ملخص
في المساء يتسلل البعوض من النوافذ المكسورة ويملأ الغرف المغلقة ويغزو خيم النازحين المهترئة، حيث لم تعد الأمور مجرد إزعاج موسمي، بل أصبحت ظاهرة صحية مقلقة، إذ يتفشى البعوض كأسراب في مختلف أنحاء القطاع، وبدأت تنجم عنه أمراض مقلقة.
يحمل أدهم لاصق الحشرات ويقفز على السرير ويلوح بيده في محاولة لاصطياد البعوض، تطير الحشرة ويتابعها الشاب بنظره ويركض خلفها محاولاً قتلها أو طردها من بيته، لكن لا جدوى، فهذه الجيوش الصغيرة الطائرة تستطيع التخفي جيداً عن عينيه.
بطرق بدائية جداً يحاول أدهم القضاء على البعوض الذي يؤرق نومه ويلدغ أطفاله، يقول "بعدما فشلت الطريقة الأولى سأجرب أمراً ما"، يرش الشاب روائح قوية في أرجاء غرفته ظناً منه أن تلك المحاولة ستدفع الحشرة الطائرة للهرب من الغرفة بما يضمن له جواً مناسباً للنوم.
مجدداً يفشل أدهم في طرد البعوض، فيضع في كيس من النايلون الشفاف قليلاً من الماء والسكر والخميرة ويربطه في سقف الغرفة، إذ يعتقد أن هذه الطريقة ستنجح في تجميع الحشرات حول الكيس، يجرب النوم لكن صوت طنين البعوض يزعجه ويدفعه لتجريب طريقة ثالثة.
بعد تجارب فاشلة، لبس أدهم ملابس طويلة، ويقول "البعوض في الليل، والذباب في النهار، نحن لا ننام الليل، ولا نستطيع الجلوس في النهار بسبب هذه الحشرات التي أصبحت جزءاً من حياتنا".
ظروف مثالية
في المساء يتسلل البعوض من النوافذ المكسورة ويملأ الغرف المغلقة ويغزو خيم النازحين المهترئة، حيث لم تعد الأمور مجرد إزعاج موسمي، بل أصبحت ظاهرة صحية مقلقة، إذ يتفشى البعوض كأسراب في مختلف أنحاء القطاع، وبدأت تنجم عنه أمراض مقلقة.
خلقت الحرب في غزة ظروفاً مثالية لانتشار البعوض بصورة كثيفة، إذ دمرت العمليات العسكرية شبكات الصرف الصحي وطفحت المياه العادمة في الشوارع، مما ساعد على انتشار البعوض، وتكدست أطنان النفايات في الأحياء وخلقت بيئة مناسبة لتكاثر الحشرة.
ومن العوامل الأخرى التي أدت إلى انتشار البعوض أيضاً توقف بلدية غزة عن رش أماكن تكاثر الحشرة، حيث يعجز الفنيون عن تشغيل معدات رش المبيدات أو شفط المياه، وسط نقص في الوقود والمبيدات.
تعرض خويلة ساقها وذراعها لتظهر لدغات البعوض، وتقول "نحاول إشعال الفحم، نرش الخل، نغلق النوافذ، نستخدم مبيدات محلية الصنع، لكن كل شيء فاشل، نحن نواجه أسراباً كثيفة من الحشرات الطائرة والمزعجة".
وتضيف خويلة "إزعاج البعوض يتزامن مع الروائح الكريهة المنبعثة من سيول الصرف الصحي وأكوام القمامة، هنا يتحول البعوض إلى ناقل محتمل للأمراض، بخاصة مع بدء صيف غزة، الذي يحول أرجاء القطاع إلى منطقة عالية الرطوبة، مما يخلق بيئة مناسبة لتكاثر البعوض".
جثامين الضحايا
توضح خويلة أنه مع أول ارتفاع في درجات الحرارة خرج البعوض يلدغ أجساد الغزيين، ولاحظت أن حجم الحشرة بات كبيراً ويقترب من حجم النحلة، فكل شيء في غزة يساعد على نمو هذه الحشرات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتتابع "البعوض يتغذى على جثامين ودماء الضحايا الذين يعدمهم الجيش الإسرائيلي في الحرب، كما تجد الحشرة المياه الراكضة وأكياس القمامة المتعفنة وتنمو بسرعة، وللأسف لم توزع مؤسسات الإغاثة أية معونات تتعلق بمكافحة انتشار الحشرات".
يحك مالك جلده من آثار قرصة البعوض، ويقول "يصل الأمر إلى خروج الدم أحياناً بسبب شدة القرص الذي يتسبب به البعوض، أنا خائف من انتقال الأمراض لأطفالي بسبب اللدغات، ذهبت إلى مراكز الرعاية الأولية ولم أجد أدوية لمكافحة البعوض أو للتخفيف من الآلام التي تحدثها لسعاته".
يقول المختص في علم الأوبئة بجامعات غزة، أحمد عمرو "قبل الحرب كان البعوض في غزة غير سام ولا ينقل الأمراض ولا العدوى، لكن الآن تغير كل شيء، رصدنا أمراضاً معدية تنتقل إلى الإنسان من خلال لدغة المفصليات مثل البعوض والذباب، التي تعمل كنواقل".
ويضيف "تشكل الأمراض المنقولة بواسطة البعوض نسبة تزيد على 17 في المئة من الأمراض المعدية في غزة، إن ما نشهده في مراكز الإيواء ومخيمات النزوح من تراكم للمياه الراكدة، والإدارة غير الكافية للنفايات والصرف الصحي، يهيئ بيئة خصبة لنواقل الأمراض".
بحسب عمرو، فإن الملاريا وحمى الضنك وداء "الليشمانيا" الجلدي ظهرت في غزة أثناء الحرب بسبب البعوض، وهذه الأمراض آخذة في الارتفاع. مشيراً إلى تسجيل 83 ألف حالة جرب، و48 ألف طفح جلدي، و7300 حالة جدري الماء.
البلدية عاجزة
لا تستطيع بلدية غزة مواجهة البعوض، يقول رئيس قسم الصحة الوقائية، ماجد سكر "مكافحة البعوض تتم بثلاث طرق: المعالجة الميكانيكية، والبيولوجية، والكيمائية، وهي طرق تستهدف مكافحة الحشرة في كافة مراحل دورة حياتها". موضحاً "المعالجة الميكانيكية تتمثل في التخلص من المياه الراكدة في برك تجميع مياه الأمطار، ومن ثم التخلص منها في مرحلة البيضة، وهذا مستحيل لأن إسرائيل قصفت مرافق الصرف الصحي".
ويتابع "أما المعالجة البيولوجية فتتم من خلال استخدام المبيدات الحيوية، وترفض إسرائيل إمداد غزة بها، والكيماوية تستخدم لمعالجة الحشرة الكاملة المتطايرة، وتجري مكافحتها بجهاز الضباب وكذلك المضخات اليدوية، على أن يتم رش المبيد في الأماكن المفتوحة خلال الفترة المسائية، وهذا العمل متوقف بسبب الأوضاع الحربية".