Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أخطار فيديو ذكاء اصطناعي نشره ترمب عن غزة

المحتوى يحيي مقترح الرئيس الأميركي ويعزز استخدام المقاطع المزيفة لأغراض سياسية

ملخص

تعرض الفيديو لانتقادات بسبب عدم حساسيته تجاه المعاناة التي تحدث حالياً في غزة حيث دمر الصراع المستمر المنطقة، وقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، وتحولت مساحات شاسعة إلى أنقاض، وتفاقمت الأزمة الإنسانية، مما دفع كثيراً من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي إلى الإعراب عن غضبهم إزاء مشهد خيالي لمنتجع فاخر وسط هذا الدمار الواسع النطاق، ووصفوه بأنه تافه غريب للمعاناة الإنسانية الحقيقية.

أجج مقطع فيديو أنشأه الذكاء الاصطناعي وأعاد دونالد ترمب نشره قبل أيام الجدل في الولايات المتحدة والعالم، ليس فقط لأنه جدد المخاوف السياسية من أن مقترح الرئيس الأميركي بنقل الفلسطينيين من قطاع غزة يمكن أن يكون وعداً حقيقياً وليس مجرد أفكار، ولكن أيضاً لأنه يثير كثيراً من الأسئلة المثيرة للقلق حول المستقبل، إذ كيف أصبحت مقاطع الفيديو المزيفة عاملاً رئيساً للتأثير والتلاعب بالرأي العام؟ وهل يعد استخدام الذكاء الاصطناعي في السياسة أداة مفيدة أم لعبة خطرة؟ وما دور وسائل التواصل الاجتماعي في التعامل معها؟

الأكثر استفزازاً وغرابة

ربما يكون مقطع الفيديو الترويجي الذي أنشئ بالذكاء الاصطناعي عن "ترمب غزة" هو القطعة الإعلامية الأكثر غرابة على الإطلاق التي شاركها رئيس الولايات المتحدة الحالي الأسبوع الماضي، إذ يسلط الفيديو الضوء على عبثية رؤية ترمب لغزة، التي تنطوي على تحويل القطاع الفلسطيني إلى فنادق وحدائق وكازينوهات وملاعب للأثرياء، والتخلص من سكانه الفلسطينيين الحاليين.

وبينما يبدو المستقبل الذي يصوره الفيديو خيالياً ومبهرجاً واستبدادياً وفي الوقت نفسه بعيد المنال، إلا أنه كان أيضاً استفزازياً بصورة غير مسبوقة، إذ يُظهر غزة وقد تحولت إلى شيء يشبه منتجع كازينو إلى جانب الشاطئ، ويشمل تمثالاً ذهبياً ضخماً لترمب، ويظهر أحد المشاهد رجلاً يشبه الملياردير إيلون ماسك، وهو مستشار مقرب من الرئيس، يأكل الحمص والخبز بستة أصابع في يد واحدة.

وفي مشاهد أخرى تظهر على الشاطئ راقصات شرقيات بلحية وغطاء رأس أخضر، بينما يرقص ترمب مع امرأة في ملهى ليلي، وينتهي الفيديو بمشهد لترمب وهو يسترخي على كرسي استلقاء للتشمس إلى جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وهما عاريا الصدر في حمام سباحة مع مشروبات، كل ذلك على خلفية موسيقى تصويرية تعلن أن "دونالد ترمب سيحرركم، وسيجلب النور للجميع، لا مزيد من الأنفاق، لا مزيد من الخوف، غزة ترمب هنا أخيراً".

مستوى جديد

على رغم أن استخدام الذكاء الاصطناعي في الرسائل السياسية ليس جديداً، فإن ما نشره ترمب أخذه هذا الاستخدام إلى مستوى آخر يخلط بين الحقيقة والخيال، والفيديو على رغم غرابته يحمل رسالة سياسية مبطنة تتسق مع رؤية ترمب واليمين المتطرف في إسرائيل بأن هناك مخاوف حقيقية يجب معالجتها حول الخيارات الواقعية لمستقبل غزة، حتى تلك التي لا تنطوي على خطوات متطرفة مثل طرد السكان الفلسطينيين ضد إرادتهم.

 

 

لكن الفلسطينيين والعالم العربي والغالبية العظمى من المجتمع الدولي يرون أن رؤية ترمب تشكل تحريفاً بغيضاً للعدالة عبر الترحيل القسري للسكان، الذي يتعارض مع المعايير الديمقراطية الليبرالية التي من المفترض أن تلتزمها الولايات المتحدة وإسرائيل، لأن استبدال فنادق وأبراج شاهقة تحمل علامة ترمب للضيوف الدوليين الأثرياء بمنطقة ذات طابع فلسطيني لا جدال فيه، ينضح بالاستعمار.

وبحسب أستاذة العلوم السياسية والاجتماعية في جامعة أوتاوا، إميلي ويلز، فإن السياسة الأميركية فشلت باستمرار في مراعاة معاناة الفلسطينيين ومطالبهم السياسية بصورة كاملة، ولكن هذا التحول في الخطاب يمثل مستوى متدنياً جديداً في نزع الصفة الإنسانية عن الفلسطينيين، كذلك يرى المتخصص في مجال القانون العام إيرول مينديز أن "هذا عمل شائن من جانب ترمب يدافع في فكرته التي يعززها هذا الفيديو عن جريمة دولية تتمثل في التطهير العرقي".

تضليل أم أداة ضغط؟

ما يثير قلق البعض أن الفيديو جاء بعدما بدا أن ترمب تراجع عن فكرته بالاستحواذ على قطاع غزة، وهذا يثير توقعات بأن الفكرة لا تزال حية وأن ترمب يريد من خلال إعادة نشر الفيديو التأكيد أن اقتراحه لم يمت بعد، ولهذا يرى المحلل البارز للتكنولوجيا والصراع في مجموعة الأزمات الدولية في واشنطن أليساندرو أكورسي، أن الفيديو يخبرنا تماماً كيف يرى الرئيس ترمب غزة، وأن المناقشات التي أجرتها إدارته مع مطوري العقارات حول إعادة بناء غزة تثير مخاوف من أن فكرة ترمب ليست مجرد استعراض سياسي، بل تلميح إلى خطة فعلية.

ولا ينبع الجدل المحيط بالفيديو فقط من تصويره غير الواقعي غزة، ولكن أيضاً من تداعياته الأساس، إذ يميل ترمب وفقاً لما يقول أكورسي إلى سرد الصور النمطية التي استُخدمت مرات عدة من قبل اليمين المتطرف في أميركا وإسرائيل، وعلى سبيل المثال،يقدم اليمين الإسرائيلي فلسطين كأرض صحراوية وأشخاص يعيشون في كهوف، بينما في بداية الفيديو الذي نشره ترمب نرى فلسطينيين يخرجون من كهف.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويضيف أكورسي، الذي يشمل دوره فحص استخدام الحرب السيبرانية والإلكترونية والحرب المعلوماتية في ساحات القتال اليوم، أن الفيديو يظهر أن الرئيس ترمب ينظر إلى قضية غزة وإعادة إعمارها كصفقة عقارية، تحرم الفلسطينيين أنفسهم من أية حقوق، وفي الفيديو نجده يجلس إلى جانب نتنياهو في حمام السباحة، والفكرة هي أن الفلسطينيين سيُهجرون أو أن إسرائيل ستتولى السيطرة على قطاع غزة، ويحاول الفيديو أن يروي قصة متعددة الأبعاد ومعقدة للغاية بطريقة أحادية الجانب، إذ تنسى القصة الاحتلال وتنسى حصار غزة وتنسى مسؤوليات إسرائيل.

حساس ومثير للمشكلات

وبعيداً من التداعيات السياسية تعرض الفيديو لانتقادات بسبب عدم حساسيته تجاه المعاناة التي تحدث حالياً في غزة حيث دمر الصراع المستمر المنطقة، وقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، وتحولت مساحات شاسعة إلى أنقاض، وتفاقمت الأزمة الإنسانية، مما دفع كثيراً من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي إلى الإعراب عن غضبهم إزاء مشهد خيالي لمنتجع فاخر وسط هذا الدمار الواسع النطاق، ووصفوه بأنه تافه غريب للمعاناة الإنسانية الحقيقية.

ومع عناصر تبدو كأنها دعاية، مثل تمثال ترمب الضخم، تذكر الصور بعض المستخدمين بحالات تاريخية لقادة يستخدمون المشهد لتبرير سياسات مثيرة للجدل، وهو ما يراه كثر هراءً واضحاً يناسب حملة وجهد أطول بكثير لتصوير ما يحدث اليوم في غزة كنتيجة ليوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، بينما يمحو في الواقع 60 عاماً في الأقل، إن لم يكن 100 عام، من تاريخ الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني وما سبقه، كما يقول أكورسي.

لعبة خطرة

لا تتعلق خطة ترمب في شأن غزة بالسياسة الخارجية فحسب، بل إنها أداة تجسد وضع ترمب نفسه كصانع صفقات، وتهدف إلى تعزيز قاعدته الشعبية بخاصة بين مؤيدي إسرائيل في مجموعة "ماغا"، كذلك أن هذا الفيديو يسمح بمقارنة صورته كرجل قوي في نظر مؤيديه مقارنة بالرئيس السابق جو بايدن، فضلاً عن أن نشر الفيديو وتجديد الحديث عن مقترح غزة من شأنه أن يصرف الانتباه عن المشكلات التي تسببها إدارته البلاد، بسبب عشرات القرارات التنفيذية الرئاسية التي استخدمها مراراً في مختلف المجالات وجلب عليه كثيراً من الصداع.

تساؤلات الذكاء الاصطناعي

لكن استخدام الذكاء الاصطناعي في فيديوهات مثيرة للجدل يفجر تساؤلات عما إذا كانت مقاطع الفيديو المزيفة هي القاعدة الآن لدى السياسيين بمن فيهم كبار القادة كالرئيس ترمب الذي يعد زعيماً للعالم الحر؟ وكيف ينبغي لمنصات مثل "فيسبوك" أو "إكس" التعامل معها؟

 

 

من الواضح أن الرئيس ترمب وكثيراً من الساسة في واشنطن وبخاصة لدى الجمهوريين يستخدمون الذكاء الاصطناعي بوتيرة متزايدة، حتى ولو كانت الرسائل التي يحملها مزيفة للتأثير في الرأي العام وبخاصة في وقت الانتخابات، بينما لا تظهر في الأفق أية إشارة عن رغبة وسائل التواصل الاجتماعي في التصدي لحملات التزييف والتضليل السيبراني، بعدما شجعت إدارة ترمب ومستشاره إيلون ماسك على إزالة عمليات التدقيق والمراجعة وتصحيح الأخطاء التي كان يجري العمل بها أعواماً.

 ولا يعني ذلك أنه لا توجد إيجابيات من استخدام الذكاء الاصطناعي، فهو يجعل السياسات المعقدة أسهل في الفهم، ويتسبب في إشراك الناخبين الأصغر سناً من خلال التكنولوجيا، لكن السلبيات تظل تشكل مخاطرة كبيرة، إذ ينشر الذكاء الاصطناعي المعلومات المضللة بكفاءة وسرعة ولديه القدرة على خلق تأييدات مزيفة، كذلك يعمق انعدام الثقة في وسائل الإعلام التقليدية.

ومع ذلك يواصل فريق ترمب استخدام مزيد من أساليب الذكاء الاصطناعي، ويقول المساعدون إن مزيداً من محتوى الذكاء الاصطناعي قادم ويستهدف قضايا أخرى.

التغيير الحقيقي

ولا شك أن خطة دونالد ترمب في شأن غزة، التي كانت ملفوفة في غلاف الذكاء الاصطناعي المبهرج، أشعلت المناقشات حول إنهاء الحرب والسلام في الشرق الأوسط ودور التكنولوجيا في السياسة، لكن في حين أن الصور المرئية في الفيديو قد تكون مثيرة للإعجاب والدهشة وتنجح في جذب الانتباه بسرعة، فإن التغيير الحقيقي يتطلب أكثر من النقرات والخوارزميات، ولهذا يظل الأمر متروكاً للأميركيين من أجل فصل الضجيج عن الجوهر، في عصر لا تعني فيه الرؤية دائماً التصديق.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير