التونسي عبد الحليم المسعودي يدخل كهف الغرائب بنص مسرحي

"الروهَة" وقائع وشخصيات  بين العراق وتونس واقعيا وخياليا

غلاف مسرحية عبد الحليم المسعودي (دار مسكلياني)

لا نعرف متى وكيف وجد  الكاتب التونسي عبد الحليم المسعودي طريقه إلى نص "الروهة"(دار مسكلياني،تونس) وما هو حجم العذابات والكوابيس التي خاضها وهو يكتب هذه المسرحية المتعددة في أصواتها وشخصياتها ومناهلها الميثولوجية، والتي يرويها عبر ثمانية فصول، سارداً حيوات ومصائر متعددة لشخصيات قُذِفَ بها في حفرة مقبرة جماعية. تدور أحداث هذا النص في مدينة الموصل، أثناء قيام القوات العراقية عام 2016 بتحريرها من تنظيم داعش، ليلتقي "شمس الدين" مقاتل تونسي من مقاتلي "الدولة الإسلامية" مع "شاه بانو- أناهيد" مقاتلة من قوات حماية المرأة الكردية، وهذان يلتقيان بـ "صالحة التومي" المرأة التونسية التي غرّر بها أحد الشبان الفرنسيين المقيمين في تونس، ليصطحبها معه إلى رحلة الجهاد في العراق وسورية.

تحضر في النص شخصيات عديدة منها "أمير يونس" و"كُجّه مُجّه- اسم الدلع ليأجوج ومأجوج" الرجلان العراقيان اللذان يحملان ذكريات سعدي الحلي الشاعر العراقي الشعبي، وصفيّ الدين الأرموي الموسيقي والخطاط في بلاط العباسي المستعصم بالله، جنباً إلى جنب مع سيرة الشاعر التونسي الراحل أولاد أحمد 1955-2016. أجواء يسوقها المسعودي في مناخ الكهف الأفلاطوني عبر رواية الظلال التي تكتشف أنها ليست سوى وهم، وانعكاس أشعة الشمس على أجسامها، أو هي في رواية أخرى "أهل الكهف" في تناص مع المناخ الأقرب إلى بطن الحوت الذي علق فيه النبي يونس.

كل ذلك يروي حكاية "الروهة" والتي تعني "الروح الشريرة" في الفقه الصابئي المندائي، و"الروهة" هي أم عالم الظلام كما وردت في "كنزربا" الكتاب المقدس للصابئة المندائيين، حيث أفاد أستاذ علوم الجماليات المسرحية في جامعة سوسة من هذين الكتابين، ومن مصادر كثيفة في وضع نصه المسرحي، كان أولها المقالات الإخبارية والاستقصائية، في ما يتعلق بالأحداث الخاصة بظهور "تنظيم الدولة في العراق والشام" وعلى رأسها كتاب الباحث التونسي الهادي يحمد "كنتُ في الرقة" 2017، بالإضافة للاستعانة بكتاب "بغداد السبعينيات، الشعر والمقاهي والحانات" (دار المدى، 2014)" للكاتب والشاعر العراقي هاشم شفيق، جنباً إلى جنب مع كتاب "شارع الرشيد، عين المدينة وناظم النص" للكاتب العراقي ياسين النصير(دار المدى، 2003).

الخوف والفراغ

هكذا تتحرك شخوص النص المسرح الشعري، مولمةً لأنثى الظلمات "الروهة" التي تمثّل هنا الخوف الممزوج مع حليب الأمهات، والتي يوردها الكاتب في سياقات عديدة، مطوّحاً بنا في مجالات من الفراغ السديمي، حيث العبور من عالم الظلمة إلى عالم النور، ومن الحياة عبر البرزخ إلى الموت والعدم، لكن النص لا يمضي في توليفات سحرية فحسب، بل هو يتلامح بين الواقعي والمتخيل، وفي خليط من اللهجات العراقية والتونسية والسورية، وصولاً إلى اكتشاف أن الأحداث تدور داخل حلم "أمير يونس" المخرج المسرحي العراقي الذي تنجح حبيبته "لحاظ" في عبور الحدود؛ وتحقيق حلمها في الهجرة إلى برلين، والعمل مع فرقة الكريوغراف اليابانية "ميناكو ساكي". نعرف هذا من اتصالها مع بطل المسرحية في آخر فصل من فصولها، والذي سيكشف لنا تباعاً أجواء قاتمة من فظاعات الموت وعمليات الإعدام الجماعية.

التناص سمة من سمات "الروهة" والتي يقتبس منها عبد الحليم منتشلاً نصوصاً من كتاب "الأبستا" المدونة المرجعية المقدسة للديانة الأهورامزدية، أضف إلى ورود العديد من العبارات المقتبسة من كتاب "الفنديداد" أو كتاب "مخالفة الشيطان" النصوص الزرادشتية التي يعتقد أنها مكتوبة في القرن الثالث قبل الميلاد، حيث ترصد هذه النصوص تمظهرات الأرواح الشريرة. كل هذا يمكن أن يرد معك بالتوازي مع ذكريات من مدن وبلدات عراقية وتونسية وسورية، إذ تسير أحداث النص مع ذكريات عن فرقة المسرح الجديد لفاضل الجعايبي، والمناضل الراحل شكري بلعيد في تونس، وصلاح القصب المخرج المسرحي العراقي، وعبد الله أوجلان مؤسس حزب العمال الكردستاني. هؤلاء جميعهم سيشكلون في نهاية المطاف، ما يشبه مرادفات لذاكرة جماعية؛ تستعيد فكرتها عن أوطانها المهتزة، في لحظات من التأمل والنوستالجيا والشعور العارم باللاجدوى!    

شخصيات ومخلوقات وموجودات، جثث وجماجم وآلات موسيقية مكسورة، وأطياف لهيكل عظمي لحوت عملاق متحجّر، وقناديل بحرية، وجثث تتساقط من علِ. كل هذا في هوة مظلمة وهاوية من مياه نورانية. هكذا ينسج صاحب "الأقماط والأكفان" ملحميته بأناة ودقة، متوغلاً بين الماضي الدموي والحاضر العبثي، منشئاً لغة نصية ذات مستويات عديدة للقراءة، لتشكل مادة الحلم مقترحاً لا نهائياً من الصور والأصوات التي يستحضرها المسعودي إلى لجة من العتمة والدماء والمياه العميقة، وعبر حوارية تبتعد عن الشعر المسرحي، نحو إعادة إنعاش المسرح الشعري العربي، من دون التخلي عن بنية درامية متماسكة، وصراع يجعل "الروهة" ليس نصاً للقراءة فحسب، بل ثمة إحالات إخراجية واضحة ومتناهية في دقتها في رسم فضاء اللعب، وعزله أو دمجه مع فضاءات الفرجة والجمهور على ركح واحد.

شخصيات وخفايا

تشريح ونبش في أفكار التطرف والتصوف في آنٍ، لعبة يديرها الكاتب عبر حفيف لغوي متصاعد، يميط اللثام عن خفايا شخصياته، متكئاً على "الخروج من كهف أفلاطون" إلى نور الحقيقة، ومتخذاً من السبات المديد للنصوص القديمة مسارب لمقاربة أبعاد التراجيديا المعاصرة التي جعل "داعش" فيها معادلاً موضوعياً لحركات ما بعد الحداثة، وتجلياتها في العنف المادي والتراثي والديني. إنها حفريات مضنية على هامش التاريخ الرسمي، ومحاولة لاستقراء جذور العنف والدموية في مجتمعات غيبية ومقهورة من سلطات الأبد والآخرة في آنٍ معاً، وذلك من دون التخلي عن دفق لغوي متناغم ومنسجم مع روحانية الشرق، ونزوعه للتفكير بأسئلة السماء وقوى الطبيعة الغامضة.

صعب للغاية ما أقدم عليه صاحب "جمهورية الحمقى" في بحثه عن طبيعة التراجيديا التي تحكم الإنسان في ظل حروب عرقية ودينية، لاسيما تعويله على إحياء التصور الدرامي للمسرح الشعري، والابتعاد عن البعد الغنائي القصصي في سرده الأقرب إلى الروائي، من غير التخلي عن موضوعية النفس البشرية، وتغليب الصراع الداخلي للشخصيات على صراعها الأفقي مع الشخصيات الشريكة في اللعبة المسرحية. نفهم تباعاً هذا الغموض المقصود والذي يلف شخوص النص، لتتكشف لنا طاقة إنسانية لا تستجدي ولا تتسول عواطف، بقدر ما تشير إلى هدم الحدود بين الشعبي والسحري، بين الخرافي والروحاني. غابة من الرموز والإشارات والدلالات التي تلقي ظلالها على النص، آخذةً القارئ إلى مراجعات جدية في الهويات الراكدة، وقوالب التفكير الجماعية الراسخة في الذهن والمخيلة، ليأتي النص مركّباً في خطاب تبشيري كما في ما يلي: "كن مني كما كان ابني (أور) من نفسي، سأهيّء لكَ ثلاثمئة وستين قماطاً أنقلكَ فيها من واحدٍ إلى واحد كل ألف عام؛ حتى لا تموت، سأجعلكَ أبدياً لا تفنى، وأفتح أمامكَ خزائن الدنيا والأسرار، وستكون رضيعي وعشيقي، جبّار الظلام".

عبر هذه الأسلوبية يمضي بنا صاحب "النار والرماد" إلى ما يشبه "قفزة في الظلام" مبتعداً عن سياقات مستهلكة ومكررة، بل بالاعتماد على سياقات مغايرة لجعل المتخيل شاخصاً أمامنا بكل رعبه وأنانيته وسخطه على بيئاته المحلية، ومنابته المتآكلة في ظل حروب بدت أنها تتناسخ من بعضها، وتنمو باطراد لتصبح الأرض كلها محض مقابر جماعية، يُرمى إليها البشر وهم موثوقو الأيدي والأرجل، ومعصوبو الأعين، ثم يهال التراب على وجوه الضحايا، في القبور التي حفروها بأيديهم كي تصبح أضرحة مجهولةً لهم، ولصرخاتهم التي سمعها القتلة فقط.  

المزيد من ثقافة