غضب فرنسي من لبنان... مؤتمر "سيدر" في خطر

إحتمال صدور رزمة جديدة من العقوبات الأميركية على شخصيات وكيانات حليفة لحزب الله

رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

"علاقة خاصة جدا"، أقل ما يمكن أن تُوصَف به علاقة فرنسا بلبنان، التي تمتد جذورها إلى قرون عدة، حيث لعبت "الأم الحنون" دوراً حاسماً في وجود الكيان اللبناني، ففي عام 1861 تدخلت عسكريا في الحرب الأهلية اللبنانية الأولى، التي أسفرت عن قيام متصرفيّة جبل لبنان نواة الدولة اللبنانية المعاصرة، وأعطت عصبة الأمم عام 1920 لفرنسا سلطة الانتداب على لبنان، قبل أن ينتهي اسميا عام 1943 وفعليا عام 1946 دون أن يُخلّف الكثير من الذكريات المُرة بين الفرنسيين واللبنانيين، لكنه خلّف تركة كبيرة من الوشائج الثقافية والقانونية والإدارية.

فرنسا أنجزت التسوية الرئاسية

في المرحلة المعاصرة، لم يغب الدور الفرنسي الفاعل عن الساحة اللبنانية، فبعض الدبلوماسيين الغربيين يعترفون بالدور الفرنسي في إنجاز ما يسمى بـ"التسوية الرئاسية"، وهي الاتفاق الذي حصل بين القوى السياسية اللبنانية لإيصال الرئيس الحالي ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية والرئيس سعد الحريري لرئاسة الحكومة.

 ويجمع الدبلوماسيون على قدرة فرنسا في التواصل مع كل الفرقاء في لبنان بمن فيهم حزب الله، إضافة إلى دورها الإقليمي المقبول مع القوى الدولية، لا سيما الولايات المتحدة والاتحاد الروسي، إضافة الى علاقاتها المميزة مع دول الخليج وعلاقتها المقبولة مع إيران.

يقول مصدر وزاري لبناني، إن فرنسا أعطت الكثير للبنان ووقفت إلى جانبه في أصعب الظروف السياسية والاقتصادية، مشيراً إلى المؤتمرات الدولية لدعم لبنان منذ مؤتمر "باريس 1" وصولاً إلى مؤتمر "سيدر" الأخير الذي يعول عليه اللبنانيون لانتشال اقتصادهم المتداعي.

غضب فرنسي

في المقابل، أبدى مصدر دبلوماسي فرنسي انزعاجه من اللامبالاة اللبنانية تجاه كثير من الملفات المهمة. ويقول "لا شك أن العلاقات الفرنسية مع لبنان ممتازة، وعمل فرنسا الدؤوب على إنجاح مؤتمر (سيدر 1)، والنشاط المكثّف للرئيس إيمانويل ماكرون واهتمامه بلبنان، كما أن كلام برونو فوشيه السفير الفرنسي في بيروت، خير دليل على الاهتمام بالوضع اللبناني". ويوضح أن مسار العلاقات الفرنسية – اللبنانية حالياً غير سليم، وهناك استياء من المسؤولين الفرنسيين من الطبقة اللبنانية الحاكمة، واستهتارها بالوضع المالي، واستطراداً بمؤتمر (سيدر) الذي بذلت الكثير من أجل إنجاحه".

ويرى أن فرنسا باتت متحمسة ومستعجلة أكثر من لبنان للبدء بتنفيذ مقررات مؤتمر "سيدر" الاستثمارية، مؤكداً أن بلاده تحاول الضغط على الحكومة لاستعجالها بإتمام الإصلاحات الاقتصادية المطلوبة.

ماكرون يلغي زيارته إلى بيروت؟

وفي إشارة إلى الغضب الفرنسي من السياسات اللبنانية، يشير المصدر الدبلوماسي الفرنسي الى أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كان قد أبدى رغبته زيارة لبنان وقد سرب عن موعد افتراضي حينها للزيارة في فبراير (شباط) الماضي، إلا أن تراكم الأخطاء اللبنانية تجاه لبنان حال دون إتمام الزيارة والإعلان عن موعد مرتقب لها.

صفقة سلاح مشبوهة

ويلفت المصدر أن الأمر الثاني الذي أسهم أيضاً في مضاعفة الانزعاج الفرنسي، الذي يكاد يصل إلى حدود الغضب، رصد برنامج "سيدر" مبلغاً قيمته 400 مليون دولار، لشراء أسلحة فرنسية لصالح الجيش اللبناني، وهنا كانت المفاجأة بالنسبة للفرنسيين عندما تم تحويل هذا العقد لشراء السلاح من إيطاليا، ما دفع الفرنسيين للتساؤل عن الأسباب التي دفعت لبنان لهذا التصرف الذي تقول أوساطها إنه ليس الأول من نوعه حيث تم تداول ما حصل سابقا حين اشترت وزارة الداخلية سيارات ومعدات من دولة أخرى فيما كانت باريس تأمل أن تكون الشركات الفرنسية هي الجهة البائعة.

في المقابل تشرح مصادر مقربة من الرئيس الحريري حقيقة تحويل العقد من فرنسا إلى إيطاليا، مشيرة إلى حصول لغط حول مواصفات في البوارج والطرادات الفرنسية في حين كان يعتقد أنها موجودة في البوارج الإيطالية، وقد تم تصحيح اللغط ويتوقع إعادة العقد مع فرنسا كما كان مقرراً سابقاً، معلنةً أن الرئيس سعد الحريري عالج بعض النقاط العالقة مع فرنسا خلال لقائه الأخير مع إيمانويل ماكرون.

مؤتمر "سيدر" بخطر

في سياق متصل، يعتقد مدير مركز المشرق للشؤون الاستراتيجية سامي نادر، أن مؤتمر "سيدر" الاقتصادي شبه معلق في هذه المرحلة كون الحكومة اللبنانية عاجزة عن القيام بالإصلاحات المطلوبة لا سيما لناحية الكهرباء، التي تكبد الميزانية اللبنانية حوالي مليارين دولار إضافة الى التهرب الضريبي، في حين ينتظر نتائج تقليص العجز الذي اقرته موازنة 2019 إذا سيتوافق مع الأرقام الموضوعة.

ويرى أن الحكومة اللبنانية أمام تحدٍ كبير بإقرار موازنة 2020 ضمن المهل الدستورية، التي باتت ضيقة نسبياً في ظل عدم التوافق عليها والتسريبات حول رزم جديدة من الضرائب وهذا أمر لا يعتبر إصلاحات جذرية بالنسبة للدول الراعية لـ"سيدر".

ويوضح نادر أنه لو بسحر ساحر أعيد تفعيل مؤتمر "سيدر" لن تكون نتائجه سريعة، مؤكداً أن لبنان بحاجة إلى ودائع مالية للحفاظ على استقراره النقدي، مشيراً إلى جولة رئيس الحكومة سعد الحريري إلى الإمارات والسعودية إضافة إلى بعض العواصم الغربية، التي قد يعول عليها في حال استطاع الحريري إقناع تلك الدول بودائع مالية.

عقوبات أميركية

من ناحيتها تتخوف مصادر لبنانية على مصير مؤتمر "سيدر" ليس بسبب الإخفاق في الإصلاحات فحسب، إنما من الضغوط الأميركية على فرنسا لتجميد مفاعيل المؤتمر في سياق العقوبات على حزب الله وحلفائه، وهنا لا تخفي تلك المصادر احتمال صدور رزمة جديدة من العقوبات الأميركية على شخصيات وكيانات حليفة لحزب الله.

المزيد من العالم العربي