Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بـ"أضخم عرض عسكري"... رسائل بكين في عيدها الـ70

الصين تظهر صواريخ باليستية مطورة بمدى يصل إلى أهداف بالولايات المتحدة

برسائل للخارج والداخل معا، احتفلت الصين يوم الثلاثاء، بالذكرى السبعين لتأسيس الحكم الشيوعي مظهرة قوتها المتنامية من خلال عرض كبير للعتاد والقوات كأهم حدث هذا العام بالنسبة لها في العاصمة بكين بحضور الرئيس شي جين بينغ، الذي تعهد بالتنمية السلمية، جاء ذلك في وقت تواجه القوة الاقتصادية الثانية في العالم تحديات متزايدة، بينها احتجاجات مناهضة للحكومة في هونغ كونغ منذ نحو أربعة أشهر وحرب تجارية مع واشنطن أرهقت اقتصادها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الاحتفال الصيني بضخامة رسالته العسكرية، في عيد التأسيس الـ70، عكس وفق مراقبين عملية تحديث الجيش الصيني التي أطلقها الرئيس شي جين بينغ بهدف تطويره لبلوغ "المستوى العالمي" بحلول 2049، مشيرين في الوقت ذاتها إلى رسائل متعدد تضمنها إلى القوى الدولية والإقليمية، وفقما نقلت وسائل إعلام صينية وغربية.

 

 

أسلحة وعتاد عسكري جديد

في احتفال اليوم الذي كان الأضخم من حيث العتاد والتجهيزات، تعمّدت بكين إظهار قوتها بكشفها عن آخر ما طورته من صواريخ باليستية عابرة للقارات وأسلحة غير تقليدية، فعرضت للمرة الأولى الصاروخ "دي إف 41" فائق القوة، الذي يبلغ مداه 14 ألف كم، ما يعني أنه قادر نظريا على إصابة أي موقع في الولايات المتحدة، ويمكن تحميله عدة رؤوس نووية، يقدر المراقبون عددها ما بين ثلاثة وعشرة.

وحسبما أشارت تقارير صينية، فإن أهم مميزات هذا الصاروخ أنه بالرغم من طوله البالغ عشرين مترا، فهو متحرك ويمكن إخفاؤه في أي مكان من البلد، خلافا للجيل السابق من الصواريخ الباليستية النووية التي لا يمكن إطلاقها إلا من منصات ثابتة.

في الاحتفال ذاته، عرضت الصين كذلك نسخة جديدة من قاذفاتها الاستراتيجية "إتش 6-إن" القادرة على حمل أسلحة ذرية إلى مدى أبعد من قبل. ومن أبرز ما تضمنه العرض العسكري الصاروخ الباليستي بحر-أرض "جي إل-2" أو "الموجة العملاقة 2"، وهو صاروخ يتم تحميله في غواصات ويمكنه إصابة منطقة ألاسكا وغرب الولايات المتحدة.

وقال خبير الأسلحة ورئيس تحرير المجلة الصينية "شيانداي جيانشوان"، كوي يليانغ، "عرض الأسلحة الذرية ليس مؤشر تغيير في استراتيجية الصين النووية". مضيفاً أن الصين "ستواصل حيازة ترسانة نووية صغيرة إنما عالية الأداء. والهدف هو ضمان امتلاك قوة ردع نووية والقدرة على الرد في حال التعرض لهجوم من دولة أخرى".

وعلى صعيد الأسلحة التقليدية (غير الذرية)، كشفت الصين، كذلك، عن صاروخ عابر للقارات يفوق سرعة الصوت، يعرف باسم "دي إف 100" وهو قادر على شل حركة حاملات الطائرات.

كما تضمن العرض "نجما" آخر هو الصاروخ "دي إف -17" القادر عند بلوغه ارتفاعا معينا، على إطلاق "طائرة شراعية فائقة السرعة"، هي في الحقيقة سلاح أشبه برأس طائرة حربية مصمم على شكل سهم وقادر على التحرك بسرعة تقارب سبعة آلاف كيلومتر في الساعة. وقدرة هذا السلاح على التحرك بين الطبقات الجوية يجعل من الصعب التكهن بمساره أكثر بكثير من الصواريخ الباليستية، ما يزيد من صعوبة اعتراضه.

وأبدت دائرة الأبحاث في الكونغرس الأميركي في تقرير صدر في منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي مخاوف من أن تكون الولايات المتحدة متأخرة عن الصين على صعيد هذه الطائرات الشراعية فائقة السرعة. رأى آدم ني أن هذه الأسلحة التقليدية الجديدة تسمح للجيش الصيني بـ"ردم الهوة مع الولايات المتحدة وتقوض تفوق واشنطن العسكري في آسيا". وأضاف "بذلك يمكن للصين أن تردع الولايات المتحدة أكثر عن التدخل في تايوان أو بحر الصين الجنوبي".

وعرض الجيش الصيني أيضا طائرتين بدون طيار. أولهما طائرة "دبليو زد-8" أو "استطلاع 8" التي تفوق سرعة الصوت (حوالي أربعة آلاف كم في الساعة)، ويمكنها جمع معلومات حول حاملات الطائرات قبل إطلاق صاروخ باليستي مضاد للسفن. والثانية طائرة "جي جاي-11" أو "هجوم 11"، وهي طائرة بدون طيار خفية كبيرة الحجم بإمكانها حمل صواريخ أو رصد سفن أجنبية.

وقال الاختصاصي في شؤون الجيش الصيني في حامعة نانيانغ للتكنولوجيا في سنغافورة جيمس شار، إن "الصناعة الدفاعية الصينية حققت تقدما لا يمكن إنكاره. لكن ما زال يتحتم على الصين قطع شوط قبل أن تصبح قوة تكنولوجية عسكرية مساوية للولايات المتحدة". معتبراً أنه "لا بد من الإشارة أيضا إلى أنه بمعزل عن عرض الأسلحة، لا نعرف ما هي قادرة على تحقيقه فعليا في الميدان".

 

 

لا شيء يهز "دعائم الأمة الصينية"

وخلال حضوره العرض العسكري مرتديا بزة ماوية (نسبة إلى ماو تسي تونغ مؤسس الصين) داكنة اللون، قال الرئيس الصيني شي، الذي حضر بصحبة سابقيه في المنصب هو جين تاو وجيانغ تسه مين إن الصين ستواصل استراتيجية الانفتاح القائم على المصالح المشتركة.

ووفقما نقله التلفزيون الرسمي، أضاف شي، أمام جمهور اختير بعناية في ساحة تيانانمين أن الجيش يجب أن يحمي سيادة الصين وأمنها ومصالحها التنموية بحزم ويحافظ بقوة على السلام العالمي.

وقال في كلمته التي ألقاها عند بوابة السلام السماوي حيث أعلن ماو تسي تونغ تأسيس جمهورية الصين الشعبية في مثل هذا اليوم من الأول من أكتوبر (تشرين الأول) عام 1949 "ما من قوة يمكنها هز مكانة الصين أو منع شعب الصين والأمة الصينية من السير إلى الأمام". ومضى قائلا إن الصين يجب أن تحافظ على الرخاء والاستقرار في هونغ كونغ ومكاو وتعزيز التطور السلمي للعلاقات مع تايوان "ومواصلة الكفاح في سبيل إعادة توحيد الوطن الأم توحيدا تاما".

وتفقّد الرئيس فيما بعد العتاد العسكري وصفوف القوات واحدا تلو الآخر، قبل أن يعود إلى المنصة حيث تابع تحرك دبابات وتحليق طائرات مسيرة وإطلاق صواريخ.

وانطلقت الاحتفالات الضخمة بهذه المناسبة بـ70 طلقة مدفعية أطلقت من ساحة تيان إنمين التي ازدانت بملصقات عملاقة كتب عليها "العيد الوطني 1949-2019".

وبعدما أعلن رئيس الوزراء لي كيقيانغ انطلاق الاحتفالات، وقف الرئيس شي وحشد من القادة الحاليين والسابقين على وقع عزف النشيد الوطني، ثم اعتلى شي المنصة لإلقاء خطابه. بعدها استعرض شي وسائر أعضاء القيادة الوحدات العسكرية المشاركة في العرض العسكري الضخم التي تقدّمتها الوحدات الراجلة ومن ثم السيّارة.

وبمشاركة 15 ألف جندي ومئات الدبابات وصواريخ وطائرات حربية، جاء هذا العرض كأحد أضخم الاستعراضات العسكرية التي تشهدها بكين. والهدف هو تجسيد بروز أمة حققت خلال سبعين عاما نقلة بالغة الأهمية من وضعية الرجل المريض في آسيا إلى ثاني قوة اقتصادية في العالم.

 

 

أي رسائل تبعث بها بكين؟

تعدد الإشارات والرسائل التي حملها العرض العسكري الصيني الضخم، وذلك في وقت تتطلع بكين لإظهار صورة من الثقة في وجه تحديات متزايدة، بما في ذلك احتجاجات مناهضة للحكومة في هونغ كونغ مستمرة منذ أربعة أشهر وحرب تجارية مريرة مع الولايات المتحدة أرهقت اقتصادها.

وبحسب خبير الجيش الصيني في جامعة ماكاري في سيدني آدم ني، فإن "الأسلحة النووية الجديدة التي عُرضت تشهد على تطور كبير". وقال "إنها تزداد قدرة على الحركة والصمود وبات من الممكن الوثوق بها بشكل أكبر، بينما ازدادت دقتها وأصبحت أكثر تطوراً من الناحية التقنية" مشيرا إلى أن "الرد النووي الصيني يكسب مصداقية أكبر بوجه الولايات المتحدة".

والوضع متوتر بين البلدين في بحر الصين الجنوبي حيث يدور بينهما صراع على النفوذ، يقترن بحرب تجارية محتدمة باشرتها واشنطن عام 2018 ولا يُعرف ما قد يتأتى عنها.

وعكست خطوات الجنود المنضبطة خلال الاستعراض، السلطة المعززة للحزب الشيوعي منذ تولي شي جين بينغ الرئاسة عام 2012.

وقبل أيام من العرض أصدرت الحكومة الصينية تقريرا لها بعنوان "الصين والعالم في عهد جديد"، رفضت فيه ما وصفته بأنه مخاوف بشأن "تهديد الصين"، معتبرة أن "الاعتقاد بأن الصين تمثل تهديدا للعالم متأصل في سوء فهم وتعصب متأصل".

ولدى الصين أكبر جيش في العالم وثاني أكبر ميزانية عسكرية بعد الولايات المتحدة. وفي السنوات الأخيرة، هددت مرارا تايوان، وهي ديموقراطية ذات حكم ذاتي، تنظر بكين إليها على أنها إقليم منشق، بتدخل عسكري.

وقامت أيضا بعسكرة مناطق متنازع عليها في بحر الصين الجنوبي وفتحت أول قاعدة عسكرية لها في الخارج، في جيبوتي في القرن الأفريقي، تقول إنها ضرورية لمهام حفظ سلام للأمم المتحدة.

وقال التقرير إن "الأولوية الرئيسة للصين هي التنمية"، وتناول بشكل موسع نجاح الصين في انتشال الملايين من الفقر، خلال العقود السبعة الماضية والتزام الحكومة بالإصلاح والانفتاح الاقتصاديين.

وتابع التقرير، "بسبب المساحة الشاسعة للصين والظروف الوطنية المعقدة، فإن حكم الصين صعب بشكل فريد. بدون القيادة المركزية والموحدة والحازمة، ستتجه الصين نحو الانقسام والتفسخ مما يسبب فوضى واسعة النطاق تتجاوز حدودها الخاصة"، في إشارة لتقديم الحزب الشيوعي الحاكم في البلاد نفسه على إنه أساس لنجاح الصين.

وفي السياق ذاته، قالت صحيفة "الشعب" اليومية الصينية بمناسبة الاحتفال، إن القوة الوطنية الشاملة للصين وتأثيرها الدولي يزدادان يوما بعد يوم، حيث تتحسن مستويات معيشة الشعب باستمرار وتحظى باحترام واسع من كافة أطياف المجتمع الدولي.

واعتبرت الصحيفة، في افتتاحيتها بعنوان "التطلعات الأساسية ولّدت الإنجازات العظيمة"، إن "الصين تمر بمرحلة حساسة كبيرة، وستواجه في المستقبل ضغوطا داخلية وخارجية أكبر بعد 70 عاما، نحن فخورون ولكننا يجب ألا نرضى عن أنفسنا ولا نسترخي ونكتفي بما حققناه. فنحن بحاجة إلى روح أقوى لإحداث معجزات أكبر".

وبحسب الصحيفة ذاتها، "يشهد العالم اليوم تغيرا ملحوظا، وما تشهده الأمة الصينية يمر بمرحلة دقيقة وحساسة. وفي طريق سيرنا إلى الأمام سيصبح اختبار المخاطر التي نواجهها أكثر تعقيدا".

ويبدو أن السلطات الصينية أرادت من هذا الحدث اللعب على الوتر الوطني عبر الاحتفال بما تحقق من تقدم اقتصادي واجتماعي خلال العقود الماضية. حيث عمل الرئيس شي منذ وصوله إلى السلطة عام 2012 على تعزيز إمساك الحزب الشيوعي بالسلطة، وبات البعض يعتبره الزعيم الصيني الأقوى منذ ماو تسي تونغ (1949-1976).

وإذا كانت السلطات الصينية لا تزال تمجد ماو ومرحلة حكمه، فهي تخفي بعض الجوانب المظلمة من هذه المرحلة. حيث يقدر عدد من الخبراء في الشؤون الصينية في الخارج بما بين 40 و70 مليون شخص عدد الذين قضوا نتيجة الاجراءات السياسية والاقتصادية التي فرضها الزعيم ماو.

ولا يزال شي يحظى بشعبية كبيرة في الصين بسبب حملته الجسورة على الفساد ولدفعه بالبلاد التي هي الآن ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم لصدارة السياسة العالمية. لكنه يواجه تحديات متزايدة خصوصا في هونغ كونغ التي تموج باحتجاجات للمطالبة بمزيد من الديموقراطية.

واليوم الثلاثاء جدد المحتجون تظاهراتهم في المستعمرة البريطانية السابقة التي أعيدت إلى الصين عام 1997 في يوم اطلقوا عليه "يوم غضب"، وذلك في تحد جديد للسلطات الصينية واحتفالها بالعيد الـ70 لتأسيسها.

ومن بين التحديات التي تواجه بكين، ورئيسها شي هو تايوان التي ستشهد انتخابات رئاسية في يناير (كانون الثاني) المقبل. والتي أدانت سلطاتها اليوم الثلاثاء ما وصفته بـ"ديكتاتورية" الصين قائلة إنها تهديد للسلام.

وهناك أيضا أقليات قلقة في التبت ومنطقة شينجيانغ التي تسكنها أغلبية مسلمة حيث واجهت الصين إدانة دولية بسبب احتجازها ما يصل إلى مليون من قومية الويغور العرقية في إجراءات تقول الصين إنها تهدف لمكافحة التشدد. وهو ما يسبب تحدي للحكومة الصينية لا سيما فيما يتعلق بصورتها ومكانتها الدولية.

المزيد من سياسة