Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حين يبتلع الاسم صاحبه... الحكاية الخفية للأسماء الحركية

نولد بأسماء يختارها الآخرون، وتتيح لنا الحروب أو الرقابة أو الرغبة أن نختار لأنفسنا اسماً ثانياً يعيد اختراع هويتنا

كوفية للظهور وكوفية للتخفي بين أبو عمار وأبو عبيدة (صو ة مصممة عبر الذكاء الاصطناعي)

ملخص

الاسم الحركي ليس اسماً بديلاً فقط، إنه تقنية بقاء. يخفي صاحبه من السلطة، ويحمي شبكته، ثم قد ينقلب مع الزمن إلى هوية أقوى من الاسم الأصلي نفسه. في الجزائر مثلاً كان الاسم الحركي غالباً بسيطاً وعادياً كي يمرّ بلا ضجيج. في فلسطين، صارت "أبو" إعلاناً رمزياً، مثل أبو عمار، أبو جهاد، أبو إياد… كنية تتحول إلى أبوة سياسية.

نولد بأسماء يختارها أهلنا لأسباب تتعلق بهم وبشغفعم وعقائدهم الدينية والحزبية أو تيمناً بجد وجدة أو شخصية هامة أو درامية. ينبشون الكتب ويستشيرون، وأحياناً يجرون القرعة في حالة عدم التوافق، ويرددون الاسم مع العائلة كأنه إنجازهم الجميل. وتوفيهم فيروز تعبهم وتغني "أسامينا شو تعبوا أهالينا تلاقوها وافتكروا فينا". ثم يأتي ظرف أو موضة نرمي معها بأسمائنا في غياهب السر، ونعلن عن اسم آخر نختفي تحت ستاره الآمن، اسم حركي نختاره طوعاً كأننا نولد من جديد من أنفسنا وليس من أرحام أهالينا.

للاسم الحركي سحر خاص لا يملكه الاسم المدني. فالاسم الحقيقي الذي يولد معنا، تحمله العائلة وتثبته الدولة في السجل. أما الاسم الحركي فيُصنع في لحظة توتر، إما تحت مطاردة أو داخل تنظيم سري، أو على تخوم منفى، أو في قلب ثورة لا تريد أن تُعرّف بأسماء أصحابها، وتعمل على أن تخفيهم وتحميهم وتعيد تسميتهم. فيأتي الاسم الحركي كبديل لغوي، ولكنه في جوهره تقنية بقاء وقطعة أو أداة من المسرح السياسي أحياناً.

واللافت أن كثيراً من هذه الأسماء لا تبقى مجرد أقنعة موقتة، إذ إنها تنقلب مع الوقت إلى هوية أمتن من الاسم الأصلي نفسه، حتى يبدو الاسم الأول لاحقاً تفصيلاً باهتاً بجانب الاسم الذي صنعته السرية والخطر والذاكرة العامة.

متى ولد الاسم الحركي؟

من الصعب تحديد لحظة ميلاد واحدة للأسماء الحركية، فالبشر عرفوا منذ زمن بعيد أسماء الحرب والألقاب القتالية والكنية التي تمنح في المعارك. لكن المصطلح نفسه فرنسي وهو nom de guerre، وقد ازدهر خصوصاً في سياقات المقاومة والعمل السري والتنظيمات المسلحة الحديثة. وفي الحروب الحديثة صار الاسم الحركي ضرورة، فالدولة تراقب وتفهرس وتؤرشف وتعتقل. وبالتالي صار على المناضل أن يسبق أرشيف السلطة بخطوة، وأن يشوش على الشرطة وعلى الواشين وحتى على زملائه أحياناً، إذ لا توزع المعرفة بالتساوي في التنظيمات السرية، فيبدو الاسم الحركي جزءاً من هندسة السرية نفسها.

تبدو وظيفة الاسم الحركي الأولى حماية صاحبه من الاعتقال، وحماية الشبكة من الانكشاف، وحماية العائلة من أن تُستدرج إلى التحقيق أو الانتقام. ولكن هذا ليس كل شيء. فالاسم الحركي يمنح صاحبه أيضاً فرصة لإعادة اختراع نفسه. فيختفي تدريجاً الاسم الذي تعرفه المدرسة والبلدية والشرطة والدولة، ويصنع شخصية جديدة أقرب إلى الدور التاريخي ربما الذي يتصوره الشخص لنفسه. وهكذا لا يكون اختيار أو ابتكار الأسماء الحركية دائماً عشوائية. فبعضها يحمل معنى دينياً أو قتالياً أو جغرافياً، وبعضها يختار البساطة المقصودة كي يذوب داخل العموم، وبعضها الآخر يختار الفخامة أو الغرابة لإنتاج رهبة ما أو كاريزما، فيخفي الاسم الحركي الشخص ويعرض الشخصية.

وتختار الأسماء أحياناً على أساس القرابة والكنية، كما في التقليد العربي الذي ينتج أسماء من نوع أبو فلان. وبعضها ينتزع من صفة جسدية أو مزاجية أو حادثة عابرة أو مكان المنشأ. وبعضها يصنع ببراغماتية عملية باردة، كالاسم الشائع جداً الذي يمكن تمريره على بطاقة مزورة.

من جان دارك إلى تشي

منذ العصور الوسطى كانت أسماء الحرب قناعاً ورمزاً وسلاحاً معنوياً. تبدأ الحكاية ربما مع الفرنسية جان دارك، المولودة نحو عام 1412 باسم جوان أو جيهانيت تارك أو روميه أو دي فوثون، والتي عُرفت أيضاً بـLa Pucelle، أي "العذراء" بعدما ادعت باسمها المستعار تلقي إلهام إلهي لقيادة الجيش الفرنسي وقادت القوات الفرنسية عام 1429 إلى انتصار أورليان في سياق حرب الـ100 عام ضد الإنجليز، قبل أن تُعدم عام1431 بتهمة الهرطقة، كما تقول المراجع والتقارير التاريخية.

بعدها بقرون، يظهر كريزي هورس، زعيم ومحارب من أوغلالا لاكوتا في أميركا الشمالية. تذكر بعض الروايات أن اسم ولادته كان تشان أوهان، ولد على الأرجح نحو 1840 وقاتل دفاعاً عن أراضي اللاكوتا ونمط حياتهم في مواجهة التوسع الأميركي الأبيض. ارتبط اسمه خصوصاً بمعارك مثل روزبد وليتل بيغ هورن عام 1876، قبل أن يموت عام 1877 في فورت روبنسون. وكان اسمه جزءاً من نظام تسمية محارب داخل ثقافة السكان الأصليين، بحيث يصبح الاسم سيرة مكثفة.

وإلى روسيا الثورية، حيث يتحول الاسم إلى مشروع سياسي. فالروسي المولود عام 1870 باسم فلاديمير إيليتش أوليانوف، اتخذ اسم لينين كاسم ثوري، وصار قائد الثورة البلشفية عام 1917 وأول زعيم للنظام السوفياتي. هذا الاسم السري السياسي صنع هوية ثورية جديدة، فصلت الرجل عن اسمه العائلي القيصري وربطته بالحزب والمنفى والتنظيم السري.

وعلى الخط نفسه، جاء جوزيف ستالين، الجورجي المولود عام 1878 باسم جوزيف دجوغاشفيلي. وقبل "ستالين" استخدم أسماء ثورية أخرى، أشهرها "كوبا"، ثم استقر على ستالين المرتبط دلالياً بصورة الفولاذ. واستخدمه في الصراع الثوري البلشفي والعمل السري، وبناء سلطة تريد من الاسم أن يبدو كأنه من معدن صلب.

وبرز في فرنسا المحتلة، كولونيل باسي، واسمه الأصلي أندريه دوفافران، الذي التحق خلال الحرب العالمية الثانية بفرنسا الحرة في لندن، وتولى جهاز الاستخبارات والعمل التابع لها، واتخذ الاسم الحركي Colonel Passy لأسباب تتعلق بالحماية والتنظيم والاتصال بالمقاومة، وإدارة حرب الظل ضد الاحتلال النازي.

وفي الجزائر، يأتي "سي الحواس"، واسمه الأصلي أحمد بن عبد الرزاق حمودة، ولد عام 1923، وعُرف باسمه الحربي العقيد سي الحواس خلال حرب التحرير الجزائرية، وكان من قادة جيش التحرير الوطني، وارتبط اسمه بالقتال ضد الجيش الفرنسي، قبل أن يُقتل في معركة جبل ثامر عام 1959. واستخدم الاسم الحربي أو الحركي لضرورة ثورية من الحماية إلى التعريف بالرتبة، وترك بصمة في ذاكرة التحرر الوطني.

ويصل بنا القرن 20 إلى الشخصية الأبرز عالمياً "تشي غيفارا"، الأرجنتيني الكوبي، واسمه الأصلي إرنستو غيفارا دي لا سيرنا، المولود عام 1928 في روزاريو بالأرجنتين. وجاء لقب "تشي" من عبارة أرجنتينية شهيرة كان يكررها ومعناها مثل "يا صاح" تستخدم كنداء، ثم التصق به خلال الثورة الكوبية عام 1956 إلى جانب فيدل كاسترو، قبل أن يتحول بعد مقتله في بوليفيا عام 1967 إلى أيقونة عالمية للثورة والتمرد. بدأ لقب تشي كإشارة لهجوية بسيطة، وانتهى كماركة سياسية عابرة للقارات كأن التاريخ يصنع أسطورة مختصرة بلفظة لا تتجاوز الثلاثة حروف.

الجزائر مختبر الأسماء الحركية

إذا أراد أحد أن يدرس الأسماء الحركية بجدية، فالجزائر تعتبر مختبراً حياً وحقيقياً. وقد شرحت الباحثة جاكلين سوبليه في مقال نشرته صحيفة "لو موند" الفرنسية عام 1984 بعنوان "الأسماء الحركية للمقاتلين في المقاومة"، أن ظروف الحرب والاستعمار والرقابة دفعت الثوار الجزائريين إلى بناء عالم كامل من الأسماء البديلة. فالاستعمار الفرنسي لم يكتفِ بالهيمنة على الأرض، لكنه شوه أيضاً نظام الأسماء والهوية لدى الجزائريين، بحيث صار الاسم نفسه ساحة من ساحات القتال. ولم يكن الاسم الحركي مجرد وسيلة للهروب من الشرطة، بل بات بمثابة محاولة لاستعادة الذات من قوالب التسمية الاستعمارية. وترى أن المناضل الجزائري بدأ غالباً بالدرجة الصفر من الهوية، باسم بسيط وأولي وقابل للاختفاء، لأن زمن المعركة لم يكن زمن إعلان الذات، وكان في الواقع زمن تأجيلها.

وتشرح سوبليه أن كثيراً من أسماء مجاهدي جبهة التحرير لم تكن من نمط "أبو" أو "بو"، الذي سيصبح مألوفاً لاحقاً في الحالة الفلسطينية، وكانت في الغالب أسماء بسيطة ومباشرة مثل أحمد، عمر، سي محمد، سي عمار، وتضيف أنها كانت تُختار أحياناً "عشوائياً بسبب عاديتها" أو من داخل عائلة المقاتل. ووظيفة الاسم هنا أن يكون قابلاً للتداول، خفيفاً على الأذن، من دون أثر زائد يثير الشبهة.

كذلك وجدت أسماء حركية أخرى تصنع رهبة ما أو تؤدي دوراً نفسياً مباشراً، مثل الأسماء التي تصف الشدة أو العنف، وأخرى مشتقة من صفة جسدية أو مزاجية. تورد سوبليه أمثلة مثل "فرير مو" لمقاتل قليل الحركة أو غير ديناميكي، و"الكسّار" لمن عُرف بطبع هجومي، و"الصيني" للقيادي لخضر بن طوبال بسبب شكل عينيه، و"سي موح الطويل" لمحمد بوضياف بسبب قامته. وتذكر أيضاً اسماً مولوداً من حادثة، مثل "عمر 105" لمقاتل نجا من إصابة بقذيفة عيار 105.

وكانت الأسماء الحركية في الثورة الجزائرية ابنة السرية أكثر مما كانت ابنة الاستعراض. بعضها ولد من الخوف وبعضها من الصفات الجسدية أو الطبع والشخصية، وبعضها من عبقرية التزوير الهادئة.

ولكن هذا لا يعني غياب الطرافة والخيال. إذ تذكر سوبليه أسماء من قبيل "طرزان" وهي أسماء تكشف تداخل العالم الثوري مع السينما والفن والثقافة الشعبية. وتذكر أيضاً ألقاباً أكثر شراسة مثل "قاطع الحناجر في ماغينو" "الكلب المسعور في سوفلات".

بعض الأسماء الحركية في الثورة الجزائرية لم تُخفِ أصحابها فقط، فلقد ابتلعت أسماءهم الأصلية. أبرز مثال هو الرئيس هواري بومدين، والذي يحمل في الأصل اسم محمد بن إبراهيم بوخروبة، إنما تحول اسمه الحركي إلى الاسم الرسمي لقائد الدولة بعد الاستقلال.

الـ"أبو" الفلسطيني

في التجربة الفلسطينية، لم يكن "أبو" مجرد كنية عائلية بريئة، من ذلك النوع الذي يقال في الحارات تكريماً لرجل أنجب ولداً أو تمنياً له بالذرية كما درج في بعض المجتمعات العربية. فلقد تحولت الكنية إلى اسم حركي كامل منذ صعود الفدائيين الفلسطينيين بعد نكبة 1948، وتشكّل حركة "فتح" و"منظمة التحرير" في الستينيات، فصار "أبو فلان" بنية مثالية للعمل السري والعلني في آن واحد، إذ تخفي الاسم المدني، لكنها تمنح صاحبها اسماً قابلاً للحفظ والتداول. هكذا صار محمد عبد الرؤوف عرفات القدوة الحسيني هو ياسر عرفات - أبو عمار.

وظهرت أسماء أخفت هوية أصحابها وصنعت لهم شخصية سياسية ثانية، أكثر صلابة وأقل فردية. عرفات عُرف بكنيته "أبو عمار"، والاسم ارتبط، في بعض الروايات، بعمار بن ياسر أحد صحابة الرسول كرمز للصبر والاضطهاد والمقاومة. أما خليل الوزير، أحد مؤسسي فتح وقيادييها العسكري، فعُرف بـ"أبو جهاد"، في كنية تبدو كأنها لا تشير إلى ابن بقدر ما تشير إلى وظيفة تاريخية وهي الجهاد. وصار صلاح خلف، "أبو إياد"، الذي بات اسمه الحركي جزءاً من ذاكرة جهاز "منظمة التحرير" وصراعاتها الداخلية لاحقاً.

ويظهر جلياً أن "أبو" في الحالة الفلسطينية لا تعمل كما تعمل الأسماء الحربية الجزائرية. فـلقد كانت أكثر علنية ورمزية وتبني ما يشبه أبوة سياسية، وفي هذه الصيغة، يلغى شيء من الفرد لمصلحة الدور. فالشخص لم يعد يعرّف باسمه المدني، وصار أباً رمزياً لمعنى وجماعة وليس لطفل. وكأن هذه الـ"أبو" كلمة قادرة على إنتاج سلطة وهيبة وانتماء من مقطعين صغيرين، وفي العمل الفدائي والعسكري تمنح صاحبها مسافة أمنية وطبقة أسطورية.

في حالة أخرى جاء "أبو عبيدة"، الناطق باسم "كتائب عز الدين القسام"، ليأخذ هذه البنية القديمة إلى زمن الصورة المشفّرة. فالقائد يظهر ملثماً باسم مستعار كأن اسمه ووجه يرتديان معاً قبعة الإخفاء، بعكس حال عرفات تماماً، فيظهر أبو عبيدة مقنّعاً بكوفية حمراء وغياب شبه كامل للملامح. الاسم نفسه يستدعي الذاكرة الإسلامية، إذ يحيل إلى أبي عبيدة بن الجراح، أحد أبرز القادة الأوائل في التاريخ الإسلامي. وقد عُرف أبو عبيدة منذ عام 2005 كوجه إعلامي لكتائب القسام، وظهر في بيانات مصورة خلال جولات التصعيد والحروب على غزة. وبعد أن قتلته إسرائيل في غارة في حي الرمال في غزة عام 2025، ذكرت تقارير أن "حماس" أكدت وفاة حذيفة الكحلوت المعروف باسم أبو عبيدة، قبل أن تقدم ناطقاً جديداً بالاسم نفسه، بما يكشف أن "أبو عبيدة" لم يعد شخصاً بقدر ما أصبح وظيفة قابلة للتوريث الإعلامي.

من الأبو إلى الحاج

انتقلت "أبو" في لبنان من كنية عائلية إلى لغة تنظيمية كاملة متأثرة أيضاً بالحالة الفلسطينية. ففي الحرب الأهلية، ومع تمدّد الأحزاب إلى ميليشيات، صار الاسم الحقيقي أحياناً عبئاً أمنياً، فدخلت الكنية إلى السياسة كما تدخل كلمة السرّ إلى الباب الخلفي. في اليسار، عرف جورج حاوي، الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني، باسم "أبو أنيس" في الحرب، وهي كنية تمنح القائد قرباً أبوياً من الرفاق بقدر ما تحجبه عن الخصوم. وفي المعسكر اليميني، صار إتيان صقر مؤسس "حراس الأرز" هو "أبو أرز"، وهنا جاء الخيار أن يكون أباً لرمز قومي لبناني، الأرز نفسه. وتحولت الـ"أبو" من قرابة بيولوجية إلى قرابة أيديولوجية. وانتشرت أسماء أخرى مثل أبو علي وأبو ليلى، إضافة إلى أسماء حركية أخرى تماهت إما مع أديب مشهور مثل جبران أو مطرب مثل مارسيل، أو تماهياً مع شخصيات عالمية وتاريخية مثل هانيبعل ونبوخذ نصر وسرجون وكارلوس والخميني وبيكاسو.

ثم جاءت ألقاب ما بعد الحرب لتعيد صناعة الزعامة بصيغة الدور، فصار سمير جعجع "الحكيم"، واللقب متصل بدراسته الطب قبل أن يبتلعه زمن الحرب، فبقيت المهنة غير المكتملة، وذهب الطبيب إلى السياسة والسلاح. والرئيس السابق ميشال عون صار "الجنرال"، لأن الرتبة العسكرية سبقت الزعامة الحزبية ثم التصقت بها حتى بعد المنفى والرئاسة.

ومع "حزب الله"، أخذ الاسم الحركي شكلاً أكثر انضباطاً وسرّية. وظهرت صيغة "الحاج" بما تحمله من وقار ديني وغطاء تنظيمي. وصار القيادي عماد مغنية "الحاج رضوان"، حتى إن الاسم انفصل عنه لاحقاً وصار عنواناً لقوة النخبة المعروفة بقوة الرضوان. ومصطفى بدر الدين عُرف بـ"ذو الفقار"، وظهر في القيادات الميدانية التي اكتشفت لاحقاً فؤاد شكر باسم "الحاج محسن"، وإبراهيم عقيل باسم "الحاج عبد القادر" أو "الحاج تحسين". وعندما كان يعلن الحزب عن قتلاه وبخاصة من القياديين كان يرافق كل اسمٍ اسمٌ حركي بين قوسين. ما يظهر إنه جزء من بنية عسكرية مغلقة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من الزرقاوي إلى الجولاني

أكملت "أبو" رحلتها مع مسؤولي تنظيم "القاعدة" وفروعها، ولم تعد مجرد كنية عربية تقليدية، وصارت قالباً شبه ثابت لصناعة هوية قتالية. هكذا يختفي الاسم المدني خلف تركيب يبدو قديماً ومألوفاً، لكنه يؤدي وظيفة حديثة جداً، من التمويه إلى صناعة الهيبة وربط الشخص بجغرافيا ذات دلالة. أبو مصعب الزرقاوي، واسمه الحقيقي أحمد فاضل نزال الخلايلة، أخذ نسبته من مدينة الزرقاء في الأردن، فصار الاسم يختصر رجلاً ومكاناً وسيرة عنف عابرة للعراق، بعدما قاد جماعة "التوحيد والجهاد" ثم أصبح أساس فرع "القاعدة" في العراق قبل مقتله عام 2006.

وعلى المنوال نفسه ظهر أبو محمد الجولاني، واسمه الحقيقي أحمد حسين الشرع، زعيم "جبهة النصرة" ثم "هيئة تحرير الشام". في اسمه تتجاور الكنية أبو محمد مع النسبة الجولاني، وهي نسبة إلى الجولان، بما يمنح الاسم ثقلاً سورياً حدودياً. قبل أن يستعيد اسمه الذي ولد به ويصبح رئيس الجمهورية العربية السورية بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد.

وليست هذه الصيغة استثناءً. ففي "القاعدة" نجد أبو محمد المصري، واسمه الحقيقي عبدالله أحمد عبدالله، حيث تقوم "المصري" مقام بطاقة منشأ، وأبو الخير المصري، واسمه الحقيقي عبدالله عبد الرحمن محمد رجب عبد الرحمن، أحد قيادات القاعدة، وأبو حفص المصري، واسمه الحقيقي محمد عاطف، الذي ارتبط بالقيادة العسكرية للتنظيم.

ابتلاع المنشأ

في سيرة دانييل مين، وهي مناضلة ومؤرخة جزائرية من أصول فرنسية، تتكثّف فكرة أن الاسم الحركي الذي قد يبدأ أداةً للنجاة وينتهي هوية كاملة. فلقد ولدت الفرنسية مين عام 1939 في فرنسا، وانخرطت وهي في سن المراهقة في العمل السري إلى جانب "جبهة التحرير الوطني" خلال حرب التحرير الجزائرية عام 1954، واتخذت اسم "جميلة" لتندمج داخل المجتمع الجزائري وتتفادى أجهزة الاستعمار الفرنسي، وأسهمت في نقل الرسائل، والمشاركة في شبكات الدعم والاتصال، والعمل ضمن بنية سرّية تتطلب محو الأثر الشخصي قدر الإمكان. وبعد الاستقلال عام 1962، لم تعد إلى اسمها الأول، وأصبحت جزائرية الجنسية، واتخذت اسم جميلة عمران، لتدخل به إلى المجال الأكاديمي. ودرست التاريخ، ودرّست في الجامعات الجزائرية، وكرّست عملها لتوثيق تجربة النساء في الثورة.

أسماء النساء الحركية

في تاريخ الحروب السرية، لا تقلّ أسماء النساء الحركية دلالة عن أفعالهن. فهي تخفي الاسم المدني وتكشف أيضاً كيف كانت المرأة تدخل الحرب من باب مزدوج، باب السرية، وباب كسر الصورة التقليدية عنها. ففي المقاومة الفرنسية، صارت مادلين ريفو عام 1924، تُعرف باسم Rainer حين انخرطت في مقاومة الاحتلال النازي وهي في عمر 18.

ومن فرنسا حملت سيمون سيغوان عام 1925، اسم Nicole Minet وشاركت في نقل الرسائل وأعمال التخريب وأسر جنود ألمان. أما في جهاز العمليات الخاصة البريطاني، فكانت الأسماء أكثر برودة استخباراتية مثل نور عنايت خان، البريطانية ذات الأصول الهندية، عملت في فرنسا المحتلة باسم Madeleine وبهوية أخرى أيضاً، قبل أن تُعدم في داخاو عام 1944. وفيوليت زابو، الفرنسية- البريطانية، حملت الاسم الحركي Louise في مهماتها داخل فرنسا، وقبض عليها وأُعدمت في رافنسبروك عام 1945.

كما عرفت الجزائرية دجميلة بوباشا عام 1938، باسمها الحركي Khelida داخل "جبهة التحرير"، قبل أن تتحول قضيتها بعد اعتقالها وتعذيبها عام 1960 إلى فضيحة سياسية وأخلاقية في فرنسا بفضل حملة جيزيل حليمي محاميتها التي كتبت مع سيمون دو بوفوار كتاباً عن أساليب التعذيب والاعتداء الجنسي والصعق الكهربائي وسواها التي تعرضت لها دجميلة.

وهناك أيضاً أسماء لم تمنحها المرأة لنفسها، بل أطلقها عليها العدو، مثل نانسي ويك، النيوزيلندية- الأسترالية التي عملت مع المقاومة الفرنسية و"هيئة العمليات الخاصة البريطانية"، ولقّبها "الغستابو" (الشرطة السرية الألمانية) بـ "الفأرة البيضاء"، لأنها كانت تفلت من المطاردة باستمرار، حتى رُصدت مكافأة كبيرة للقبض عليها.

من الثوار إلى الأدب

المدهش أن المنطق نفسه تسرب إلى الأدب والشعر. وتذكر بريتانيكا أن الكاتب الفرنسي جان مارسيل برولي انضم إلى المقاومة الفرنسية خلال الحرب العالمية الثانية واتخذ اسم Vercors، ثم اصبح هذا الاسم نفسه هويته الأدبية الأشهر، وبات بإمكانه توقيع الكتب بدل المنشورات السرية فقط.

أما في الأدب غير الحربي فقد يبدو اسم جورج ساند الأشهر، وهو في الأصل اسم لكاتبة فرنسية أنثى تدعى في الأصل أمانتين- لوسيل- أورور دوبين، لكنها اختارت اسماً أدبياً ذكورياً في لحظة كانت فيها السوق الأدبية والشرعية الثقافية أقل كرماً مع الكاتبات.

وفي أميركا، كتبت لويزا ماي ألكوت أعمالاً باسم مستعار حين أرادت نشر نصوص أكثر جرأة، وكأن الاسم الحقيقي صالح للأخلاق، والمستعار صالح للخيال.

وتخفّى الدبلوماسي التشيلي ريكاردو اليسير نيفتالي رييس باسولاتو بابلو نيرود تحت اسم بابلو نيرودا وهو الاسم الذي طغى تماماً، ليتفادى اعتراض والده على انخراطه في الأدب، وليمنح نفسه اسماً أبسط وأكثر وقعاً شعرياً. ومع الوقت، لم يعد الاسم المستعار مجرد غطاء، بل صار هويته الأدبية الكاملة التي عرفه بها العالم بعد أن كان الاسم الأصلي ضيقاً على الدور الجديد، أو غير ملائم للسوق والسلطة والرمز.

وفي فرنسا، اتخذ الفيلسوف والكاتب فولتير، واسمه الأصلي فرانسوا- ماري أرويه، اسماً مستعاراً يجنّبه تبعات آرائه النقدية. لكن الحالة الأكثر تطرفاً ربما كانت مع الشاعر البرتغالي فيرناندو بيسوا، الذي لم يكتفِ باسم مستعار واحد، فخلق عالماً من الأسماء أو الشخصيات، لكل منها أسلوب وسيرة.

الاسم المستعار جواز سفر جديد

في لبنان والعالم العربي، لم يكن الاسم المستعار عند الأدباء والشعراء مجرد توقيع بديل، فلقد كان أحياناً ملجأً من العائلة، أو مهرباً من الرقابة، أو قناعاً جمالياً. ويبرز في لبنان الشاعر بشارة عبدالله الخوري، الذي اختار لنفسه اسم "الأخطل الصغير" في إحالة واعية إلى الشاعر الأموي الأخطل التغلبي، كأنه كان يبني لنفسه نسباً شعرياً داخل التراث كوريث لسلالة بلاغية قديمة.

أما ماري إلياس زيادة، المولودة في الناصرة لأب لبناني وأم فلسطينية، فقد اختارت أن تُعرف باسم مي زيادة، وكتبت أيضاً بأسماء عدة منها إيزيس كوبيا، وعائدة، وكنار، وشجية، وخالد رأفت، والسندبادة البحرية الأولى، في استخدام لمختبر كامل للهويات. وكانت الكتابة النسائية مطلع القرن الـ 20 محكومة بنظرة اجتماعية ضيقة، لذلك بدا الاسم المستعار عند مي وسيلة لتوسيع مساحة الكلام من دون الاصطدام المباشر بالعائلة والمجتمع. وكتب أنسي الحاج بأسماء عدة منها "سراب العارف" و"عابر". وكتب رئيف خوري كتيباً عن فلسطين باسم "الفتى العربي"، تكشف هذه الحالات أن الاسم المستعار في لبنان كان أحياناً بدافع صناعة نبرة وأكثر قابلية لأن يتحول إلى توقيع ثقافي.

وفي مصر، كتبت الدكتورة عائشة عبد الرحمن، باسم "بنت الشاطئ". واختارته نسبة إلى شواطئ دمياط والنيل، حيث تشكلت طفولتها الأولى، كذلك استخدمته كي تكتب في الصحافة من دون أن تستفز سلطة الأب المحافظ كونها ابنة عالم أزهري. فكان الاسم يخفي المرأة قليلاً، لكنه لا يلغيها، ويموّه الاسم العائلي في حين يترك للكاتبة أن تدخل المجال العام عبر باب يبدو مقبولاً اجتماعياً.

ثم يأتي علي أحمد سعيد إسبر، الشاعر والناقد والمفكر السوري الذي صار لبنانياً وفرنسياً لاحقاً، باسم "أدونيس". هنا يبدو الاسم المستعار انقلاباً رمزياً، فلقد اختار اسماً أسطورياً فينيقياً يخرج به من حدود الاسم العربي التقليدي إلى فضاء حداثي كوني. وقد تبنّى الاسم منذ عام 1948 كأنه يعلن أن الشاعر لا يولد من سجل النفوس إنما من الأسطورة واللغة والتمرد على الموروث، كأنه شاعر أراد أن يهزّ القصيدة العربية من عمودها القديم.

وفي فلسطين يبدو غسان كنفاني حالة خاصة. الفلسطيني الذي عاش وكتب وناضل في بيروت استخدم أسماء عدة، منها فارس فارس، وأبو العز، وأبو فايز، وغين كاف، وربيع مطر، وغارسون... والسبب صحافي وسياسي وتنظيمي. إذ كان يكتب في الصحافة اللبنانية، وينتقل بين النقد والسياسة والسخرية واليوميات، فاحتاج إلى أسماء تتعدد بتعدد الوظائف، اسم للزاوية، واسم للنقد، واسم للتمويه، واسم للمعركة، كذلك كان يوقع مقالاته السياسية والأدبية باسمه الصريح. فلقد كان الاسم المستعار أداة عبور في البدايات، قبل أن يصبح الاسم الحقيقي نفسه جزءاً من الرمزية الفلسطينية المعاصرة.

ومن الأردن، اختار الشاعر والصحافي يحيى النميري النعيمات اسم "أمجد ناصر" بعد أن ترك الأردن وترك اسمه وراءه. لم يكن الأمر مجرد بلاغة جمالية، لكنه نوع من الخروج من الاسم العائلي إلى اسم المنفى. فلقد غادر الأردن إلى بيروت في سياق سياسي مرتبط بالمقاومة الفلسطينية، وعاش حصار بيروت ووثقه في كتاب. ثم عاش في منافٍ عدة، وبدا أن الاسم الجديد صار وطنه البديل وصار اسمه المهني الذي عرفه فيه الناس إلى درجة أن كثيرين لم يعرفوا اسمه الأصلي إلا عند رحيله عام 2019.

وفي العراق، تظهر حالة سلمى الملائكة، والدة الشاعرة نازك الملائكة، وكانت تنشر شعرها باسم "أم نزار الملائكة". حيث لا يخفي الاسم المرأة تماماً، لكنه يربطها بالأمومة، كأن المجتمع يسمح للشاعرة أن تدخل المجال العام بشرط أن تُعرّف من خلال دورها العائلي. والمفارقة أن هذه الأم، التي كتبت باسم شبه مستعار، كانت من المؤثرات المباشرة في تكوين ابنتها نازك الملائكة.  

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات