Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"انعكاس في ألماسة ميتة" يحدث انقلابا في برلين

يعيد الفيلم الفرنسي تعريف متعة المشاهدة حين تصبح الشاشة بوابة الى عالم آخر

من الفيلم الفرنسي "إنعكاس في ألماسة ميتة" الذي أثار ضجة في مهرجان برلين (ملف الفيلم)

ملخص

هذا العام، في مهرجان برلين السينمائي (13 - 23 فبراير - شباط) أفلام لبعض السينمائيين المعروفين والمكرسين، تتعايش جنباً إلى جنب مع أولى أو ثاني التجارب لمخرجين شباب.

المفارقة أن ما توقعناه أحياناً من أشهر الأسماء المشاركة في المسابقة صنعه بعض من أحدث الوافدين إلى الشاشة. فمن كان يتأمل مثلاً أن يدهشه فيلم "انعكاس في ألماسة ميتة" للمخرجين الفرنسيين إيلين كاتيه وبرونو فورزاني؟ علماً أنهما ليسا جديدين في المهنة، وفي سجلهما ثلاثة أفلام روائية طويلة من بينها "مر" الذي لفت الأنظار قبل عقد ونيف. لكن، يبقى أن كان من الصعب المراهنة على هذا العمل "على الورق".

في النهاية تولى هذا الفيلم صناعة أهم مفاجأة في "برلين 75" وأصبح المفضل عند شريحة من النقاد، على رغم أن هناك أيضاً من نصب له العداء. وهذا مفهوم، فنحن نتحدث عن نص سينمائي يكاد يكون تجريبياً وتخريبياً، إما تعشقه وتدخل في دهاليزه مسلماً نفسك له كلياً، أو تبقى خارجه من دون أن يحرك فيك شيئاً، مثل عدد من الصحافيين الذين غادروا الصالة قبل نهاية العرض. وفي هذا الصدد يجب الثناء على قرار الإدارة الجديدة بقيادة الأميركية تريشا توتل في اختيارها إياه للمسابقة لا لقسم آخر. غالب الظن أنه لم يكن ليحظى بأي انتباه لو عرض في الفقرات الموازية. المسابقة أضاءت عليه وجعلته "نجم" الأفلام الانقلابية في نظر البعض، والأهم أنه أتاح المجال للمقارنة مع أفلام أخرى تنافسه على "الدب الذهبي".

الحبكة تكاد تكون غير مهمة نظراً إلى التجربة البصرية التي نغرق فيها. فأي كلام يمكن أن ينقل إلى القارئ الإحساس بالإيقاع والمونتاج والضوء واللون؟ مع ذلك يمكن اختصار القصة بكلمتين: جاسوس سبعيني (فابيو تستي) يعيش على ذكريات مغامراته القديمة، وهو جالس في أحد الفنادق الفخمة في الريفييرا الفرنسية. لكن ما يحدث فعلياً لا يهم كثيراً. الأهم هو كيف يحدث. الفيلم يعيد تعريف متعة المشاهدة حين تصبح الشاشة بوابة لعالم آخر، عالم يتحرك بإيقاعه ومنطقه الخاص غير مكترث بالقواعد أو التوقعات.

وعوضاً عن سرد قصة واضحة وتقديم شخصيات على نحو نمطي يمكن الارتباط بها والتماهي معها والاهتمام بمصيرها، ها إننا نجد أنفسنا نحلق على متن بساط ريح سينمائي. منذ اللحظة الأولى يمسك الفيلم بالمتلقي، مستحوذاً على حواسه. لا مجال هنا للمنطق أو التسلسل الخطي للأحداث. إنه غوص حر في عالم من التفاعلات والرموز. وكل هذا مستمد من عالم السينما القديمة: أفلام الجواسيس الأشبه بكومبينات درامية، السينما الإيطالية الرديئة، جيمس بوند، روايات القطار، وغيرها. هضم الفيلم كل هذه الأشياء وأعاد رميها في وجوهنا. ومن أجل إنجاز مشروعهما السينمائي استعان المخرجان بمصادر بصرية مختلفة: فن تشيكلي وقصص مصورة. ندخل من ثقب الحياة لنخرج من بوابة السينما العريضة.

في الواقع ليس من المستغرب أن ينقسم النقاد حول هذا الفيلم. البعض اعتبره تحفة فنية، في حين رآه آخرون من أصحاب الذوق التقليدي والمحافظ، مجرد عبث بصري. ومع ذلك من الصعب تجاهل قوة التجربة التي يقدمها. "انعكاس في ألماسة ميتة" رحلة في اللامعقول، مغامرة في أعماق المخيلة السينمائية. تجربة قد تكون مربكة، لكنها تجعلك تخرج من الصالة مزهواً. لكن بسبب العنف المفرط الذي ينطوي عليه، يمكن القول إن هذا الفيلم ليس لأصحاب القلوب الضعيفة. مع العلم أن العنف المجسد أمامنا، ما هو سوى عنف "كرتوني" لا يمكن أخذه على محمل الجد، عنف على نسق بعض أفلام كوانتن تارانتينو، لكن أقسى بدرجات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في أقل من ساعة ونصف الساعة يكثف "انعكاس في ألماسة ميتة" رؤيته لفن العرض، متفوقاً في هذا المجال على أفلام أطول بكثير من دون أن تقترب من تأثيره. كل عنصر في هذا العمل محسوب بدقة وموجه لتحقيق أقصى تأثير بصري، فيكاد يقترب أحياناً من التجربة المغناطيسية. هذا فيلم درس في كيفية استخدام موارد السينما كلها لقول ما لا قدرة على الفنون الأخرى على قوله. لا لوحة تستطيع أن تلتقط ديناميكيته، ولا موسيقى قادرة على محاكاة مناخه، ولا نص أدبياً يمكنه نقل هذا الكم من الأجواء التي فيه.

في زمن يعيدنا إلى السينما الهادفة، يبحر هذا الفيلم عكس التيار. لا يسعى إلى تقديم أجوبة أو طرح قضايا كبرى، ولا يهتم بتقديم رسالة أخلاقية أو فلسفية. إنه احتفال خالص بالتعبير السينمائي. ولا عجب أنه تم تصويره بالشريط السينمائي الخام، وهذا خيار فني يعيد إحياء جماليات من حقبة مضت. أما الإشارات الكثيرة إلى السينما وتردد أصداء عوالم كبار السينمائيين فيه، فلا تنقص شيئاً من روعته، بل تجعله أشبه بأنشودة حب إلى الفن السابع، في استكشاف بارع للحدود بين الواقع والخيال.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما