ملخص
وفقاً للمركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي (حملة) فإن ما يقدر بنحو 75 في المئة من البنية التحتية للاتصالات السلكية واللاسلكية في غزة تضررت، وألحق الضرر بالألياف الضوئية بصورة بالغة، ودمرت مراكز البيانات، وظل ما يقدر بـ25 في المئة فقط من البنية التحتية نشطاً في مناطق محددة.
ليلة السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وقبل اشتعال الحرب بساعات، احتفل يزيد صالح (26 سنة) مع أصدقائه عند شاطئ بحر غزة، بمناسبة حصوله على وظيفة في شركة عالمية مرموقة بمجال البرمجة والتصميم، ففي ظل العيش في قطاع محاصر يخضع فيه التنقل والسفر إلى قيود مشددة. اضطر صالح إلى العمل عبر الإنترنت، إلا أنه ومنذ ما يزيد على 600 يوم من الحرب وقطع إسرائيل الخدمات من طرفها بحكم أنها المسيطر على الكابلات (خطوط الاتصال) والشبكات بين الضفة الغربية وقطاع غزة، إلى جانب سيطرتها على الكابلات الدولية، يخوض الشاب الفلسطيني معركة يومية للحصول على الإنترنت والصمود أمام الهيمنة التكنولوجية والمعلوماتية التي تفرضها حكومة بنيامين نتنياهو من أجل عزل سكان غزة.
انقطاع الإنترنت بصورة مستمرة يحول دون تواصل صالح مع شركته في الخارج، مما يهدد بفقدانه مصدر دخله الوحيد في وقت عصيب ارتفعت فيه أسعار السلع بصورة جنونية بسبب شح الموارد. وحتى في الأوقات التي لا يحدث فيها انقطاع كامل، تظل البنية التحتية للاتصالات ضعيفة والخدمة متقطعة. فإسرائيل التي تدرك أهمية خدمات الاتصالات والإنترنت وما تشكله من قنوات حيوية لتواصل الغزاويين مع العالم الخارجي، ونافذة لعرض معاناتهم أمام المجتمع الدولي، عارضت مقترحاً في منتدى عقدته الأمم المتحدة عام 2024، يهدف إلى إعادة إعمار البنية التحتية للاتصالات السلكية واللاسلكية في قطاع غزة التي دمرتها الحرب، بحجة أنها بمثابة سلاح في أيدي عناصر "حماس"، وفق تقرير نشره موقع "ذي إنترسبت".
ووفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في عام 2022، بلغ معدل استخدام الإنترنت بين الفلسطينيين (10 سنوات فأكثر) نحو 88 في المئة بواقع 92 في المئة في الضفة الغربية، و83 في المئة في قطاع غزة، الأمر الذي يعكس الاعتماد المتزايد على الإنترنت في مختلف جوانب الحياة اليومية للفلسطينيين، سواء للتعليم أم العمل أم التجارة وغيرها.
كما تبرز تلك المعدلات المرتفعة دور الإنترنت الجوهري في التواصل بين الفلسطينيين الذين فرقتهم الانقسامات الجغرافية والسياسية في ظل الشتات المتنامي، وبحسب الأرقام الرسمية الحديثة، فقد أخرجت الحرب الإسرائيلية نحو ثلثي أبراج الاتصالات الخليوية في قطاع غزة من الخدمة كلياً، وأصبح نحو 64 في المئة من أصل 841 برجاً تابعاً لشركات الاتصالات الخلوية خارج التغطية، ونصت المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على وجوب حماية وتعزيز والتمتع بحقوق الإنسان على الإنترنت.
بنية تحتية
إلى جانب انهيار الخدمات الأساسية بفعل الدمار والتجريف واسع النطاق، أدى القصف الإسرائيلي المستمر على القطاع منذ 17 شهراً إلى فصل كابلات الألياف الضوئية وهدم أبراج الاتصالات الخلوية وألحق أضراراً كارثية بالبنية التحتية، حتى بات سكان غزة في عزلة تامة عن العالم الخارجي حالت دون التواصل أو مشاركة قصصهم أو الوصول إلى الأخبار والمعلومات الحيوية وخدمات الطوارئ وتحديثات السلامة أو حتى طلب المساعدة.
ووفقاً للمركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي (حملة) فإن ما يقدر بنحو 75 في المئة من البنية التحتية للاتصالات السلكية واللاسلكية في غزة تضررت، وألحق الضرر بالألياف الضوئية بصورة بالغة، ودمرت مراكز البيانات، وظل ما يقدر بـ25 في المئة فقط من البنية التحتية نشطاً في مناطق محددة.
وتقدر كلفة هذا الدمار بحسب البيانات التي جمعها المركز بنحو 90 مليون دولار، باستثناء الأضرار التي لحقت بالمرافق تحت الأرض. في حين قدر البنك الدولي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة الأضرار المباشرة التي لحقت بالبنية التحتية المبنية في غزة جراء القصف الإسرائيلي بنحو 18.5 مليار دولار، أي ما يعادل 97 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للضفة الغربية وغزة في 2022.
أما البنية التحتية المتبقية فتعتمد الآن اعتماداً تاماً على المولدات العاملة بمادة الديزل الشحيحة، مما يجعل خدمات الاتصالات مرتهنة بتوفر الوقود. وكشف المدير التنفيذي لهيئة تنظيم قطاع الاتصالات ليث ضراغمة عن أن الخسائر المباشرة وغير المباشرة في قطاع الاتصالات تقدر بنصف مليار دولار، مما يهدد استمرار الخدمات حتى بعد توقف الحرب. إلى جانب ذلك فقد ترك تقييد الوصول إلى المعلومات وانقطاع خدمات الاتصالات السلكية واللاسلكية المدنيين من دون إمكان الوصول إلى مصادر المعلومات الإلكترونية القليلة المتبقية والموثوقة، مثل وسائل الإعلام عبر الإنترنت ومنصات الرسائل، وقد تفاقم هذا الوضع سوءاً بعد إغلاق محطات البث المحلية، وفرض قيود على الصحافيين الدوليين.
ووفقاً للجنة حماية الصحافيين، فقد أثر انقطاع الاتصالات السلكية واللاسلكية ومنع الأفراد من الوصول إلى خدمات الطوارئ والإنقاذ، لزيادة عدد القتلى بسبب تأخير الاتصالات. فيما تقول شركة الاتصالات الفلسطينية "بالتل" إن شبكتها لا تزال معطلة بنسبة 80 في المئة خصوصاً مع انقطاع الكهرباء المستمر، مشيرة إلى أن أية محاولة لاستعادة الخدمة يجري إحباطها بفعل الغارات الإسرائيلية والحظر المفروض على مواد التصليح.
وأكدت أن القوات الإسرائيلية استهدفت طواقم الصيانة وأردتهم قتلى، حتى حينما قامت المنظمات الدولية بإخبار الجيش الإسرائيلي بإحداثيات تلك الطواقم في محاولة لضمان عبورهم الآمن. وبحسب تقرير"ذي إنترسبت"، فكلما زاد معدل القصف الإسرائيلي أصبح من الصعب على سكان غزة معرفة أنهم على وشك التعرض للقصف، خصوصاً وأن إسرائيل تزعم ترويج جهودها في تحذير المدنيين من القصف الجوي الوشيك، عبر استخدام الاتصالات الخلوية والإنترنت التي تقطعها القوات الجوية الإسرائيلية باستمرار.
ضائقة نفسية
لأن الافتقار إلى قطاع اتصالات فعال يعد أحد أكبر العقبات أمام الإغاثة الإنسانية، وإعادة البناء والانتعاش الاقتصادي، أصبحت الفرص الاقتصادية الهشة أصلاً التي تعتمد بصورة كبيرة على المنصات الرقمية مشلولة كلياً، كما أن إلغاء الوصول لمنصات الدفع الرقمية والأسواق العالمية أدى إلى منع التبرعات بالغة الأهمية للمساعدات الإنسانية، فتدمير البنية التحتية والقيود المفروضة على الإنترنت، واستهداف إلغاء المنصات حرم الغزاويين من الوصول إلى الدعم المالي الدولي، التي من شأنها أن تنقذ حياتهم، وأصبح من الصعب الوصول إلى حساباتهم البنكية أو إجراء أية معاملات مالية.
وبحسب اختصاصيين، فقد ألحق استهداف شبكات الاتصالات والإنترنت بصورة واسعة في غزة ضرراً مفرطاً بالمدنيين، وهو ما يخالف مبدأ التناسب الذي ينص عليه القانون الدولي، الذي يمنع أي هجوم يتسبب في خسائر مدنية غير متناسبة مع الفائدة العسكرية المتوقعة.
ويرى كثيرون أن قطع إسرائيل الإنترنت وتعطيل شبكة الاتصالات في غزة استخدم كسلاح حرب وعقاب جماعي، وهو بمثابة هجوم إلكتروني يؤدي إلى إيذاء المدنيين وعرقلة الإغاثة ويمنع الوصول إلى معلومات حيوية كالمعلومات عن المناطق الآمنة.
استجابة طبية
تداعيات تدمير البنية التحتية وانقطاع الإنترنت والاتصالات عن معظم سكان غزة لفترات طويلة لم تقتصر على القطاعات الحيوية والخسائر المادية، ففي ظل غياب الاتصالات لا سيما عن قطاعي الصحة والإغاثة الإنسانية، غدت المستشفيات والطواقم الطبية عاجزة تماماً عن تنسيق الجهود الطبية في ما بينها أو طلب المساعدة اللازمة لحصول المرضى على الرعاية الطارئة.
وأصبح الفلسطينيون في غزة معرضين للخطر بسبب عدم استطاعتهم الحصول على معلومات قد تنقذ حياتهم أو الاتصال بأسرهم، وعلى رغم أن البلديات استطاعت تحسين القدرة على الدخول إلى الإنترنت، لا تزال نسبة مستوى الوصول إلى الإنترنت محدودة بعد انخفاضها بنسبة 80 في المئة. وتؤكد منظمة "أطباء بلا حدود" أن انقطاع الاتصالات يهدد الجهود الطبية ويفاقم معاناة المدنيين، بينما وثقت منظمة الصحة العالمية حالات عديدة لأشخاص فقدوا حياتهم بسبب تعذر طلب المساعدة الطبية في الوقت المناسب.
ولعل هذا ما أكده الطبيب البريطاني من أصل فلسطيني غسان أبو ستة، الذي قال إن فقدان الاتصال وتقييد الوصول إلى المعلومات الحيوية أدى إلى شل جهود الاستجابة الطبية، وعرض عدداً لا يحصى من الأرواح للخطر، مشيراً إلى أن هناك حاجة ملحة إلى استعادة الوصول الرقمي لضمان عمل أنظمة الرعاية الصحية في مناطق النزاع.
وكانت الأمم المتحدة حذرت من أن انقطاع الاتصالات الهاتفية والانترنت يؤدي إلى تفاقم الوضع الإنساني المتردي بالفعل في الأراضي الفلسطينية، في حين أشار تقرير للإذاعة الأميركية العامة "إن بي آر" أن الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي وتدمير البنية التحتية لشبكات الاتصالات جراء القصف الإسرائيلي في غزة، عرقلا القدرة على إجراء مكالمات بسيطة، حتى تلك التي تطلب الاستنجاد بسيارات الإسعاف.
ولأن تدمير البنية التحتية للإنترنت قطع الوصول إلى التعليم وفرص التعلم الحيوية لجميع الأعمار، خصوصاً مع تعرض أكثر من 90 في المئة من المدارس والجامعات لأضرار جسيمة، أو أنها دمرت بالكامل، طالبت الجهود الشعبية ومبادرات التعليم غير الرسمية التي يقودها أشخاص يعملون في غزة في توفير فرص التعلم في ظل هذه الظروف القاسية، والحاجة إلى الاعتراف بالتعليم كحق رقمي أساس لا يمكن فصله عن بقية الحقوق الإنسانية.
إبادة رقمية
تداعيات الانقطاع الرقمي المفروض على قطاع غزة، وانعكاساته الكارثية على التعليم والاقتصاد والرعاية الصحية والدعم النفسي والتواصل الإنساني، دفعتا عدداً من الاختصاصيين والمراقبين والأكاديميين للمطالبة بتحويل تدمير إسرائيل للبنية التحتية الرقمية في غزة إلى ملف قانوني متكامل قابل للمساءلة أمام المحاكم الدولية، إلى جانب بحث سبل التصدي للرقابة الرقمية والانتهاكات التكنولوجية والتواطؤ المؤسسي مع سياسات نتنياهو.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبحسب الأستاذة المساعدة في القانون الدولي والتكنولوجيا في جامعة "أوبسالا" السويدية ميس قنديل، فإن تحضير هذا الملف يجري من خلال توثيق الأثر الإنساني للعزل الرقمي بالأدلة التقنية والشهادات الميدانية، والتعاون مع اختصاصيين في القانون الإنساني لتحليل الانتهاكات وتصنيفها. كما يجب الضغط على الدول التي تحتضن شركات متورطة للمطالبة بتحقيقات ومحاسبة بموجب الولاية القضائية العالمية، وتحويل الانتهاك إلى سردية قانونية موثقة وقابلة للتقاضي.
ودعت قنديل خلال مداخلتها في منتدى فلسطين الرقمي 2025 إلى ضرورة أن تتحمل إسرائيل مسؤولياتها كقوة احتلال في حماية البنية التحتية المدنية، ولا سيما قطاع الاتصالات والإنترنت، مؤكدة أن تدمير البنية التحتية الرقمية في غزة يشكل انتهاكاً لاتفاقات جنيف الرابعة. وأضافت "تمكنت إسرائيل من خلال تدمير البنية التحتية المرتبطة بوسائل التواصل، ومنع نقل المعلومات وتشاركها بسبب قطع الكهرباء، من تنفيذ المحو المعلوماتي الذي عطل الأجهزة الإلكترونية التي يمكن بواسطتها نقل وتشارك هذه المعلومات مثل الحواسيب والهواتف الخليوية."
وفيما تطالب الغالبية الساحقة في غزة المنظمات الإنسانية الدولية إدخال المواد الغذائية الضرورية والأدوية والمستلزمات الطبية، يناشد صالح ومئات الشباب الغزاويين الذي وجدوا في العمل عبر الانترنت ملاذاً لهم لبدء حياة كريمة، وإدخال أجهزة الاتصالات اللاسلكية والبطاريات القابلة للشحن والهواتف الفضائية، لضمان استمرار التواصل بين المجتمعات المحلية داخل غزة وخارجها، وإيلاء الأولوية لتوزيع هذه المعدات على الفئات الأكثر تضرراً من أجل استدامة تدفق المعلومات وقت الأزمات، وتيسير الاستجابة الفورية لحالات الطوارئ وإيصال الإغاثة الإنسانية.