Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خطة عشرية لإنقاذ الأردن من عطشه القادم

برزت أول مبادرة برلمانية شاملة تضع الأمن المائي في صدارة الأولويات الوطنية

يهدر نحو 50 في المئة من المياه بسبب التسربات والتعديات على الشبكات في الأردن (أ ف ب)

ملخص

تحديث القطاعات الحالية باستخدام تقنيات ذكية، من قبيل اعتماد الري بالتنقيط وإعادة استخدام المياه الرمادية وترويج أدوات ترشيد استهلاك المياه.

وفقاً للأرقام الرسمية، فإن مخزون المياه في السدود الأردنية بات يشكل أقل من خمسة في المئة، والمياه المتوفرة فيها بالكاد تكفي لمليوني شخص في بلد يضم أكثر من 11 مليون إنسان، يواجه ثاني أكبر السدود الأردنية -سد الملك طلال- مخاوف الجفاف بالكامل بعد جفاف 11 سداً.

في بلد يعد من أفقر الدول مائياً في العالم، ومع حلول الصيف، وتزايد تحذيرات البنك الدولي و"اليونيسف" من انخفاض نصيب الفرد من المياه في الأردن إلى ما دون 60 متراً مكعباً سنوياً بحلول عام 2040، ثمة محاولات لإنقاذ الأردن من عطشه القادم بعد تسجيله ما يصل إلى أربعة أضعاف حد الفقر المائي المطلق.

وبينما تُقرع نواقيس الخطر حول مستقبل المياه في الأردن، وتتوالى التحذيرات الدولية من دخول المملكة مرحلة العطش الهيكلي، برزت أول مبادرة برلمانية شاملة تضع الأمن المائي في صدارة الأولويات الوطنية.

خطة عشرية

وطرحت هذه الخطة البرلمانية الإستراتيجية لحماية الأردن مائياً، كمحاولة لتشكيل تحول حقيقي في إدارة أزمة المياه المتفاقمة في البلاد.

وقال النائب خميس عطية الذي قدم هذه الخطة للحكومة إن الهدف مواجهة التحديات المتزايدة في ملف الأمن المائي، في ظل التغيرات المناخية والنمو الديموغرافي المتسارع.

وأوضح عطية أن السياسات المائية العادلة والفعالة تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة آثار التغير المناخي، وأن الأردن بحاجة ماسة إلى خطة مرنة وواقعية تحقق الأمن المائي الوطني، وتدعم مسارات التنمية المستدامة وتحافظ على الموارد الطبيعية.

وأشار إلى أن خطته المقترحة ترتكز على إعادة توزيع الموارد المائية بصورة عادلة بين مختلف القطاعات، مع إعطاء الأولوية للاستخدامات المنزلية والصحية والبيئية، مقابل خفض تدرجي لحصة المياه المخصصة للزراعة والصناعة والسياحة بنسبة تصل إلى 30 في المئة خلال 10 أعوام، وتعويض هذه القطاعات بأنشطة بديلة وتقنيات ذكية توفر عائداً اقتصادياً أعلى باستخدام مائي أقل.

يؤكد عطية أن الزراعة تستهلك 50 في المئة من المياه، على رغم إسهامها المحدود في الناتج المحلي الإجمالي، في ظل تحديات مناخية متزايدة.

بينما يواجه القطاع الصناعي ضغوطاً مائية تحد من تنافسيته وفرص نموه، في حين أن القطاع السياحي يتعرض لتراجع في موارده الطبيعية المائية، مما يؤثر في فرص العمل والعوائد.

ترتكز الخطة العشرية على رؤية إستراتيجية ذات مسارين، أولهما التحول نحو أنشطة منخفضة الاعتماد على المياه، كزراعة محاصيل مقاومة للجفاف وتشجيع الصناعات القائمة على التكنولوجيا والخدمات وتطوير السياحة البيئية والثقافية.

أما المسار الثاني فيقوم على تحديث القطاعات الحالية باستخدام تقنيات ذكية، من قبيل اعتماد الري بالتنقيط وإعادة استخدام المياه الرمادية وترويج أدوات ترشيد استهلاك المياه.

وتهدف الخطة إلى الوصول عام 2035 إلى استدامة كاملة بنسبة 30 في المئة وتطبيق نموذج الاقتصاد الدائري المائي.

حلول ولكن

في المقابل تقول الحكومة الأردنية إن لديها إستراتيجيتها الخاصة لمواجهة الأزمة المائية المتفاقمة التي أعلن عنها عام 2023 وتمتد حتى 2040.

تقوم هذه الإستراتيجية التي أُطلعت عليها "اندبندنت عربية" على حلول عدة من بينها تحلية المياه، إذ يسعى الأردن إلى تنفيذ مشاريع تحلية مياه البحر مثل مشروع الناقل الوطني، لتوفير مصادر مياه بديلة ومستدامة.

إضافة إلى سياسة إعادة استخدام مياه الصرف الصحي في الري والزراعة، مما يسهم في تقليل الضغط على الموارد المائية العذبة، وإدارة المياه الجوفية وحمايتها من الاستنزاف والتلوث من خلال تطبيق قوانين صارمة وتنفيذ برامج لإعادة تغذيتها.

وتتضمن الخطط المستقبلية بناء مجموعة من السدود الجديدة لتعزيز تخزين المياه وتحسين إدارة الموارد المائية، بخاصة خلال فترات الجفاف، وتقليل الفاقد المائي بنسبة اثنين في المئة سنوياً، وصولاً إلى 25 في المئة بحلول عام 2040، من خلال تحسين شبكات التوزيع والصيانة الدورية.

كما تسعى الحكومة إلى رفع كفاءة استخدام الطاقة في قطاع المياه من خلال زيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، مما يسهم في تقليل الكلف وتحقيق الاستدامة.

أرقام مقلقة

وتقول وزارة المياه الأردنية إن مصادر المياه في البلاد هي المياه الجوفية وبنسبة 55 في المئة والمياه السطحية والسدود وتشكل ما نسبته 25 في المئة، أما المياه المعاجلة والمعاد استخدامها فتشكل نحو 20 في المئة.

وتبلغ السعة التخزينية الإجمالية للسدود 336 مليون متر مكعب، لكن المخزون الحالي وفق آخر الأرقام الرسمية لا يتجاوز 90 مليون متر مكعب أي نحو 26 في المئة فقط.

في المجمل يهدر نحو 50 في المئة من المياه بسبب التسربات والتعديات على الشبكات، وفي حين أن الطلب السنوي على المياه يتجاوز 1.3 مليار متر مكعب، فإن التزويد الفعلي أقل من 900 مليون متر مكعب.

العطش في كل صيف

يربط متخصصون أسباب الأزمة المائية في الأردن بعوامل عدة أبرزها جفاف السدود وتراجع مخزون المياه، إذ تعتمد السدود الأردنية بصورة رئيسة على مياه الأمطار، إلا أن التغيرات المناخية أدت إلى انخفاض معدلات الهطول وزيادة فترات الجفاف، مما قلل من كميات المياه الواردة للسدود.

ووفقاً للأرقام الرسمية، فإن مخزون المياه في السدود الأردنية بات يشكل أقل من خمسة في المئة، والمياه المتوفرة فيها بالكاد تكفي لمليوني شخص في بلد يضم أكثر من 11 مليون إنسان، بينما يواجه ثاني أكبر السدود الأردنية -سد الملك طلال- مخاوف الجفاف بالكامل بعد جفاف 11 سداً كان آخرها سد وادي الموجب الذي يحوي على 30 مليون متر مكعب من مياه الأمطار.

إلى جانب ذلك كله، يشكل تراجع منسوب نهر الأردن والبحر الميت تهديداً إضافياً، حيث تشير تقارير بيئية إلى انخفاض منسوب جريان نهر الأردن إلى سبعة في المئة، مما أدى إلى انخفاض منسوب البحر الميت ثلاثة أقدام كل عام.

كما يعد الأردن من أكثر الدول تأثراً بالتغير المناخي، حيث يشهد فترات جفاف هي الأسوأ في تاريخه، نتيجة لانخفاض معدلات هطول الأمطار وارتفاع درجات الحرارة.

ووفقاً لتقارير "اليونيسف" والبنك الدولي، هناك تراجع للموارد الجوفية بمعدل يزيد على 10 أمتار سنوياً في بعض الأحواض المائية.

كما أن نمو السكان، بمن فيهم اللاجئون، أدى إلى زيادة الطلب على المياه، مع توقع انخفاض نصيب الفرد من المياه بنسبة 30 في المئة إضافية بحلول عام 2040.

تحايل على نقص المياه

وفي كل صيف تتكرر شكاوى المواطنين من انقطاع المياه وندرتها، بخاصة في محافظات مثل عجلون وجرش، ويضطر كثير من الأردنيين إلى الاعتماد على مصادر أخرى مثل شراء خزانات المياه، أو السطو على العيون والينابيع السطحية القريبة من قراهم للتزود بالمياه على رغم ما يحمله ذلك من أخطار صحية.

يواجه الأردنيون تحديات شح المياه بطرق مبتكرة أحياناً أو البحث المضني عن حلول فردية في ظل منظومة مائية تعاني التردي. لكنها كلها تكشف عن أزمة مائية بنيوية تهدد الاستقرار المعيشي للمواطن العادي، خصوصاً في الصيف.

ويعتمد أكثر من 95 في المئة من الأردنيين على نظام الدور الأسبوعي لتوزيع المياه، بحيث لا تصل المياه إلى المنازل إلا مرة واحدة في الأسبوع مما يفرض على كل أسرة أن تدير حاجاتها من المياه لما تبقى من الأيام.

يتأهب كثيرون فجراً لضمان تعبئة الخزانات الأرضية والعلوية، بينما يعمد معظمهم إلى تشغيل مضخات كهربائية للحصول على أكبر كمية ممكنة من المياه، بينما تتحول بقية أيام الأسبوع إلى محاولة مضنية للاقتصاد في استهلاك المياه.

وبحسب تقرير البنك الدولي الصادر عام 2021 يبلغ متوسط استهلاك الفرد في الأردن نحو 61 ليتراً يومياً فقط، وهو ما يدفع البعض إلى اللجوء للمياه المنقولة بالصهاريج، بكلفة إضافية تؤثر بقوة في موازنات الطبقة الوسطى والفقيرة، وتصنف على أنها شكل من أشكال "الفقر المائي الاقتصادي".

في صور أخرى، تبرز حيلة جمع مياه الأمطار عبر خزانات خاصة في بعض القرى أو البيوت المستقلة، وإعادة استخدام مياه غسيل الخضراوات أو الاستحمام لري الحدائق أو تنظيف الأرضيات.

وفي مناطق الأغوار والبادية الفقيرة، حيث تصل أزمة العطش إلى ذروتها، يعتمد المواطنون هناك على مشاريع جمعيات محلية وأهلية لتوفير المياه، مما يولد لديهم شعوراً بانعدام الأمان المائي.

إدارة مياه سيئة

يصف المتخصص المائي دريد محاسنة الإدارة المائية في الأردن بأنها "سيئة"، مشيراً إلى تأخر السلطات المعنية في إيجاد حلول لشح المياه لمدة 20 عاماً.

 ويضيف "كنا نتحدث عن قناة البحرين التي يفترض أن توفر 650 مليون متر مكعب في التسعينيات من القرن الماضي، أما اليوم فنتحدث عن مشروع الناقل الوطني الذي يفترض أن يوفر للعاصمة عمان 250 مليون متر مكعب، وهو أحد الحلول الإيجابية، لكن هذا يجب أن يجري وفق جدوله الزمني ومع ذلك ستتفاقم الأزمة المائية من دون أن يشكل حلاً شافياً.

ينتقد محاسنة ما سماه هيمنة القطاع العام على مسألة البحث عن مصادر للمياه داعياً لفتح المجال أمام القطاع الخاص، مضيفاً أن إدارة المياه الحالية غير واقعية حيث يستنزف الأردن نحو 860 في المئة من المياه على الزراعة خلافاً لمشكلة أخرى مثل سرقة المياه والفاقد المائي وحفر الآبار الجائرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

معضلة هدر المياه

في عام 2023 وافق البنك الدولي على تمويل بقيمة 250 مليون دولار، لتحسين كفاءة الخدمات المائية في الأردن، من خلال إعادة تأهيل شبكات توزيع المياه وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة وتعزيز منظومة إدارة الجفاف في المملكة، مع توقع أن يستفيد نحو 1.6 مليون فرد في الأردن من هذا المشروع، من خلال خفض إهدار المياه وخفض استهلاك الكهرباء وتحسين أنظمة إدارة المياه.

يستهدف المشروع المناطق التي تضم أعداداً كبيرة من اللاجئين، ويقول القائمون عليه إن متوسط نصيب الفرد من الموارد المائية المتاحة 97 متراً مكعباً سنوياً، وهو ما يقل كثيراً عن الحد المطلق لشح المياه، والبالغ 500 متر مكعب للفرد سنوياً، وإن أحد أسباب ذلك النمو السكاني وتدفق اللاجئين إلى البلاد خلال العقد الماضي، مما أدى إلى ضغوط شديدة على أنظمة تقديم الخدمات المائية.

يتوقع البنك الدولي أيضاً نقص متوسط نصيب الفرد من الموارد المائية المتاحة بنسبة 30 في المئة بحلول عام 2040، وبخاصة مع تسرب 50 في المئة من مياه البلديات من الأنابيب.

ويتوقع أن يؤدي تنفيذ تدابير خفض الهدر المائي إلى توفير نحو 10 ملايين متر مكعب من المياه وتحسين خدمات المياه المقدمة للمواطنين وخفض استهلاك الكهرباء.

في هذا الصدد يشغل الأردن 34 محطة لمعالجة مياه الصرف الصحي، حيث يُعاد استخدام المياه المعالجة في الزراعة وتشكل هذه المياه ما نسبته 25 في المئة من إجمال المياه المستخدمة للري.

التغير المناخي

المتخصص المائي إلياس سلامة بدوره يشير إلى أثر التغير المناخي في شح المياه بالأردن، حيث ينعكس ذلك من خلال ارتفاع درجات الحرارة وزيادة التبخر بصورة تنعكس على مصادر المياه، إضافة إلى نقص كمية الهطول المطري.

يضيف سلامة "خلال الأعوام الـ10 الماضية حدث هبوط في كميات الأمطار بنسبة 12 في المئة، وهو رقم كبير لأن الأردن دولة شبه جافة، ومياه الهطول تخزن في التربة وتتبخر لاحقاً مما يؤثر في المياه الجوفية، كما أن مخزون السدود سيتأثر بدوره".

ويؤكد سلامة أن "وضع الهطول المطري غير مريح بسبب التغيرات المناخية، لكن الحكومة الأردنية تحاول التصدي لهذه الأخطار من قبيل زيادة السدود والحفائر المائية، وإعادة التدوير والاستفادة من المياه العادمة، واستخدام وسائل الري الحديثة لتوفير المياه في القطاع الزراعي، وزيادة المصادر المائية من خارج الأردن، المشتركة مع الدول الأخرى المجاورة، لكن الأجدى هو تحلية المياه كحل أنجع".

حلول سيادية أم إقليمية؟

مع الضغوط التي يواجهها الأردن مائياً، وما بين تحقيق السيادة والأمن المائيين، برزت حلول إقليمية ومشاريع مثل "الناقل الوطني" واتفاق الماء مقابل الكهرباء مع إسرائيل.

وتحمل هذه المشاريع، وفق مراقبين، أبعاداً تؤثر في قرارات المملكة واستقلالها في هذا المجال الحيوي.

إذ يعد مشروع الناقل الوطني لتحلية مياه البحر الأحمر ونقلها إلى المناطق الداخلية، وبخاصة العاصمة عمّان، حجر الزاوية في إستراتيجية الأردن لتحقيق أمن مائي مستقل، لا سيما أنه ممول من قبل المنح الدولية، من دون الحاجة لتحميل الموازنة العامة أعباء إضافية.

لكن في المقابل تعد اتفاقية "الماء مقابل الكهرباء" مع إسرائيل مثيرة للجدل، إذ يقوم بموجبها الأردن بإنتاج الكهرباء من مصادر متجددة لمصلحة إسرائيل، مقابل حصوله على مياه محلاة من تل أبيب.

أثارت هذه الاتفاقية جدلاً واسعاً في الأردن، حيث اعتبرها البعض تهديداً للسيادة الوطنية، فيما وصفها آخرون بأنها "تطبيع قسري" يضع أمن الأردن المائي تحت رحمة إسرائيل.

وسط ذلك كله يحاول الأردن تحقيق توازن دقيق بين تعزيز المشاريع الوطنية المستقلة والشراكات الإقليمية.

يؤكد وزير المياه رائد أبو السعود أن مشروع "الناقل الوطني" يمثل مخرجاً لأزمته المائية، حيث سيوفر 300 مليون متر مكعب من المياه المحلاة من البحر الأحمر في خليج العقبة.

يضيف السعود "تقدر كلفة المشروع بملياري دينار أردني أي نحو 2.82 مليار دولار، وهو مشروع إستراتيجي سيادي استثماري بامتياز يعزز السيادة والاستقلالية الوطنية على موارد التزويد المائي في المملكة من دون أن يكون هناك تدخل لأية جهة ما بالإمداد المائي، وسيكون له دور كبير في تعزيز التزويد المائي للمواطنين الأردنيين على مدار أعوام طويله قادمة وسيؤدي إلى زيادة الأمن المائي في الأردن وسيكون هناك تزويد مائي للأنشطة والقطاعات الصناعية والاقتصادية كافة".

يؤكد أبو السعود أن الأردن بات الأفقر مائياً في العالم، لذلك فإن هذا المشروع الإستراتيجي سيحل مشكلتنا حتى عام 2055. ووفقاً للأرقام العالمية، فإن كمية 500 متر مكعب سنوياً من المياه تجعل منه بلداً فقيراً جداً.

ويؤكد الوزير الأردني أن لا بديل عن تحلية المياه في خليج العقبة ونقلها للمدن الأردنية كافة، وذلك لعدم وجود مياه سطحية وبحيرات وأنهار أو مصادر مائية في المملكة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير