصب السكر مربحة، ولكن العائد المالي يذهب فقط إلى كبار ملاك الأراضي والشركات الكبيرة، بينما لا يحصل العمال على نصيب يذكر. مع بدء موسم الحصاد، تعين الشركات وأصحاب الأراضي مقاولين يعرفون بـ"الوسطاء" أو "تيكدار" للبحث عن العمال، وغالباً ما يستهدف هؤلاء الوسطاء النساء الفقيرات من دون الرجال، لأن الرجال يطالبون بأجور أعلى ويرفضون العمل في الحقول النائية. عادة ما تتضمن عقود الحصاد شخصين، غالباً زوجاً وزوجته، يتلقون سلفاً تراوح ما بين 40 ألفاً و100 ألف روبية (ما يعادل نحو 480 إلى 1.200 دولار أميركي) ونتيجة ذلك، لا تتمكن هذه الأسر من زراعة أراضيها الخاصة، إذ يعودون بعد موسم الحصاد ليجدوا الصيف والجفاف قد بدءا.
استئصال الرحم... لا مفر منه
تشير أبحاث إدارة الصحة في ولاية مهاراشترا إلى أن السبب الرئيس لعمليات استئصال الرحم هو نزف الرحم (DUB). وتشمل الأسباب الأخرى آلام البطن والإفرازات البيضاء والأورام الليفية. تجرى معظم هذه العمليات للنساء اللاتي تراوح أعمارهن ما بين 41 و50 سنة، تليها الفئة العمرية من 36 إلى 40 سنة، وتنفذ 90 في المئة منها في مستشفيات خاصة. إلا أن النساء العاملات في هذه المهن الشاقة تبدأ لديهن الأعراض في سن مبكرة جداً. ولا تجري المستشفيات الحكومية عمليات استئصال الرحم في المراحل المبكرة، بل تنتظر حتى تتفاقم الحال وتعد الجراحة ضرورية. ونتيجة ذلك، تحال النساء إلى مستشفيات خاصة، حيث ترتفع كلف العلاج بصورة كبيرة، مما يثقل كاهلهن بالديون ويدفعهن إلى العمل لأيام أطول في ظروف شاقة لسدادها.
دوارخا سوبان التي تبلغ من العمر 70 سنة، أزيل رحمها في سن 22 بعد تعرضها لنزف حاد أثناء تقطيع قصب السكر، وقد أجريت الجراحة من دون علمها أو موافقتها. تروي قائلة "كان لباسي يتلطخ بالدماء، وكان الدم ينزف حتى قدمي. كان المقاول يراه لكنه كان يوبخني لأواصل العمل". ولا تزال مديونة بقرض أخذ لتغطية كلفة العملية. وتقول سنيها التي أعدت تقارير عدة عن المنطقة، إن الحكومة شكلت لجنة منذ أعوام لكنها لم تتخذ أي خطوات فعلية. الحقيقة المؤلمة أن هؤلاء النساء الفقيرات لا يحصلن على أي دعم أو رعاية، وقد أجبرن على العمل القسري جيلاً بعد جيل، ولا تبدو هناك مؤشرات إلى توقف هذا الظلم في المستقبل القريب.