Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بيروت الثقافة تقاوم حرب إلغائها بالرمق الأخير

مبدعون شباب يبحثون عن فسحة ضوء في زمن الانهيار الشامل

مرفأ بيروت المدمر بريشة هلا عزالدين (صفحة الرسامة على فيسبوك)

لا يمكن وصف بيروت بأنها مدينة ثقافية في حالتها اليوم. فصناع الثقافة في بيروت أصابهم كثير من الأسى في السنوات الأخيرة، هذا الأسى يمكنه أن ينتج ثقافة، لكنها ثقافة الألم والمعاناة والخوف والرهبة مما يجري في هذه المدينة التي لطالما وُصفت بأنها منارة ثقافية في العالم العربي.

صناع الثقافة في بيروت على أنواعهم أصابتهم تحولات كبرى وجذرية، بعضهم انتقل إلى العمل السياسي في المجموعات "الثورية" التي أفرزتها انتفاضة "17 تشرين"، وهؤلاء انغمسوا في قضايا هذه الانتفاضة وانتظم بعضهم في جماعاتها، وصارت الثقافة لهم مندمجة في البيانات السياسية الرافضة للواقع القائم على موت وإذلال وفساد وسرقة وحكم بقوة السلاح جهاراً. ومن هؤلاء من استخدم فنونه في خدمة هذه الانتفاضة التي لم يكتب لها النجاح لأسباب كثيرة، لكن أولها هو أن الانتفاضة الصغيرة هذه تقاوم قوة غاشمة كبرى متجذرة في مؤسسات الدولة من أعلاها إلى أسفلها.

فن الثورة

استعمل فنانو "الثورة" فنونهم في خدمتها، من القصائد إلى رسوم الغرافيتي في شوارع بيروت وطرابلس وجبيل وصور، وفي القصائد الكثيرة التي كتبت عنها، والأفلام القصيرة والفيديو التي تناولت قضاياها وتظاهراتها وغضب الناس فيها ومطالبهم ومُناهم بوطن حقيقي. ثم جاء انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس (آب)، ليكمل هذه الانتفاضة الفنية حول هذا الموضوع بذاته، أي تدمير خُمس المدينة حيث كان قلبها الهادر. لكن هذه النتاجات الثقافية بقيت محصورة بين صانعيها ومن لفّ لفّهم، ولم تخرج إلى الفضاء الثقافي العام الذي يبدو في غيبوبة عموماً.

البعض الآخر من صانعي الثقافة في بيروت حضر عبر جمعيات ومؤسسات فنية كبرت واتسعت خلال العقد الماضي نتيجة الجهود الكبيرة والحثيثة التي قام بها المشرفون عليها مثل، "زقاق" و"دوار الشمس" و"دار المصوّر" و"أشكال ألوان" و"بيروت دي سي" و"بيروت أرت سنتر"، باتوا يقومون بعروض مشتركة قليلة ومتناثرة تخفيفاً من العبء المالي ومحاولة لإبقاء الثقافة الفنية اليومية على قيد الحياة في مدينة تكاد تموت، ولم تمت بعد، بل ما زالت تقاوم من تحت الرماد.

البعض الآخر انتقل للعمل في جمعيات تأسست على عجل بعد انفجار المرفأ الكبير، لمساعدة الضحايا ومحاولة إعادة إحياء حياة كثيرة ومثيرة كانت تدور هناك، ولكن يبدو أنها إلى أفول. آخرون ما زالوا يحاولون بعروض هنا ومعارض هناك بالتعاون مع بعض الغاليريهات الناشطة كـ"كاف" و"غاليري شريف تابت" وغاليري "صالح بركات" وغاليري "أجيال" و"جانين ربيز" أن يضخوا حياة في بيروت الثقافية، لكن من الواضح أن الجمهور لم يعد هنا، فأهل الثقافة إما هاجروا إلى بلاد أخرى تتيح لهم العيش في حياة قويمة كريمة، وإما استنكفوا واعتزلوا في المنازل تدبيراً للقمة العيش بشكل يومي بعدما بات الحد الأدنى للأجور لا يكفي مصروف يوم واحد في لبنان. وعلى الرغم من الجهود الكثيرة لإبقاء بعض من الحياة في بيروت، لكن الجمهور القديم الذي كان مواظباً، لم يعد بإمكانه أن يجاريها، فهمومه في مكان آخر الآن.

لا صحافة ثقافية

ولم تعد هناك صفحات ثقافية ولاملاحق في الصحف اللبنانية، ربما لأن الثقافة كنوع من أنواع التعبير، باتت من الكماليات في بلد ينوء تحت وطأة المتحكمين به الذين يسميهم البعض "المنظومة الحاكمة" أو "المافيا" أو "أرباب التخريب والتقسيم"... واختفاء هذه الصفحات والملاحق لا يدل على تلاشي النتاج الثقافي بمعناه التقليدي أي المكتوب، فقط، بل حال من إبعاد وطرد لهؤلاء الكتاب المثقفين إلى مطارح أخرى يعبرون فيها عما يدور في خلدهم. وهذه المطارح إذا كانت وسائل التواصل الاجتماعي، فإنها لا تنتج "ثقافة" مكتملة بمعناها التقليدي ولا تُراكم. فوسائل التواصل الاجتماعي كالنهر الجاري لا تثبت فيها فكرة ولا تسمح لنقاش مستطيل ولا لآراء ثابتة ومفهومة. وكل ما يجري فيها يكون مختصراً وعلى عُجالة.

ثم يأتي الإنتاج الثقافي المنشور في كتب، الذي كان خلال العقد الماضي مزدهراً في دور نشر بيروت، حين كانت بعض دور النشر تأخذ على عاتقها نشر مجموعات شعرية لشعراء شباب على شكل عدد كبير من الكتب التي تصدر في وقت واحد لإظهار جيل معين من الشعراء. هذه الحالة التي أنتجت كثيراً من الشعر والدراسات والنصوص النثرية انتهت، فبسبب انهيار قيمة العملة الوطنية أصبحت تكلفة طباعة أي كتاب، باهظة على دار النشر وبالطبع على الكاتب أو الشاعر، سواء كان موظفاً أو مستكتتباً في صحيفة إلكترونية ما، أو عاطلاً من العمل على الأغلب. لقد خفت إصدار الكتب بشدة في هذه الآونة من عمر بيروت، على الرغم من  صدور مجموعة من الكتب في الأشهر الماضية، لكتاب وشعراء ما زال بإمكانهم "المونة" على دور نشر مقتدرة أو بإمكانهم هم تحمل الكلفة. والكتب الصادرة بأغلبها تتناول ما يجري في لبنان وبيروت، كمجموعتي عقل العويط الشعريتين الأخيرتين اللتين تستوحيان انفجار 4 أغسطس وتأثيراته في النفوس وفي الحياة الشخصية وفي حياة بيروت كلها.

قلق وجودي

وأخرى تتناول نوع الحياة بقلقها وخفتها التي لا تحتمل، كمجموعة عباس بيضون الأخيرة وكتاب بلال خبيز أيضاً. وبالطبع هناك الشعراء الشباب كباسل الأمين وأحمد الأمين ومحمود وهبة وزنوبيا ضاهر وغيرهم، وقد صدرت دواوينهم عن دار النهضة وسواها. ما زال هؤلاء الشعراء الشباب مصرين على الشعر الجديد والحي واللاسع والقلِق الذي يطرح أسئلة كثيرة، ولكن من رؤية جديدة وخاصة.

إلا أن هذا الإصرار على الشعر، ولو أنه راكم أرشيفاً، إلا أنه لا ينتج جمهوراً. يبدو أن هناك جداراً مرتفعاً اليوم في هذا الوقت من عمر بيروت بين الجمهور المثقف القديم والجديد، وبين الإنتاجات الجديدة في كل أنواع الفنون. جدار طبيعي ولا يمكن إزاحته بسهولة في ظل التلاشي السريع والمباشر لفكرة الوطن أو الوجود فيه أو الدفاع عنه، ذاك التلاشي الذي يحدث أمام أعينهم والذي يشاهدونه مسمّرين كما لو أنهم في مهرجان فني عجيب وغرائبي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

موت أحياء بيروت واحداً تلو الآخر عبر التقوقع والانسحاب، وتحول بيروت إلى عنقود قرى كما وصفها مرة الشاعرة الراحل عصام العبدالله، راحا يشردان صانعي الثقافة في بيروت. هؤلاء كانوا يجتمعون في شارع الحمراء أو في مار مخايل ومونو والجميزة أو وسط البلد قبل سنوات عديدة على إقفاله وتحويله إلى مدينة أشباح، أو إلى حبة مهترئة من عنقود القرى البيروتي. وهذا الوسط المحمي بشدة تحول منذ عام 2005 إلى ساحة للتعبير عن الرفض والثورة بسبب وجود البرلمان ومركز الحكومة اللبنانية في السراي الكبير. هذا كله خلق شارعاً في الجهة الوسطى ما بين بيروت الشرقية والغربية. انتقل الجميع إلى مقاهي هذه الجهة الوسطى ومقاهيها وحاناتها. وهي تبدو الفسحة الوحيدة الباقية للقاء بين صانعي الثقافة البيروتية، من شعراء شباب ورسامين ومسرحيين ومخرجين شباب وأعضاء في جمعيات فنية وعاملين في جمعيات الـ"أنجي أوز" الممولة من الخارج.

من هذه الفسحة، إذا لم تلق مصير أقرانها من الشوارع التي كانت حية، قد تخرج نواة ثقافة بيروتية جديدة. وقد تكبر هذه الحالة لتجذب الجميع إلى هذه الفسحة بأحيائها الحية اليوم في بيروت، حيث سيتمكن المثقفون بكل أطياف الثقافة التي يبرعون بها أن يواجهوا المد الظلامي القادم نحو بيروت. ولكن ما بين هذه التمنيات والحقيقة بون شاسع. وتشي الخلاصة بأن بيروت، على الرغم من "تمويتها" المقصود، فإن أجيالاً من المثقفين ما زالوا مستعدين للمواجهة، لإبقاء قلب بيروت الثقافي نابضاً بالحياة. وهذا العمل هو أقرب إلى "النضال" منه إلى الرفاهية أو إلى تبجيل "الكمالي" في حياتنا اليومية. هو نضال سيُذكر في أرشيف مثقفي بيروت وتاريخ بيروت نفسها. حين سيقال أن مثقفي بيروت جهدوا ولم يستسلموا في سبيل جعل بيروت مدينة حياة لا مدينة موت.

المزيد من ثقافة