ملخص
إلى جانب زراعة "الحشيشة"، يعتمد مزارعو الهرمل (شرق لبنان) على زراعات بديلة مثل اللوزيات، وبعض الخضروات والفواكه للاستهلاك الشخصي، أو التوريد للسوق المحلية.
ويبشر وزير الزراعة نزار الهاني بتشكيل الهيئة الناظمة لقطاع زراعة القنب، وإصدار المراسيم التطبيقية للقانون 178/2020، وهو ما من شأنه فتح الباب أمام "الزراعة المشروعة".
تحظى نبتة "ريد ليبانيز هاش" بشهرة عالمية كواحدة من أفضل أنواع القنب الهندي نظراً لفاعليتها الكبيرة ونكهتها المميزة، هكذا يعبر المزارع مالك (اسم مستعار) عن فخره بتفوق اللبناني في مستوى زراعة وإنتاج المواد الناجمة عن تلك النبتة. بالنسبة له حبذا لو نطلق تسمية "القنب اللبناني" بدلاً من القنب الهندي لأن "البذور المزروعة في مناطق أقصى البقاع (شرق) هي من ثمار جهد الأجداد منذ أكثر من نصف قرن". ويروي مالك "لدينا قطعة أرض كبيرة في منطقة مرجحين الواقعة في جرود الهرمل، نزرعها منذ سنوات وتدر علينا الرزق الوفير".
يضيف مالك "في العام الماضي وعلى خلاف الأعوام السابقة، لم تقم الدولة بتلف المحاصيل، ربما بسبب الحرب الإسرائيلية على لبنان"، وعن التشريع المتوقع لزراعة هذه النبتة، يقول مالك "من جهة هو أمر مرحّب به لأن اللبناني أصبح متمرساً بالعمل في هذا المجال، كما أن البلاد تمتلك الخصائص الجغرافية الملائمة، وبالتالي يمكن لمزارعي البقاع نقل خبراتهم إلى أولئك القاطنين في بقية المناطق. ولكن في المقابل، قد يمتنع بعض المزارعين عن تقديم محاصيلهم للدولة إن لم يكن العائد مماثلاً أو قريباً من المردود الذي يجنيه من التجارة، ما يفتح الباب واسعاً أمام إمكان بقاء السوق السوداء
رؤية وزارية
بدءاً من عام 2020، اتخذت الدولة اللبنانية موقفاً أكثر تسامحاً من زراعة القنب الهندي، وكثر الكلام عن اتجاه لتشريع زراعة هذه النبتة بعد أن ساد، لسنوات خلت، طرح "الزراعات البديلة".
وفي السياق، أكد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام أن زراعة القنب تشكل فرصة هائلة، وقد تم إقرار قانون لاستخدام القنب لأغراض طبية ولأغراض علمية "ونحن الآن بصدد إصدار المراسيم اللازمة التي تسمح بتحويل هذا إلى واقع".
من جهته، تحدث وزير الزراعة نزار هاني لـ "اندبندنت عربية" عن المزايا التي يملكها لبنان، والتي تؤهله لتأمين مداخيل مهمة من زراعة القنب الهندي، ولفت إلى أن "لبنان يمتلك كثيراً من الإمكانات لزراعة القنب، بدءاً بصدور القانون في عام 2020، إضافة إلى العامل البيئي، إذ يمكن زراعته في المناطق التي تهطل فيها كميات قليلة من الأمطار مقارنة ببقية المناطق اللبنانية، علماً أن القنب هو من النباتات التي تقاوم وتتكيف مع التغيرات المناخية"، منوهاً إلى "إمكانية زراعة القنب داخل الخيم البلاستيكية بغية زيادة الإنتاج وتكثيف حجم الشتول، ما يعطي مردوداً اقتصادياً أكبر".
الرقابة المستمرة
رداً على سؤال حول ضبط زراعة القنب، وبالتالي قمع أي محاولة للاستفادة من التشريع لتوسيع نطاق التجارة غير النظامية، أجاب الهاني "في عام 2020 صدر قانون زراعة القنب الهندي، ونعمل حالياً على تشكيل الهيئة الناظمة التي يقع على عاتقها تعيين فريق العمل لإدارة زراعة القنب وتصنيعه"، لافتاً إلى "حاجة القطاع لتنظيم كامل، وتحديد آلية الزرع، وتقديم الطلبات والموافقات، ومن ثم الكشوفات، وتحديد آلية الحصاد، وتصنيع المادة، وتجميعها، وتخزينها، وهي خطوات وإجراءات تحتاج إلى التنظيم والضبط من قبل الهيئة الناظمة بالتعاون مع الجهات الأمنية للتحقق من أنها زراعة متوائمة وشرعية مع القانون، والتثبت من أنها مزروعة للحاجات الطبية والصناعية حصراً".
وبحسب المادة الرابعة من القانون الصادر عام 2020، تتمتع الهيئة الناظمة بالشخصية المعنوية، والاستقلال المالي والإداري، وتكون لها صلاحيات الرقابة والترخيص والعمليات المنصوص عنها في القانون، وأن تتولى جملة مهام، كالسهر على حسن تطبيق القانون، وتحديد المناطق المسموح فيها زراعة نبتة القنب، وتحديد نسبة المواد الفعالة المسموحة بالمزروعات والمنتوجات الزراعية والصحية والطبية والصيدلانية، ووضع الاستراتيجية الوطنية للقنب، وتقديم المشورة للقطاعين العام والخاص، إضافة إلى مجموعة مهام من أبرزها "منح التراخيص والإجازات اللازمة لاستيراد بذور نبتة القنب، أو تأصيلها محلياً، أو استيلاد الشتول، أو إنماء وتطوير النبتة وبيعها وزرعها وحصاد المحصول وتحويله إلى مواد أولية، ومعالجتها وتخزينها وتصنيعها وبيعها ونقلها في المراحل كافة، وتصدير المواد الأولية أو المستحضرات الطبية والصيدلانية، ووضع الشروط الفنية والتقنية والمعايير الأمنية ومواكبتها تطويراً بصورة مستمرة". ويتضح من اتساع دائرة المهام أهمية تشكيل الهيئة الناظمة، والتي قد يكون خطوة مفصلية لتطبيق القانون، وبدء استغلال الموارد.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
النظرة المستجدة لزراعة القنب
يتطرق الوزير نزار الهاني إلى النظرة المستجدة لزراعة القنب، إذ يُتعامل معها بصورة مستقلة عن الزراعات البديلة التي تستمر الدولة بدعمها والتشجيع عليها على غرار زراعة الزعفران، مضيفاً "يمكن زراعة نبتة القنب على مساحات واسعة، وتصنف ضمن فئة الزراعات السهلة التي لا تحتاج إلى كثير من الجهد والإجراءات المعقدة، كما أن آليات الحصاد متيسرة، ولا تحتاج إلى يد عاملة كبيرة، كما أنها نبتة أقل عرضة للأمراض أو المشكلات الصحية، وهي نبتة مقاومة للحشرات التي قد تصيب المحاصيل التقليدية".
مستقبل واعد
يتوقع وزير الزراعة اللبناني نزار الهاني "مستقبلاً واعداً لنبتة القنب الهندي في لبنان، وقد تشكل واحدة من المحاصيل الزراعية الجديدة التي تؤمن مردوداً مالياً وأرباحاً مباشرة للمزارعين، وترفع من قيمة الأراضي الزراعية، إلى جانب المردود الإضافي لخزينة الدولة اللبنانية، والشركات المصنعة سواء كانت في مجالات صناعة الأدوية أو الأنسجة، وغيرها من الصناعات"، منوهاً إلى "نوعية الزيوت المستخرجة من نبتة القنب، والتي أثبتت الدراسات أن الانتاج اللبناني عالي الجودة في هذا المجال"، وأيضاً تحدث الهاني عن مردود مالي يتراوح بين مليار ونصف وثلاثة مليارات دولار أميركي إضافية سنوياً، ويمكن أن تشكل فائضاً على مداخيل القطاع الزراعي اللبناني، كما يمكن أن تكون سبباً في تنمية الأراضي المستثمرة والمناطق الزراعية والريفية في البلاد، إضافة إلى خلق فرص عمل جديدة، وتحريك العجلة الاقتصادية وتطوير الصناعات الطبية وسائر الصناعات المتصلة بنبتة القنب.
ووضع الوزير نزار الهاني "تشجيع زراعة القنب" في قلب تطوير القطاع الزراعي اللبناني، ناهيك عن استغلال بعض المداخيل لتأهيل الأراضي التي تضررت خلال الحرب الإسرائيلية المدمرة على لبنان، وإطلاق برامج الإرشاد والتوعية لتزويد المزارعين بالتقنيات الجديدة، وأحدث استعمالات الآلات والمعدات لتطوير الزراعة في لبنان، إلى جانب موضوع التسويق الذي توليه الوزارة أهمية كبيرة سواء على المستوى الداخلي والخارجي من خلال تشجيع "الزراعة التعاقدية"، أي تقوية الروابط بين المزارعين والموردين، وصولاً إلى تسويق المنتجات الزراعية في الخارج بواسطة العلاقات التي ينشئها لبنان مع الأشقاء العرب، والشركاء الخارجيين لتصدير المنتجات الزراعية العالية الجودة من زيت الزيتون إلى العسل، والخضار والفواكه وغيرها من المنتجات.
أمل لسوق الأدوية
تعول الصناعات الدوائية على تشريع زراعة القنب الهندي، فهو سيؤمن مواد أولية وطنية من دون استمرار نزف الدولار والعملة الأجنبية، كما سيفتح، وفق المعنيين بهذا القطاع، خطوط إنتاج جديدة لبعض المستحضرات والمنتجات الطبية.
ترحب رئيسة تجمع مصانع الأدوية في لبنان كارول أبي كرم بتنظيم زراعة وإنتاج القنب، مشددة على امتلاك النبتة اللبنانية مزايا كثيرة، ويمكن تأصيلها وتطويرها إلى حد بعيد. وتضيف "عندما بدأ لبنان بتشريع القنب، كانت هناك محاولة لتجاوز مشكلة كبيرة، وخلق فرص من خلال تأصيل نوعين من القنب ذي المواصفات العالية وعلى صلة بصناعة الدواء، مرحبة بالتعاون بين المزارع والصناعي من أجل تطوير هذه الزراعة للاستفادة منها بمنتجات جديدة. وتعتقد أن "لبنان أمام فرصة مهمة، لا بد من استغلالها، وستنعكس إيجاباً على مصانع الأدوية والمزارعين والدولة في وقت واحد"، مضيفة "حبذا لو استفدنا من هذا التشريع في عز الانهيار المالي والاقتصادي عام 2019، وفترة العجز عن استيراد المواد الأولية للأدوية من الخارج".
كما تلفت أبي كرم إلى التطور الكبير الذي شهدته الصناعة الدوائية المحلية، التي تؤمن جزءاً كبيراً من حاجة السوق المحلية إلى ناحية الأدوية التي تعتمد على التخدير، وباتت اليوم في طور التصدير إلى الخارج. وتقول "تشريع إنتاج القنب سيفتح الباب أمام صناعات جديدة ذات جودة عالية، وبدأ الأطباء في الولايات المتحدة باستخدام علاجات جديدة أساسها مادة القنب، وهي ذات فعالية عالية. وبالتالي يمكننا الاستفادة من هذه النبتة لتحقيق مزيد من الفوائد"، معتبرة أن اللبناني بدأ يتطلع لخروج زراعة القنب من خانة "الآفة" إلى "النبتة المفيدة" للمواطن والاقتصاد، وجذب أموال أجنبية إلى خزائن الدولة.
تاريخ من "الحشيشة"
ما إن تأتي على ذكر "الحشيشة" في لبنان حتى تثير التساؤلات في ذهن المتلقي، فلقد ارتبط اسمها تاريخياً بالسلوكيات غير المشروعة، والتي تشكل مساساً بالقيم الاجتماعية المحافظة، والسلامة الجسدية والعقلية والنفسية. وكانت توجّه القوى الأمنية لتلف المحاصيل في كل عام، فيما كان ينجح كثيرون من المزارعين بإنقاذ محاصيلهم.
وعلى رغم القيود، استمرت زراعة القنب الهندي بالصمود والتطور إلى حين صدور قانون رقم 178/ 2020 لتمكين الدولة من مراقبتها وتنظيمها، وإتاحة الوصول إليها بشكل قانوني "لأهداف طبية صناعية حصراً"، ولم تتمكن استراتيجيات "الزراعات البديلة" من دفع الأهالي والمزارعين للتخلي عن زراعة القنب.
أما على المستوى العالمي، فيزداد التوجه "المتسامح" مع الحشيشة، وكان لافتاً استناد المشرع اللبناني في الأسباب الموجبة للقانون إلى هذا التوجه العالمي، إذ أشار المشرع إلى أنه "يزداد التوجه عالمياً لتنظيم وتشريع زراعة نبتة القنب نتيجة الاكتشافات والأبحاث العلمية والفوائد الطبية الكبيرة والثورة التي سيحدثها على المستوى الصناعي عالمياً، من هنا تبرز الحاجة لينحو لبنان هذا المنحى ليواكب النهج العالمي في تنظيم زراعة القنب وضبطه بما يشكل مرفقاً منتجاً للخزينة".