بطلة هالة كوثراني تخرج من قوقعتها وتطلق صرختها على الملأ

الجنون هرباً من الملل في رواية "يومان ونصف"

"يومان ونصف" رواية هالة كوثراني (دارالساقي)

"يومان ونصف" (دار الساقي) رواية تنحرف قليلا عن المسار الذي سبق أن قدّمته الكاتبة اللبنانية هالة كوثراني في رواياتها السابقة. تخرج بطلتها من قوقعتها الداخلية لتُطلق صرختها على الملأ. تبدو دانا، الشخصية المحورية في هذه الرواية، أقلّ تحفّظاً وأكثر جرأةً في فضح المشاكل التي تُحيط بها. تنطلق الرواية من لحظةٍ يُفترض أنّها عادية وروتينية في حياة دانا، قبل أن تتعرّض لاختطاف من رجلٍ خمسيني يُدعى رمزي سلمان. تعيش رعباً لم تعرفه في حياتها، لتكتشف من ثمّ أنّ الخاطف الغريب أقرب اليها من كثيرين يدّعون اللطف ويضمرون الشرّ في قلوبهم.

تأتي حادثة الخطف بعد يومٍ واحد على بلوغها الأربعين. وقد تُحيلنا هذه الإشارة الزمنية الى نصوص الديانات الإبراهيمية الثلاث وقصص التراث العربي والإسلامي التي قدّست العدد "أربعين" وربطته باليقظة والحكمة والبعث. وقد نشعر عبر المسار الحكائي، أنّ فعل "الاختطاف" يُمثّل في جوهره "هدية" القدر الى دانا، بحيث يسمح لها أن تسافر بجسدها وقلبها وخيالها الى عالمٍ في قلب الحياة وخارجها.

قد تبدو دوافع الخاطف مشوشة، هو الذي التقى بأخيها المتوفي واتخذه مثالا في زمنٍ سقطت فيه المُثُل، فيعيش صدمة انتحاره ويندفع الى مراقبة شقيقته قبل أن يُقرّر اختطافها. وإن بدا هذا التفكير غير معقول، فإنّ الكاتبة تُقدّمه كمحاولة اختراع لحظة جنون تقتل الملل وسط علاقات إنسانية مُحنّطة. جنون خاطفها يسوقها، من دون قصد، الى لحظة الحكمة أو ربما "الحسم": "يريدها أن تعيش يومين ونصف اليوم خارج المكان والزمان. أن تصحو من موتها الموقت. هو نفسه لا يعرف بالضبط لماذا أقدم على ما أقدم عليه" (ص 187).

تعيش دانا إذا مغامرة مدهشة، إن لم نقل خارقة، مع مجهولٍ لم تتوقعه. هكذا، ينبت رمزي، الشخص الغامض، في حياتها ليُحدث هزّة تنتهي بولادة دانا جديدة، بأحلامٍ أكبر وأحزانٍ أقلّ.

الخلاص بالكلام

بعد ساعاتٍ من الرعب، يتبدّد خوف دانا بالكلام. وعلى طريقة شهرزاد الليالي، تسرد بطلة كوثراني حكاياتها، الواحدة تلو الأخرى، بلا توقف. هكذا، تأسر قلب شهريارها (خاطفها) وتُريح قلبها من طبقاتٍ لغوية متراكمة على صدرها. تحكي عن أخيها الوحيد الذي مات منتحراً في مياه البحر، وعن أمّها التي ربّتها تربية نظيفة وسط عالمٍ مُتسّخ، وعن حبّها الأول وزواجها وطلاقها ثم تُكمل حكاياتها عن ابنها وعن عملها الذي جعلها أشبه برجل آلي يعمل بلا مشاعر. تعيد دانا كلامها وتزيد كمن يريد أن يستزيد من الحياة نفسها. كأنّها اكتشفت في بيت رمزي الكبير، الناصع، الهادئ عالماً يستحقّ أن نعيش من أجله. "وضعت كفّها على صدرها الواسع، وأغمضت عينيها، ثم لم تفتحهما وهي تُقطّر الكلمات، كلمةً كلمة" (ص134).

في ذاك المنزل المنعزل بعيداً عن صخب المدينة، تهتدي دانا الى جوهر أزمتها داخل عالمٍ لا يشبهها. دانا، المثقفة والمثالية، ترأس تحرير مجلّة فنية تراها تافهة، لكنها ضرورية من الناحية المادية. لم تستطع التأقلم مع سياسة رئيس مجلس الإدارة الفارغ والمتعالي، ولم تتمكّن من أن تجد لنفسها حياةٍ خالية من الملل والقلق.

قد يجد قارئ الرواية خطوطا مشتركة بين دانا وهالة كوثراني التي سبق أن ترأست تحرير مجلة فنية. فهل تحمل الشخصية شيئاً من تجربة كاتبتها؟ وهل تُمثل بطلتها حقيقة التناقض بين عمل المبدع وخياراته في دول عربية لا تدعم مفهوم الكاتب المتفرغ؟ تجيب كوثراني بالقول: "لستُ دانا، وهي لا تشبهني، كما أن ظروفها لا تشبه ظروفي. لكنني قصدت هذه المرة أن أعرض بوضوح بعضاً من آرائي بتجربتي المهنية من خلال جعل دانا رئيسة تحرير مجلة اجتماعية فنية. انصعت لحوار داخلي، لسيل كلمات كنت من خلالها أتخلّص من أفكار مطموسة، حتى لو كان بعضها كليشيهات. كنت كأنني أتخلّص من أشيائي القديمة، أشياء لا أريدها، كأنني أدوّن كلمات في دفتر أتوق إلى رميه. هذه المرة الكتابة كانت علاجاً. استخدمتها وسألت نفسي مراراً: هل هذا التدوين يخدمني كروائية؟ وخلال أشهر لم يكن الجواب إيجابياً، فتريّثت في النشر (كتبت الرواية في ٢٠١٧ ونُشرت في ٢٠١٩)". وتضيف قائلة: "ليست المسألة مرتبطة باضطرار المبدع للعمل في العالم العربي. وجدت الكتابة عن العمل جذّابة، العمل في الصحافة مع نماذج كاريكاتورية لا تستأهل كلّها أن تمنح أدواراً في رواية. استثمرت التجربة، كان ينبغي أن تُخطف دانا لتبدأ من جديد. أحياناً نعقّد الأمور في حين أن ليس ثمة ما هو أثمن من أن نكسب أنفسنا".

أزمة المثقف

قد يبدو إحباط دانا معادلا لإحباط المثقف الراهن وأزمته في مكانٍ لم يجد لنفسه فيه مكاناً. فهل المثقف الراديكالي بات مطرودا من "جنّة" عالمنا المتحوّل؟ عن هذا السؤال تجيب كوثراني قائلة: "لا يمكن ألا نشكّ بجدوى الكتابة، بجدوى الإيمان بالكلمات وبقدرتها على التأثير ولن أقول التغيير. وإذا كان ثمة تأثير فكيف يتمظهر؟ ولم لا نلمسه؟ مَن يقرأ الآن؟ وفعل القراءة ألم يتسطّح؟ في عصر وسائل التواصل يغيب العمق والتعمّق في التحليل والمقارنة والغوص في المعاني. التطوّر التكنولوجي لا يلتفت لأسئلة المثقف، ونحن نلهث لفهم ما يريدنا البرّاد في البيت أن نأكله ليلائم أمزجتنا وحالاتنا النفسية، وذوقنا الشخصي الذي تمليه علينا اللوغاريتمات. والسرعة تدفعنا إلى النسيان السريع، نسيان أسماء وكتابات رافقت نشأتنا وتطوّرنا الفكري. لم يعد المثقف ذاك الشخص الذي تحيط به هالة التميّز. لكن من دون شك تحتاج المجتمعات إلى أن يؤدي المثقفون والمبدعون أدوارهم المواكبة للتغيّرات في أساليب الحياة والتوجهات. يجب أن يبقى البحث عن الحقيقة مستمراً... والدفاع عن الحقيقة سيبقى هدف الثقافة والفن والإبداع".

في مواجهة شخصية دانا، ترسم كوثراني شخصية رمزي بدقة فائقة. تصوّر وسواسه القهري بالنظافة، حركات يديه ووجهه، تصرفاته، بيئته الإنعزالية، علاقته بأمّه وهي تشبه بمتانتها وصلابتها علاقة الفرع بالأصل. تُقدّمه بدايةً على أنّه العدوّ الذي يظهر في حياة دانا ليُهدّدها ويخرّبها، قبل أن تعتمد لعبة المرايا فتستخدم في سردها آلية التقابل بين الشخصيتين المحوريتين، لتُبيّن تماثلاً يجعل من الخصم شريكاً، أو الأصحّ شبيهاً الى حدّ التماهي والانصهار: "تقترب منه مجدداً، وتبادر الى معانقته. يلتحمان. يمسّد شعرها ببطء، تشعر بأنها خفيفة" (ص141).

ولعلّ أكثر ما يجمعهما هو موقفهما، كشخصين مثاليين تلقيا تربية «مبالغ في نظافتها» تجاه مجتمع "مبالغ في قذارته". ومع أن الحرب لا تُشكل خلفية هذا العمل كما في روايات كوثراني السابقة، لكنّ سؤالا أخيراً قد يحضر هنا: هل خراب هذا المجتمع الذي يقود أبنائه الى الفساد أو الجنون أو الإنتحار هو من مخلفات الحرب اللبنانية ام انه جزء من تدهور إقليمي عام؟ تُجيب كوثراني بالقول: "ليس التراجع أو ما سميّته «الخراب» إقليمياً فحسب. هذا الزمن الذي نشهد فيه التطوّر التكنولوجي المتسارع واعتمادنا على الذكاء الاصطناعي والخوارزميات (اللوغاريتمات) ووسائل التواصل، قدّم لنا، كما قلت في الرواية، مرآة لنرى حقيقتنا بوضوح وبدون كذب على أنفسنا، وهو أننا كبشر وكشعوب، لسنا متحضرين كما ندّعي، بل عنصريون متعصبون طائفيون متوحشون. أما أسئلتي لنفسي، فهي: كيف لم أكن أدرك هذا الأمر، ولماذا أصبح الأمر واضحاً الآن؟ وهل ثمة ردة أو تدهور أو تراجع عن ادعاء الرقيّ الإنساني أو عن محاولات الترقّي؟ هل كان الخراب مسيطراً لكن الإنسان كان يدّعي «الإنسانية» (وما معنى هذه الكلمة؟)، والآن سقطت الأقنعة (أو لأننا نعرف ونرى ونتابع ما يجري في كل بقاع الأرض) ليجاهر العنصري بعنصريته ويصبح الخوف من اللاجئين شعاراً وتدمير الكوكب عملاً ممنهجاً ثمنه أموال وعقود وصفقات. أما الوضع في لبنان، فيبدو نكتة سمجة يعرفها الجميع. وهي أن صنّاع الحرب الأهلية الذين تقاسموا المناصب الرسمية بعد مسرحية انتهائها، فعفوا عن أنفسهم وقرروا شطب الماضي كي لا يهدّد «السلم» الكاذب، هم أنفسهم نهبوا الدولة ونكبوا الشعب مرات ومرات. في هذا الإطار لم أكتب ما لا يمكن أن يكتبه/تكتبه أي لبناني/لبنانية. وكنت خلال الكتابة مدركة ذلك تماماً لكنني احتجت إلى أن أسجّل شيئاً من يومياتنا".

 

 

المزيد من ثقافة