Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كفاح النساء السري ضد حركة "طالبان" الجائرة

في بلد يحظر فيه على المرأة النظر من النافذة، تعيش النساء في أفغانستان تحت نير أحد أكثر الأنظمة وحشية على وجه المعمورة. ولكن على رغم القمع، يلوح الأمل في حركة كفاح سرية

حكم "طالبان" يطمس النساء وحقهن في الحياة في أفغانستان (غيتي)

ملخص

على رغم كل المعوقات التي تواجهها الأفغانيات، ثمة حركة تمرد سرية للنجاة في ظل شروط قاسية تقصي النساء من الحياة العامة

أتذكر صباحاً مشرقاً في كابول، كنت أقف هناك على جانب طريق يغطيه الغبار والأتربة، وبإصرار ألوح بيدي لسيارة أجرة صفراء من نوع "تويوتا كورولا"، على أمل أن أتوصل إلى اتفاق مع السائق حول المبلغ الذي سأدفعه في مقابل الوصول إلى المدينة حيث يقع مكتبي. كانت زرقة السماء صافية وواضحة، إلى حد بعث في نفسي شعوراً بأن كل شيء ممكن. في الشارع المزدحم، تسير النساء وأمسكن بخبز "النان" الطازج، وانشغلن بشراء الخضراوات والتأكد من وزنها بعد تعبئتها في أكياس، وفي الوقت نفسه يتابعن الحديث على هواتفهن. كذلك هرعت أخريات إلى وظائفهن، بعضهن إلى مكاتب حكومية، وبعضهن الآخر إلى منظمات غير حكومية، بينما استقل طلاب الجامعات، وتأبطوا الكتب، سيارات الأجرة المشتركة التي امتلأت بهم وفاضت بضحكات يتبادلونها مع الأصدقاء. أحد لم يتخيل السرعة التي سينقلب بها هذا العالم من حولنا رأساً على عقب. نعم، كنا نعلم أن التوترات السياسية والاجتماعية قائمة ومتصاعدة، ولكن معظمنا كان يعتقد أن الوقت ما زال في صالحنا [سانح أمامنا].

بالنظر إلى الماضي، كثيراً ما فكرت كيف يمكن للحياة أن تتغير تماماً في لمح البصر. عندما استعادت "طالبان" السيطرة على البلاد في أغسطس (آب) 2021، بدا كما لو أن باباً سرياً يؤدي إلى دهليز تحت الأرض انفتح فجأة وأطبق خناقه على نصف السكان. بين عشية وضحاها، طردت الأفغانيات من مقاعد الدراسة، وأجبرن على مغادرة أماكن العمل، وحرمن حتى من أبسط أشكال الحرية.

زميلتي مارزيا*، التي كانت ذات يوم تتولى بشجاعة إدارة مشروع ورش عمل لريادة الأعمال النسائية ومبادرات "الوكالة الأميركية للتنمية الدولية" (USAID)، جلست في المنزل مكرهة بعدما أجبرت على ترك العمل، بينما تواصل العيش في أجواء من الخوف والترهيب. في الحقيقة، كانت من الأشخاص الأكثر ذكاء الذين قابلتهم في حياتي، ودائماً ما تبتكر أفكاراً لتوسيع نطاق الأعمال التجارية التي تديرها النساء في مختلف المقاطعات، برؤية واضحة لتمكين المرأة في جميع أنحاء أفغانستان.

لقد طمس حكم "طالبان" النساء من الحياة في أفغانستان، قرأنا وشاهدنا العناوين الإخبارية الرئيسة المروعة: منع الفتيات من دخول المدارس الثانوية، والنساء من ارتياد الجامعات، وتزايد حالات الزواج القسري وارتفاع معدلات الانتحار في صفوف الإناث، إضافة إلى الانهيار شبه الكامل للرعاية الصحية المخصصة للنساء، والتضييق على النساء في معظم الأماكن العامة. حتى أنه في يناير (كانون الثاني)، أصدر هبة الله آخوند زادة، زعيم "طالبان"، أمراً يقضي بإغلاق وعدم بناء أية نوافذ تطل على أماكن تجلس فيها المرأة أو تقف.

ولكن ما لا يتصدر عناوين الأخبار هو العمل الشجاع والمبدع الذي تنهض به النساء على المستوى الشعبي.

وحمل اليوم العالمي للمرأة هذا العام شعار "تسريع العمل [حث الخطى]" الذي يعكس تماماً المشاعر التي تعتري كثراً منا: ربما يبدو غضب العالم صاخباً على الإنترنت، ولكن الخطوات العملية الحقيقية التي تساعد النساء والفتيات الأفغانيات في البقاء على قيد الحياة في ظل هذه الحقائق الجديدة الوحشية، تتسم ببطء شديد ومؤلم. ولما كنت أتحدر أساساً من أفغانستان ولدي أصدقاء وزملاء ما زالوا يعيشون هناك، لست أجد أية فائدة في الانغماس في الأسباب التي قادتنا إلى هنا. أفضل أن أسأل: كيف عسانا نقدم المساعدة الآن، في هذه اللحظة بالذات، وليس في مستقبل بعيد المنال؟

لقد غادرت أفغانستان في عام 2016، بعدما أمضيت ثلاث سنوات أعمل هناك في برامج مساعدات بريطانية، لكنني ما زلت على اتصال بنساء شجاعات في كل مقاطعة، في المدن والريف على حد سواء، عازمات على إبقاء الأمل حياً.

عشرات من المنظمات غير الحكومية التي تقودها النساء، التي أتواصل معها عبر "شبكة أصدقاء المرأة الأفغانية" Friends of Afghan Women Network، تعمل بشجاعة وتصميم، على رغم محاولات "طالبان" الحثيثة لمنع أو عرقلة هذه الأنشطة، لتقديم برامج محو الأمية، والتصدي لمشكلة سوء التغذية، ومساعدة النساء في بدء أعمال تجارية جديدة، ودعم الزراعة والمشاريع الزراعية، فضلاً عن تنظيم دورات تدريبية على المهارات الرقمية في مساحات مخصصة للنساء فقط بصورة منفصلة عن الرجال، ويسعين بكل ما أوتين من قوة وبكل الوسائل المتاحة لضمان استمرارية عملهن، واللافت أن النساء يبذلن كل تلك الجهود من دون أي تمويل أو اعتراف أو دعم دولي.

أجدني أفكر في الزوجات والبنات والأخوات اللاتي التقيت بهن في مختلف أنحاء أفغانستان منذ بدأت زيارتي المتكررة لها من عام 2005. النساء في هرات وبروان ولغمان ومزار الشريف وغيرها، اللاتي يملكن من الشجاعة ما لم أره في حياتي، وهن الآن يواصلن دعم بعضهن بعضاً في مواجهة صعاب يكاد لا يصدقها عقل، ويشكلن شبكات سرية من التضامن تتحدى اليأس بصمت وهدوء.

بغية الالتفاف على غضب "طالبان"، كان لا بد لهن من ابتكار أساليب وحيل ذكية. بين عامي 2013 و2016، تعاونت بصورة مباشرة مع شبكة من المعلمات. وتحت ستار "صفوف تدريبية في الخياطة المتقدمة"، عكفنا في الخفاء على تعليم اللغة الإنجليزية لمجموعات من الشابات اللاتي كن يتسللن إلى هذه الجلسات ويغادرنها عند توفر أي ظروف آمنة. وما إن نغلق الباب بإحكام حتى تبدأ تماريننا في قواعد اللغة الإنجليزية. أحد لم يجرؤ على الإعلان صراحة بكون هذه الدروس مخصصة للغة الإنجليزية، ذلك أن أية لمحة عابرة من شخص غير مناسب كانت كفيلة باتخاذ السلطات إجراءات قمعية صارمة. ومع ذلك، على رغم القلق والخوف من الوقوع في قبضة "طالبان"، كانت النساء مشحونات بالحماسة للاستفادة من فرصة التعلم. كن يضحكن على تصريف الأفعال، ويكتبن الملاحظات بانتباه، ويكررن العبارات بعزيمة لا تلين.

نعم، وحتى في ظل النظام الوحشي السائد اليوم في البلاد، ما زالت تلك الروح تنبض بالحياة اليوم. منذ وقت قريب، ساعدت مارزيا* في التواصل مع منظمة شعبية أخرى تقودها نساء، وتديرها شكيبة*. تعمل الأخيرة على تدريب "بطلات الصحة" في القرى المنتشرة في أنحاء البلاد، إذ تزود النساء بالمهارات اللازمة التي تمكنهن من تقديم الدعم الطبي الأساسي لمجتمعاتهن.

تروي شكيبة: "كنا نذهب من باب إلى باب، ونجمع النساء تحت سقف واحد ونعلمهن أساسيات القراءة والكتابة علماً أنهن لم يحملن قبل ذلك قلماً قط في حياتهن. تعرف ’طالبان‘ بنشاطتنا هذا، لكنها تغض الطرف عنا في الوقت الحالي. ليست خطوة عظيمة، بيد أنها تصنع تغييراً كبيراً في حياة تلك النساء. يسعك أن ترى البريق في عيونهن عندما يشكلن الحروف للمرة الأولى، وتدرك حينها لماذا لا يمكننا التخلي عن التعليم، مهما كانت الظروف المحيطة مظلمة".

في الواقع، تقوم حيلتهن على الدبلوماسية الذكية، إذ يقدمن كل مشروع على أنه يعود بالفائدة على الأسر بأكملها وليس مخصصاً للنساء فحسب. إذا اختارت "طالبان" ألا تغض الطرف عن تلك الأنشطة، تخسر تلك النساء كل شيء، من إغلاق المكاتب، إلى تهديد الموظفين أو اعتقالهم، مما يترك مجتمعهن برمته محروماً من الخدمات الأساسية. وعلى رغم هذا الخطر، تجدهن يواصلن مسيرتهن، لأن الاستسلام ليس وارداً حتى بالنسبة إليهن.

تنجح هذه المنظمات في عملها عبر بناء علاقات محلية، غالباً مع أشخاص أقل تأثراً بالأيديولوجيات وأكثر تركيزاً على الجوانب والأفكار العملية. تتعلم مئات من النساء كيفية بيع منتجاتهن الحرفية عبر الإنترنت، وطريقة تربية الدواجن لتحقيق دخل، وطرق استغلال أراضيهن في الزراعة من أجل تأمين أساسيات الحياة [موارد العيش وتأمين القوت]. قد تبدو بضع ساعات في اليوم، أو حتى في الأسبوع، تافهة في منظور العالم الخارجي، ولكنها بالنسبة إلى تلك النساء مرساة يتشبثن بها في مواجهة التحديات.

بطبيعة الحال، فإن هذه الجهود الصغيرة إنما القوية خلال حكم طالبان تضع الأساس لمستقبل أفغانستان. وأياً كانت الحكومة التي ستحكم البلاد لاحقاً، ستكون تلك النساء مستعدات للمستقبل بما يلزم من مهارات حياتية ومهنية وثقة تمكنهن من المضي قدماً، حتى وإن كان عليهن إخفاء مهاراتهن في الوقت الحالي بسبب الظروف القمعية. وليست هذه الجهود مجرد فعل تمرد أو سلوك شكلي لا طائل منه، بل إنها خطوات حقيقية وبالغة الأهمية ترمي إلى تحسين ظروف عيشهن الشخصية والاجتماعية. كل ماكينة خياطة تعمل بعيداً من أعين السلطات والمجتمع، وكل كمبيوتر محمول متهالك يشتغل في الخفاء، وكل درس محو أمية يبدأ وينتهي في صمت وهدوء، كلها تحمل الأمل في حياة أفضل.

والفضل في وجود تلك المساحات السرية التي تسمح بالإنتاج وتجسد الصمود يعود لنساء شجاعات ما زلن يتواصلن (على رغم التوترات التي تصاحب تلك المحادثات أحياناً) مع السلطات القائمة، ويتفاوضن على ما تبقى لهن من حريات ضئيلة. أدرك تماماً مدى وحشية النظام الحالي وظلمه وأساليبه القمعية ولست أخدع نفسي في شأنه. ومع ذلك، في تلك الاجتماعات المحفوفة بالأخطار، تتمكن النساء من انتزاع بعض التسهيلات التي تسمح لهن بممارسة أنشطة إنسانية أو تنموية. كل فوز صغير تظفر به امرأة، سواء كان رسمياً أو غير رسمي، يساعد في إبقاء الأمل حياً بالنسبة إلى مئات من النساء الأخريات.

لذا أعتقد أن عزل المواطنين الأفغان وحرمان البلاد من المساعدات الدولية أو الروابط المالية لن يطيح بحكم "طالبان"، على العكس ستفاقم معاناة الأفغان العاديين، لا سيما النساء والأطفال، الذين يئنون تحت وطأة الفقر حتى قبل عودة "طالبان".

أفغانستان، البلد الذي يرزح تحت الانهيار على مختلف الأصعدة، والمنعزل عن العالم، يشكل خليطاً من الفوضى التي لا تعد إلا بفوضى أكبر. تكاد جميع المنظمات غير الحكومية التي تقودها نساء التي عملت معها ترفع النداء نفسه: استمررن في التفاعل والمشاركة. نحن بحاجة إلى دعمكن لمواصلة عملنا - الدعم المباشر، وليس التمويل الذي يختفي في جيوب السلطات القائمة.

والطريقة الوحيدة التي تضمن وصول المساعدات إلى المنظمات غير الحكومية الأفغانية التي تقودها نساء تكمن في أن تمول الجهات المانحة، بما فيها المؤسسات، وأصحاب الثروات الكبيرة، وأصحاب القرار الحكوميون الرفيعو المستوى، ومنظمات البحث والقطاع الخاص، المبادرات الشعبية الفعلية [قرائن على عملها المجدي]، التي تقودها نساء، ومعاملة تلك النساء بوصفهن شريكات موثوق بهن وليس مستفيدات مهمشات. تجدهن في الميدان، يواجهن النظام يوماً بعد يوم. يعرفن كيف يتفاوضن من أجل الحصول على ممر آمن، وكيف يوسعن أنشطتهن بهدوء من دون جذب الأنظار المعادية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أفهم أن يعتري الغرباء قلق إزاء إرسال الأموال إلى بلد تحكمه سلطة قمعية، ولكن التجميد الشامل للمساعدات الإنسانية ولتمويل المشاريع التنموية، الذي يفرض غالباً باستخدام عقوبات واسعة النطاق وعزل البلاد، لا يضر إلا بالأبرياء ولا يفيد في ردع "طالبان"، التي لا تنفك تتلقى الدعم المالي من طريق التجارة غير المشروعة، والاتجار بالمخدرات، والضرائب على المساعدات، والدعم من الدول المتعاطفة والشبكات الخاصة.

الإغاثة الإنسانية وحدها ليست كافية. نعم، لا بد من الحرص على نجاة الناس في المدى القصير، وتوفير الغذاء والرعاية والمأوى لهم. ولكن علينا أيضاً الاستثمار بصورة مباشرة في النساء والفتيات لما تكتسيه هذه الخطوة من أهمية بالغة في بناء مجتمع أكثر استقراراً، سواء بقيت "طالبان" في السلطة لعام آخر أو لعقد آخر.

وبطبيعة الحال، ربما يقول بعضهم "ما الفائدة التي تحققها الجهود الشعبية الصغيرة في مواجهة هذا القمع؟"، ولكن من طريق تعزيز هذه المبادرات الناشئة، نضمن أنه عندما تتغير السياسة في أفغانستان مرة أخرى، كما سيحدث حتماً، لن نبدأ من الصفر. ستحظى البلاد بنساء ماهرات ومتعلمات ولديهن الاستعداد والجاهزية لقيادة مجتمعاتهن بعدما نجحن في تحدي تصميم طالبان على إبقائهن تحت السيطرة.

كثيراً ما أفكر في ذلك الصباح المشرق من فبراير (شباط) في كابول، فأتذكر كم كنا سذجاً حين ظننا أن لا شيء سيوقف التقدم الذي أحرزناه. ولكنني أتذكر أيضاً الإصرار العارم في أوساط المرأة الأفغانية على مواجهة اليأس. عندما ترغب المرأة في التعلم، وعندما تريد أن توفر الطعام لأسرتها، وتسعى إلى إيجاد مكانة خاصة لبناتها، فإنها ستكافح وتثابر، حتى وإن كان ذلك سيعرضها شخصياً لأخطار كبيرة. والسؤال الذي يواجهنا نحن الذين نتمتع ببعض السلطة، المانحون والزعماء والحكومات والصحافيون والمواطنون العاديون، هل سنختار الوقوف في صف تلك المثابرات والعازمات [على المضي قدماً]، أم سنتركهن يواجهن مصيرهن بمفردهن؟

إننا مدينون لنساء أفغانستان، نساء من أمثال مارزيا وشاكيبا، اللتين رفضتا السماح لنظام قاس برسم مستقبلهما. ونحن مدينون بذلك للجيل المقبل من الفتيات الأفغانيات، اللاتي يترقبن أية فرصة ضئيلة تفتح أمامهن الباب لتحقيق كل ما يحتجن إليه للتسلل عبره وتجاوز الصعاب والعثور على سبل للعيش بكرامة كبشر.

لدي يقين بأن الشمس ستشرق من جديد. حينها، ستكون نساء أفغانستان مستعدات، ومسلحات ليس بغرائز البقاء فحسب، بل أيضاً بما يلزم من معرفة كي يبنين من الأنقاض مستقبلاً مستداماً ومتيناً للبلاد. دعونا نساعدهن في الصمود حتى ذلك الحين.

استخدمنا أسماء وهمية لحماية الأشخاص المعنيين

شبنم ناسيمي المؤسسة المشاركة والرئيسة التنفيذية لـ"شبكة أصدقاء المرأة الأفغانية" (FAWN) التي تضم أكثر من 70 منظمة غير حكومية تقودها نساء أفغانيات.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير