Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الرسامة ليلى داغر تنسج مدينة من ورق وخيطان

المنظر البيروتي مرآة للهوية ومسرح للحياة الصلبة والهشّة

لوحة من معرض الرسامة ليلى داغر (خدمة المعرض)

ملخص

في قلب العاصمة اللبنانية بيروت، حيث تتشابك الأزقة الضيقة بالأحياء الشعبية مع حياة يومية متقلبة ومليئة بالتناقضات، تبرز أعمال الرسامة ليلى داغر في معرضها الجديد الذي تقيمه تحت عنوان "حوار غير متوقع".

تُعيد الرسامة ليلى داغر في معرضها الذي تقيمه في غاليري 56 Art on في الجميزة رسم ملامح المشهد المديني، بأسلوب متميز يجمع بين الكولاج الورقي والكرتوني والرسم والتطريز بالخيطان. هذه الفنانة، التي تنتمي إلى جيل ما بعد الحرب، اختارت أن تُعبّر عن ذاكرة المدينة المهمشة من خلال أدوات بسيطة لكن مشحونة بدلالات جمالية واجتماعية عميقة.

في المرحلة الأولى من أعمالها (2024)، رسمت ليلى داغر مشاهد مستوحاة من الأحياء الشعبية، بأزقتها الضيقة التي تفوح بزرقة أمواج البحر، وشرفاتها المتعبة التي تطل على أصص الأزهار وألوان حبال الغسيل التي تلوح في فضاء لا يملأه سوى همسات العابرين. وكأننا إزاء سرد بصري لمدينة تتأرجح بين الماضي والحاضر، بأبنيتها القديمة وجدرانها المتآكلة وبيوتها التراثية المحاصَرة بناطحات حديثة، تتقاطع فوقها أعمدة الإنارة وشبكات الكهرباء المتشابكة في سماء رمادية ضيّقة.

هذه الخطوط، بدلاً من أن تُرسم، تختار الفنانة تطريزها بالإبرة والخيط، في محاولة لهدم الحدود بين الفن والواقع. شيئاً فشيئاً، يتحوّل الحيّ الشعبيّ إلى مرآة للهوية، ومسرح لحكايات صغيرة لا يلتفت إليها أحد. فهي لا ترسم واجهات المباني فقط، بل تُجسّد الحياة الدائرة في كنفها – تلك الحياة الهشّة والصلبة في آن، بما تحمله من فوضى وبساطة وحنين.

شكّلت مشهدية الفوضى والاكتظاظ واللانظام والعشوائية، مصدر إلهام لداغر، التي اتسم فيها التجريد بشيء من الواقعية، حيث تحضر الأشكال المعمارية بهندستها وكثافتها وتراكيبها المحوّرة بأسلوب، يدمج مناظر الداخل والخارج على سطح واحد. تتبدى هذه الأشكال على هيئة تمزقات الورق وقطع كرتون "الكرافت" المضلّع، بملمسه النافر الذي يوحي بألواح التول، ويذهب الى أبعد في التعبير عن نسيج المكان الذي يتوارى فيه الناس خلف الجدران، غير أنه ينبض بتفاصيل صغيرة مقطوفة من وقفاتهم على الشرفات، وملامحهم العابرة من خلف النوافذ، مع ضجيج الشارع حيث الأشجار الصامتة على الأرصفة. تقول داغر "لطالما أسرتني بيروت. في كل مرة أجول في شوارع هذه المدينة النابضة بالحياة، يغمرني الإلهام".

التفكيك والجمع

في ظلّ واقع حضري متشظٍ كواقع بيروت، تنهض تجربة الفنانة اللبنانية الشابة ليلى داغر كحالة فنية تنبثق من الهوامش، لا لتوثّقها بل لتعيد تخيّلها عبر وسائط بصرية بديلة تنتمي إلى تقاليد نسوية، شعبية، ومعاصرة في آن. فهي لا ترسم المدينة كما هي، بل كما تُعاش وتُستذكر وتُرمّم من خلال الخيال الشخصي والجمعي. لذا لجأت داغر إلى الكولاج بوصفه تقنية تفكيك والتطريز بوصفه كتابة جسدية، لابتكار سرد بصري بديل عن السرديات التقليدية. استخدمت القص واللصق لتفكيك الصور النمطية، أما الخيوط التي تطرّز بها الصور، فهي تُستعاد من تقاليد الحِرَف المنزلية، ولكنها تتجاوز الزينة إلى الفعل الرمزي والمجتمعي. هنا تحضر نظرياً مرجعيات متصلة بفنون نسوية ظهرت في الغرب منذ مطلع القرن العشرين، والتي أعادت الاعتبار للحِرَف التقليدية بوصفها أشكالًا من المقاومة والتعبير عن الذات، وتحديداً أعمال فنانات مثل هانا هوخ وجودي شيكاغو وميكيلي كاسّو، اللواتي استخدمن الوسائط الحِرفية والتقليدية لإعادة صياغة علاقة المرأة بالجسد، بالبيت، وبالمكان، بوصفها أدوات تأريخ ومقاومة. غير أن التطريز لدى داغر ليس تزيينياً، بل هو خيط مضاد للنسيان، يُثبت حضور النساء، يُطرّز الصمت، ويشكّل سطحاً آخر للقراءة. فالخيط يشير إلى الحنان كما يشير إلى التقييد، والكرتون إلى الفقر كما إلى البنية، والقصاصة الورقية إلى الذاكرة الممزقة.

في ظل هذه الدلالات المزدوجة، حافظت الفنانة في غالبية لوحاتها على الألوان الترابية للورق والكرتون، لما تتصف به من دفء وما تثيره من ذكريات عن شمس المتوسط وحرارة المكان. ومن هذه الخامات بنت مشاهد لواجهات البيوت وجدرانها ذات الحجارة الرملية القديمة، وسطوحها وقناطرها ونوافذها، ثم طرّزت فوق هذه المشاهد بالخيطان الملونة، لترسم بها عروق النبات والأشجار وشمس الصباح، أو لتخيط بها تمزقات المشهد المديني بحثاً عن ملامس توحي بطبقات الزمن، ضمن مبدأ التقطيع نفسه. فالأجزاء المُلصّقة والمُركّبة توحي بتركيبة مدينة بيروت، كموزاييك من مزيج ثقافات وحضاراتٍ وأديان، وهي أيضاً نسيج مديني متعدد الهويات والطرز المعمارية التي تعود إلى أزمنة متفاوتة. 

 من الواقع إلى التجريد

ما يميز مشروع ليلى داغر في مرحلته الثانية (2025) هو تحويل المدينة، إلى ما يُشبه النسيج المعماري الذي لا يغيب عنه الطابع الأنثويّ ولو كان مستتراً وخفياً: لكن اللافت في مقاربتها البصرية هو معالجتها للفضاء المديني بأسلوب متحرر من الواقعية وأكثر قرباً من التجريد الهندسي، حيث لا تقدّم الحيّ الشعبي كتمثيل حرفيّ بل كإحساس مركّب، كأثر بصري ونفسي، يُطرَّز في الطبقات المادية للعمل. تتداخل الواجهات المعمارية مع ملامح بشرية أو بعض التفاصيل الزخرفية، وتتفكك الخطوط والحدود لتتحوّل المدينة إلى مشهد داخلي، شخصي، مفتوح على تأويلات متعددة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي هذا السياق يمكن قراءة أعمالها بوصفها تطبيقاً بصرياً لما تصفه الباحثة غريزلدا بولوك بـ"إعادة توزيع الرؤية"، أي زعزعة طرق النظر التي تُمليها التقاليد، سواء كانت فنية أو اجتماعية. فالتجريب الذي خاضته داغر لا يدور حول التمثيل بقدر ما ينخرط في تفكيكه، كأن العمل نفسه يرفض الاكتمال، ويصرّ على تمثيل الفقد والانقطاع والاحتمال.

تبدو الميزة الانتقائية واضحة في شخصية الفنانة، التي تنتقي عالمها اللوني بعناية كما تنتقي خاماتها في خطابها البصري، حين كسرت الحاجز الشكلي للوحة المعتادة، على سطح متناقض المظهر، متنوع الملامس، يشير إلى تمزقات داخلية، لبنية مدينية هشة، مندمجة في قوامها الورقيّ مع مناخات لونية متقشفة وجذابة. وهي تعتمد على اللون الترابي بمحاذاة الأسود والأبيض، أو الترابي مع الرمادي أو الأحمر، حيث تغزل خيوط الضوء رقعات الألوان وترتقها بحثاً عن بهجة الحياة وهوية المكان. وتتسع دائرة الألوان في لوحات المناظر، حين تجد ريشة الفنانة رحابتها في أحضان الطبيعة، حيث الفضاء مفتوح ومتدفق، مما يسمح لظهور المسطحات اللونية بالأسلوب البقعي، على نقيض فوضى المدينة واختناقها. وبالتقنية ذاتها أخذت ليلى داغر تستكشف تلك الثنائية ما بين الطبيعة والعمران، لتخلق حواراً بين عالمين مختلفين أحدهما جامد ومنظّم، والآخر انسيابي وناعم. هكذا تعيد الفنانة عبر مشروعها صياغة العلاقة بين المادة والرؤية، بين المحلي كحالة عينية والمفاهيمي كموقف معاصر، وهي تخترع حساسيتها البصرية. ليلى داغر لا توثق المدينة – بل تطرّز احتمالاتها.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة