Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إمبراطوريات حقبة ما بعد الإمبريالية

كيف تؤدي الحرب في أوكرانيا إلى حدوث تغييرات في أوروبا؟

يتجنب معظم الأوروبيين استخدام مصطلح "الإمبراطورية" ويعتبرونه مرتبطاً بماضٍ مظلم وسيئاً في جوهره ومجرداً من الديمقراطية والليبرالية (إدواردو مورتسيانو)

ملخص

تكشف الحرب في أوكرانيا عن سيناريو مفاجئ وهو أن الاتحاد الأوروبي باعتباره إمبراطورية في مرحلة ما بعد الإمبريالية، متحالف استراتيجياً مع الإمبراطورية الأميركية في عصر ما بعد الإمبريالية، من أجل منع عودة الإمبراطورية الروسية المتدهورة وكبح جماح الإمبراطورية الصينية الصاعدة

التاريخ يعشق العواقب غير المقصودة. وأحدث الأمثلة على ذلك يشكل مفارقة غريبة بصورة خاصة: إن محاولة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إحياء الإمبراطورية الروسية من خلال إعادة استعمار أوكرانيا مهدت الطريق أمام ظهور أوروبا ما بعد الإمبريالية، أي أوروبا الخالية من الإمبراطوريات التي يهيمن عليها شعب أو أمة واحدة، سواء على الأرض أو عبر البحار، وهو وضع لم تشهده القارة من قبل.

ولكن من عجيب المفارقات أن تأمين هذا المستقبل ما بعد الإمبريالي والوقوف في وجه العدوان الروسي يتطلبان من الاتحاد الأوروبي أن يكتسب بعض خصائص الإمبراطورية. يجب أن يتمتع الاتحاد بدرجة كافية من التماسك والسلطة المركزية والقدرة على اتخاذ قرارات فاعلة للدفاع عن مصالح الأوروبيين المشتركة وقيمهم. فإذا كان لكل دولة عضو حق النقض على القرارات الحيوية، فسينهار الاتحاد داخلياً وخارجياً.

إن الأوروبيين غير معتادين على النظر إلى أنفسهم من خلال عدسة الإمبراطورية [أي إنهم لا يعتبرون أوروبا إمبراطورية]، ولكن القيام بذلك من شأنه أن يقدم منظوراً توضيحياً ومثيراً للقلق. في الواقع إن الاتحاد الأوروبي نفسه لديه ماضٍ استعماري. وبحسب الوثائق التي أعدها الباحثان السويديان بيو هانسن وستيفان جونسون، في خمسينيات القرن الـ20، كان المهندسون الأصليون لما أصبح في نهاية المطاف الاتحاد الأوروبي ينظرون إلى المستعمرات الأفريقية التابعة للدول الأعضاء على أنها جزء لا يتجزأ من المشروع الأوروبي. وحتى عندما خاضت الدول الأوروبية حروباً وحشية في كثير من الأحيان من أجل الدفاع عن مستعمراتها، تحدث المسؤولون بحماسة عن مفهوم "يورو أفريكا" Eurafrica أي أوروأفريقيا، معتبرين أن الممتلكات الخارجية الخاصة بدول مثل فرنسا تشكل جزءاً من المجموعة الاقتصادية الأوروبية الجديدة.  وجاهدت البرتغال لإبقاء سيطرتها على أنغولا وموزمبيق حتى أوائل السبعينيات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتوفر عدسة الإمبراطورية منظوراً أكثر وضوحاً عندما نركز على الجزء الكبير من أوروبا الذي كان خلف الستار الحديدي تحت الحكم الشيوعي السوفياتي أو اليوغوسلافي أثناء الحرب الباردة. شكل الاتحاد السوفياتي امتداداً للإمبراطورية الروسية، على رغم أن كثيراً من قادته لم يكونوا من العرق الروسي. أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها، ضم بلداناً وأقاليم (بما في ذلك دول البلطيق وغرب أوكرانيا) لم تكُن جزءاً من الاتحاد السوفياتي قبل عام 1939. وفي الوقت نفسه، وسع الاتحاد السوفياتي إمبراطوريته الفعلية إلى قلب أوروبا، ليشمل أجزاء كبيرة مما عُرف تاريخياً باسم ألمانيا الوسطى التي أُطلقت عليها في ما بعد تسمية ألمانيا الشرقية.

بعبارة أخرى، كانت هناك إمبراطورية روسية داخلية وخارجية. وكان المفتاح لفهم كل من أوروبا الشرقية والاتحاد السوفياتي في الثمانينيات هو إدراك أن هذا الأخير كان بالفعل إمبراطورية، وإن كانت في طريقها إلى الاضمحلال. وأعقب ذلك إنهاء الاستعمار في الإمبراطورية الخارجية بطريقة سريعة وسلمية فريدة من نوعها عامي 1989 و1990، ولكن بعدئذ، وبصورة مثيرة للعجب، حصل التفكك الداخلي للإمبراطورية نفسها عام 1991. وكان السبب وراء ذلك، كما هي الحال غالباً، الفوضى في المركز الإمبراطوري. والأمر الأكثر غرابة هو أن الضربة القاضية للإمبراطورية وجهتها الدولة الإمبريالية الأساسية: روسيا. لكن روسيا اليوم تسعى جاهدة إلى استعادة السيطرة على بعض الأراضي التي تنازلت عنها، وتتقدم نحو الحدود الشرقية الجديدة للغرب.

أشباح الإمبراطوريات الماضية

كل مَن اطلع على تاريخ الإمبراطوريات أدرك بأن انهيار الاتحاد السوفياتي لم يكُن نهاية الحكاية. فالإمبراطوريات عادة لا تستسلم من دون مقاومة، وهو ما أظهره البريطانيون والفرنسيون والبرتغاليون و"اليورو أفريقيون" بعد عام 1945. في منطقة صغيرة، رجعت الإمبراطورية الروسية بسرعة. عام 1992، استخدم الجنرال ألكسندر ليبيد لواء الحرس الـ14 الروسي المسلح لإنهاء الحرب المندلعة بين الانفصاليين من مولدوفا المستقلة حديثاً التي تقع شرق نهر دنيستر والقوات المولدوفية الشرعية. وكانت النتيجة نشوء شبه دولة ترانسنيستريا غير الشرعية التي لا تزال على هذه الحال منذ تشكيلها إلى يومنا هذا، والواقعة في الطرف الشرقي من مولدوفا، على الحدود مع أوكرانيا. في التسعينيات، خاضت روسيا أيضاً حربين وحشيتين للحفاظ على سيطرتها على الشيشان، ودعمت بنشاط الانفصاليين في منطقتي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية في جورجيا.

ومع ذلك، بينما سعت موسكو إلى استعادة بعض أراضيها الاستعمارية المفقودة، كان الاتحاد الأوروبي منشغلاً بإكمال تطورين مهمين في عملية التحول المميزة من إمبراطوريات إلى دول التي شهدتها أوروبا خلال القرن الـ20. وأثار التفكك العنيف ليوغوسلافيا وانقسام تشيكوسلوفاكيا السلمي إلى جمهورية التشيك وسلوفاكيا اهتماماً متجدداً بإرث كل من الإمبراطورتين العثمانية والنمسوية المجرية على التوالي اللتين تم حلهما رسمياً في نهاية الحرب العالمية الأولى. لكن لم يكُن هناك شيء حتمي في شأن تفكك تشيكوسلوفاكيا ويوغوسلافيا. في الواقع، ليس من المحتم على الدول المتعددة الجنسيات في حقبة ما بعد الإمبريالية أن تتفكك إلى دول قومية، وهذا التفكك ليس بالضرورة السيناريو الأمثل للأشخاص الذين يعيشون هناك. لكن التجارب والحقائق تشير إلى أن التاريخ الأوروبي الحديث اتّبع هذا النمط. ونتيجة لذلك، فإننا نرى اليوم مزيجاً متداخلاً من 24 دولة مستقلة في أوروبا، شرق ما كان يُعرف بالستار الحديدي (وشمال اليونان وتركيا)، في حين كان عددها 9 فحسب عام 1989.

التوسع الاستعماري الجديد لروسيا بدأ مع إعلان بوتين عن مسار المواجهة مع الغرب في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007، وندد آنذاك بالنظام الأحادي القطب الذي تقوده الولايات المتحدة. وأعقب ذلك استيلاء روسي مسلح على أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية من جورجيا في 2008. وتصاعد الوضع مع ضم شبه جزيرة القرم وغزو شرق أوكرانيا عام 2014، مما أدى إلى اندلاع الحرب الروسية- الأوكرانية التي يذكّر الأوكرانيون الغرب بصورة متكررة بأنها مستمرة منذ تسع سنوات. وعلى حد قول المؤرخ آلان جون بيرسيفال تايلور، كان عام 2014 نقطة التحول التي فشل الغرب خلالها في اتخاذ منعطف حاسم. ولا يمكن لأحد أن يعرف قط ما كان ليحدث لو أن الغرب ردّ بقوة أكبر في ذلك الوقت، من خلال تقليل اعتماده على روسيا في مجال الطاقة ووقف تدفق الأموال الروسية القذرة المتداولة في الغرب وتزويد أوكرانيا بمزيد من السلاح وتوجيه رسالة تحذيرية أقوى إلى موسكو. ولكن ليس هناك شك في أن مثل هذا المسار كان ليضع أوكرانيا والغرب في وضع مختلف وأفضل عام 2022.

وحتى عندما بدأت روسيا حملتها المضادة [لإعادة بناء الإمبراطورية]، كان الغرب نفسه يفشل في الاستجابة بصورة فاعلة أو حاسمة. وكان عام 2008 بمثابة بداية توقف موقت في قصة توسع الغرب الجيوسياسي الاستثنائية التي دامت 35 سنة. ففي 1972، كانت المجموعة الاقتصادية الأوروبية التي تطورت في ما بعد إلى الاتحاد الأوروبي، تضم ستة أعضاء فحسب، في حين كان حلف شمال الأطلسي (الناتو) يضم 15 عضواً لا غير. ولكن بحلول عام 2008، أصبح الاتحاد الأوروبي يضم 27 دولة عضواً، وارتفع عدد أعضاء حلف شمال الأطلسي إلى 26. وتوسعت المنظمتان لتضما مناطق في عمق أوروبا الوسطى والشرقية، بما في ذلك دول البلطيق التي كانت جزءاً من الإمبراطورية السوفياتية الروسية الداخلية حتى عام 1991. وعلى رغم أن بوتين قبِل على مضض هذا التوسع المزدوج للغرب، إلا أنه نظر إليه على نحو متزايد بخوف واستياء.

وفي قمة حلف شمال الأطلسي التي عقدت في بوخارست في أبريل (نيسان) 2008، كانت إدارة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش تريد البدء بالتحضيرات الجدية لانضمام جورجيا وأوكرانيا إلى "الناتو"، إلا أن الدول الأوروبية الرائدة، وأبرزها فرنسا وألمانيا، عارضت ذلك بشدة. وكحل وسط، أعلن البيان الختامي للقمة أن جورجيا وأوكرانيا "سوف تصبحان عضوين في منظمة حلف شمال الأطلسي في المستقبل" ولكن من دون تحديد خطوات ملموسة لتحقيق هذا الهدف. لكن ذلك جعل الوضع أسوأ بالنسبة إلى الطرفين، إذ زاد من إحساس بوتين بالتهديد الذي تقوده الولايات المتحدة لبقايا الإمبراطورية الروسية، وفشل في الوقت نفسه في ضمان أمن أوكرانيا أو جورجيا. فدخلت دبابات بوتين إلى أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية بعد أربعة أشهر فحسب. وشملت توسعات "الناتو" اللاحقة دول جنوب شرقي أوروبا الصغيرة مثل ألبانيا وكرواتيا والجبل الأسود ومقدونيا الشمالية، مما جعل إجمالي عدد أعضاء الحلف اليوم 30 عضواً، لكن هذه الإضافات بالكاد غيرت توازن القوة في شرق أوروبا.

في المقابل، توقف توسع الاتحاد الأوروبي، ليس بسبب المقاومة الروسية بل نتيجة "التعب من التوسع" enlargement fatigue [وجود اعتراضات داخلية على قبول أعضاء جدد] في أعقاب انضمام أعضاء جدد من وسط وشرق أوروبا عامي 2004 و2007، إضافة إلى تأثير التحديات الكبرى الأخرى التي واجهت الاتحاد الأوروبي. في الواقع، أدت الأزمة المالية العالمية لعام 2008 تدريجاً إلى أزمة مطولة في منطقة اليورو بدءاً من 2010، تلتها أزمة اللاجئين في 2015-2016، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وانتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب في 2016، وصعود الحركات الشعبوية المناهضة لليبرالية في دول مثل فرنسا وإيطاليا، وجائحة كورونا. وانضمت كرواتيا إلى الاتحاد الأوروبي عام 2013، لكن مقدونيا الشمالية التي قُبلت كدولة مرشحة في 2005، لا تزال تنتظر حتى اليوم لتنضم إلى الاتحاد. ويذكّرنا النهج الذي اتبعه الاتحاد الأوروبي في التعامل مع منطقة غرب البلقان على مدى العقدين الماضيين برسم كاريكاتيري نشرته مجلة "نيويوركر" يُظهر رجل أعمال وهو يقول لمتصل غير مرحب به عبر الهاتف: "ما رأيك ألا يحصل ذلك أبداً؟ هل يناسبك ذلك؟".

أوروبا كاملة وحرة

ومجدداً لإثبات حكمة هيراقليطس بأن "الحرب هي أم الكائنات وأبوها" [الحرب هي أصل كل شيء]، فإن الحرب الحالية التي تُعتبر أكبر حرب في أوروبا منذ عام 1945 أتاحت قلب مسار التجميد في هاتين العمليتين [توسع الاتحاد الأوروبي وحلف "الناتو"]، مما مهد الطريق لامتداد النفوذ الغربي بصورة كبيرة وهادفة نحو الشرق. وحتى فبراير (شباط) 2022، عشية الغزو الروسي الواسع النطاق لأوكرانيا، كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لا يزال متردداً في شأن توسيع الاتحاد الأوروبي ليشمل غرب البلقان، في حين أيد المستشار الألماني أولاف شولتز هذا التوسع، لكنه كان حذراً إزاء اتخاذ مزيد من الخطوات. ولكن في ظل المقاومة الأوكرانية الشجاعة وغير المتوقعة ضد محاولات روسيا فرض السيطرة على البلاد بأكملها، وضع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي الاتحاد الأوروبي في موقف صعب. فالرأي العام الأوكراني تطور على مدى العقود الثلاثة الماضية، أي خلال الأحداث المحفزة للثورة البرتقالية عام 2004 واحتجاجات "يورو ميدان" [الاحتجاجات الموالية لأوروبا في ساحة "الميدان"] في 2014، وأظهرت رئاسة زيلينسكي انسجاماً واضحاً مع القيم والسياسات والتطلعات الأوروبية. وبناءً على ذلك، لم تقتصر طلباته المتكررة على الحصول على الأسلحة وفرض العقوبات فحسب، بل طالب أيضاً بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. ومن اللافت للنظر أن هذا الطموح الطويل الأمد كان ينبغي أن يكون من بين المطالب الثلاثة الأهم لدولة تواجه تهديداً وشيكاً بالخضوع لاحتلال روسي مدمر.

بحلول يونيو (حزيران) 2022، كان ماكرون وشولتز يقفان مع زيلينسكي في كييف، جنباً إلى جنب مع رئيس الوزراء الإيطالي ماريو دراغي (الذي كان أعرب عن دعمه لفكرة العضوية قبل شهر وقام بدور ملحوظ في تغيير آراء القادة الآخرين) والرئيس الروماني كلاوس يوهانيس. وأعلن جميع الزوار الأربعة أنهم يؤيدون قبول الاتحاد الأوروبي لأوكرانيا كمرشح للعضوية. وفي الشهر نفسه، تبنى الاتحاد الأوروبي هذا الموقف بصورة رسمية، فوافق أيضاً على النظر إلى مولدوفا كمرشح (مع مراعاة بعض الشروط الأولية للبلدين) وأرسل إشارة مشجعة إلى جورجيا مفادها بأن الاتحاد الأوروبي قد يمنحها وضعاً مماثلاً في المستقبل.


في المقابل، لم يعطِ "الناتو" أي وعد رسمي من هذا القبيل لأوكرانيا، ولكن بالنظر إلى الدعم الكبير الذي تقدمه الدول الأعضاء في الحلف للدفاع عن أوكرانيا، مما أبرزته بصورة كبيرة زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن إلى كييف في وقت سابق من هذا العام، فمن الصعب الآن أن نتخيل أن الحرب يمكن أن تنتهي من دون نوع من الالتزامات الأمنية الفعلية، وإن لم تكُن رسمية، من جانب الولايات المتحدة وأعضاء "الناتو" الآخرين. في الوقت نفسه، دفعت الحرب السويد وفنلندا إلى الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (على رغم أن الاعتراضات التركية أدت إلى تأخير هذه العملية). كذلك، أدت الحرب إلى دخول الاتحاد الأوروبي ومنظمة حلف شمال الأطلسي في شراكة واضحة المعالم، باعتبارهما، إذا جاز التعبير، الذراعين القويتين للغرب. وفي الأمد البعيد فإن عضوية جورجيا ومولدوفا وأوكرانيا في "الناتو" سوف تكمل منطقياً عضويتها في الاتحاد الأوروبي وتشكل الضمان الدائم الوحيد لهذه البلدان ضد النزعة الانتقامية الروسية المتجددة. ويذكر أن وزير الخارجية الأميركي السابق هنري كيسنجر، وهو سياسي معروف بالواقعية السياسية، أيد هذا المنظور في حديثه خلال الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي هذا العام في دافوس، مشيراً إلى أن الحرب التي كان من المفترض أن يمنعها حياد أوكرانيا بعدم انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي اندلعت بالفعل. وفي مؤتمر ميونيخ للأمن الذي عقد في فبراير الماضي، أيد عدد من الزعماء الغربيين صراحة عضوية أوكرانيا في حلف شمال الأطلسي.

إن مشروع ضم بقية أوروبا الشرقية، باستثناء روسيا، إلى المنظمتين الرئيستين في الغرب الجيوسياسي، هو مشروع يتطلب تنفيذه سنوات عدة. لقد استغرق أول توسع مزدوج للغرب نحو الشرق قرابة 17 عاماً، إذا احتسبنا الفترة من يناير (كانون الثاني) 1990 إلى يناير 2007، عندما انضمت بلغاريا ورومانيا إلى الاتحاد الأوروبي. وأحد التحديات البارزة هو احتلال القوات الروسية حالياً أجزاء من جورجيا ومولدوفا وأوكرانيا. بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، هناك حال سابقة وافق فيها على عضوية دولة لا تسيطر حكومتها الشرعية على مناطق البلد كافة: فجزء من قبرص، وهي دولة عضو في الاتحاد، خاضع لسيطرة تركيا بصورة فعلية. ولكن لا توجد سابقة مماثلة في حلف شمال الأطلسي. من الناحية المثالية، فإن الجولات المستقبلية لتوسيع حلف "الناتو" ستجري في سياق محادثات أوسع حول الأمن الأوروبي مع روسيا، على غرار تلك التي شهدناها في واقع الأمر خلال جولتي توسع حلف شمال الأطلسي شرقاً عامي 1999 و2004، ويذكر أن الجولة الأخيرة نجحت حتى في الحصول على موافقة بوتين على مضض. ولكن من الصعب أن نتصور حدوث ذلك مرة أخرى ما لم يكُن هناك زعيم مختلف تماماً في الكرملين.

وقد يستغرق تحقيق هذا التوسع المزدوج حتى ثلاثينيات القرن الـ21، ولكن إذا حدث ذلك فسيمثل خطوة جبارة أخرى نحو الهدف الذي حدده الرئيس الأميركي جورج بوش الأب في خطاب ألقاه عام 1989: أوروبا كاملة وحرة. لا حدود واضحة لأوروبا، على رغم أنها تنتهي عند القطب الشمالي في نقطة ما، ولكنها تمتد ببساطة عبر أوراسيا، والبحر الأبيض المتوسط، وحتى عبر المحيط الأطلسي. (ستكون كندا عضواً مثالياً في الاتحاد الأوروبي). ولكن مع اكتمال هذا التوسع نحو الشرق، سيتوحد جزء أكبر من أوروبا الجغرافية والتاريخية والثقافية في مجموعة واحدة مترابطة أكثر من أي وقت مضى تضم المجتمعات السياسية والاقتصادية والأمنية.

علاوة على ذلك، هناك مسألة ما إذا كانت بيلاروس الديمقراطية في مرحلة ما بعد لوكاشينكو قادرة على تحرير نفسها من قبضة روسيا. وهناك مرحلة أخرى من المحتمل أن تشمل أيضاً أرمينيا وأذربيجان وتركيا (عضو في حلف شمال الأطلسي منذ عام 1952 ومرشحة مقبولة لعضوية الاتحاد الأوروبي منذ 1999)، مما قد يسهم في نهاية المطاف في تعزيز قوة الغرب على المستوى الجيوستراتيجي في عالم يتجه بصورة متزايدة نحو مرحلة ما بعد الهيمنة الغربية. ولكن الحجم الهائل للمهمة التي اضطلع بها الاتحاد الأوروبي للتو، إلى جانب الظروف السياسية داخل تلك البلدان، يجعل هذا الاحتمال غير مدرج على الأجندة السياسية الأوروبية الحالية.

تحول الاتحاد الأوروبي

إن هذه الرؤية الطويلة الأمد حول توسيع الاتحاد الأوروبي من خلال شراكة استراتيجية مع منظمة حلف شمال الأطلسي، تثير على الفور سؤالين مهمين. ماذا عن روسيا؟ وكيف يمكن أن يكون هناك اتحاد أوروبي مستدام يضم 36 دولة عضواً، ثم 40 دولة عضواً في نهاية المطاف؟. من الصعب الإجابة عن السؤال الأول من دون أن نعرف وضع روسيا ما بعد بوتين، لكن جزءاً كبيراً من الإجابة سيعتمد في كل الأحوال على البيئة الجيوسياسية الخارجية التي نشأت في غرب روسيا وجنوبها. وهذه البيئة تتأثر بصورة مباشرة بقرارات صناع السياسة الغربيين وليس بالتطورات الداخلية في روسيا المتدهورة على رغم أنها مسلحة نووياً.

ومن الناحية السياسية، فإن الخطاب الأكثر أهمية حول هذا الموضوع ألقاه شولتز في براغ في أغسطس (آب) الماضي. بعد تأكيده على التزامه الجديد توسيع الاتحاد الأوروبي شرقاً، ليشمل غرب البلقان ومولدوفا وأوكرانيا، وعلى المدى الطويل جورجيا، أصر على أن هذه الجولة، مثل الجولات السابقة من التوسيع، ستتطلب مزيداً من التكامل والوحدة بين أعضاء الاتحاد الأوروبي، وإلا فإن هذا الاتحاد الذي يتألف من 36 عضواً سيتوقف عن العمل كمجتمع سياسي متماسك وفاعل. وتحديداً، دعا شولتز إلى اللجوء لـ"تصويت الغالبية المؤهلة" بصورة أكبر، وهو إجراء لصنع القرار في الاتحاد الأوروبي يتطلب موافقة 55 في المئة من الدول الأعضاء التي تمثل 65 في المئة في الأقل من سكان الاتحاد. ومن شأن هذه العملية أن تمنع عضواً واحداً، مثل المجر بقيادة فيكتور أوربان، من التهديد باستخدام حق النقض ضد حزمة أخرى من العقوبات على روسيا أو غيرها من التدابير التي تعتبرها معظم الدول الأعضاء ضرورية. باختصار، يتعين على السلطة المركزية في الاتحاد الأوروبي أن تعزز قوتها حتى تتمكن من الحفاظ على تماسك مثل هذا المجتمع السياسي الضخم والمتنوع، ولكن مع الإبقاء على ضوابط وتوازنات ديمقراطية دائمة وتجنب هيمنة أي دولة بمفردها.

من الواضح أن تحليل شولتز صحيح، ويحمل أهمية مضاعفة لأنه صادر عن زعيم القوة المركزية في أوروبا. ولكن أليس هذا في حد ذاته شكلاً من أشكال الإمبراطورية؟، إنه نوع جديد من الإمبراطوريات، يعتمد على العضوية الطوعية والإجماع الديمقراطي. يتجنب معظم الأوروبيين استخدام مصطلح "الإمبراطورية"، ويعتبرونه مرتبطاً بماضٍ مظلم وسيئاً في جوهره ومجرداً من الديمقراطية والليبرالية. والواقع أن أحد الأسباب التي جعلت الأوروبيين يتحدثون أكثر عن الإمبراطورية في الآونة الأخيرة يتلخص في ظهور الحركات الاحتجاجية التي تدعو القوى الاستعمارية الأوروبية السابقة إلى الاعتراف بالشرور التي ارتكبتها إمبراطورياتها الاستعمارية والتعويض عنها. لذا فإن الأوروبيين يفضلون كلمات مثل التكامل، أو الاتحاد، أو الحكم المتعدد المستويات. في كتابه "الطريق إلى اللاحرية" The Road to Unfreedom، يصف المؤرخ تيموثي سنايدر من جامعة يال التنافس بين الاتحاد الأوروبي وروسيا في عهد بوتين بأنه "تكامل أو إمبراطورية". لكن كلمة "التكامل" تصف عملية، وليس حالاً نهائية. والمقارنة بين المفهومين تشبه إلى حد ما المقارنة بين "السفر بالسكك الحديد" و"المدينة"، بيد أن وسيلة النقل لا تصف الوجهة.


ومن الواضح أنه إذا كنا نقصد بكلمة "إمبراطورية" سيطرة دولة استعمارية واحدة بصورة مباشرة على أراضي الشعوب الأخرى، فإن الاتحاد الأوروبي ليس إمبراطورية. ولكن وفقاً لمؤرخ آخر من جامعة يال، آرني ويستاد، فهذا تعريف ضيق جداً. في الواقع، إذا كانت إحدى السمات المميزة للإمبراطورية هي السلطة العابرة للأوطان والقانون والقوة، فإن الاتحاد الأوروبي يتمتع بالفعل ببعض الخصائص الإمبريالية المهمة. والواقع أن القانون الأوروبي في كثير من مجالات السياسة يسمو على القانون الوطني، مما كان يثير حنق البريطانيين المتشككين في أوروبا. وفي ما يتعلق بالتجارة، يتفاوض الاتحاد الأوروبي نيابة عن جميع الدول الأعضاء. لقد شرحت الباحثة القانونية آنو برادفورد النفوذ الواسع الذي يتمتع به الاتحاد الأوروبي من خلال "سلطته التنظيمية الأحادية" التي تغطي مجالات مختلفة بدءاً من معايير المنتجات وخصوصية البيانات وخطاب الكراهية على الإنترنت، وصولاً إلى صحة المستهلك وسلامته وحماية البيئة. والعنوان الفرعي لكتابها "كيف يحكم الاتحاد الأوروبي العالم" يقدم منظوراً ثاقباً وكاشفاً وإن كان فيه بعض المبالغة.

علاوة على ذلك، فإن الإمبراطورية الأطول عمراً في التاريخ الأوروبي، وهي الإمبراطورية الرومانية المقدسة، كانت في حد ذاتها مثالاً لنظام حكم معقد ومتعدد المستويات، لا تهيمن فيه أمة أو دولة واحدة بمفردها. هذه المقارنة مع الإمبراطورية الرومانية المقدسة سبق أن أجراها عالم السياسة جان زيلونكا عام 2006 الذي استخدم "نموذج القرون الوسطى الجديدة" لوصف توسع الاتحاد الأوروبي.

هذا الرأي في شأن الاتحاد الأوروبي يؤيده مصدر وثيق الصلة بهذه المسألة. في الواقع، وصف دميترو كوليبا، وزير خارجية أوكرانيا، الاتحاد الأوروبي بأنه "أول محاولة على الإطلاق لبناء إمبراطورية ليبرالية"، وهي نسخة تناقض جهود بوتين الرامية إلى إحياء الإمبراطورية الاستعمارية الروسية عن طريق الغزو العسكري. وعندما تحدثنا في وزارة الخارجية الأوكرانية المحصنة بصورة كثيفة بأكياس رملية في كييف في فبراير الماضي، أوضح لي أن السمة الرئيسة التي تميز الإمبراطورية الليبرالية هي الحفاظ على تماسك دول ومجموعات عرقية شديدة الاختلاف "ليس عن طريق القوة بل من خلال سيادة القانون". من منظور كييف هناك حاجة إلى إمبراطورية ليبرالية وديمقراطية لهزيمة إمبراطورية غير ليبرالية ومعادية للديمقراطية.

واستطراداً، يرتبط عدد من العقبات التي تحول دون تحقيق هذا الهدف أيضاً بتاريخ أوروبا الإمبريالي. زعمت عالمة السياسة الألمانية غويندولين ساس أنه يتعين على ألمانيا أن تتخلص من العقلية الاستعمارية عند النظر إلى أوروبا الشرقية. وهذا منظور غير مألوف حول إنهاء الاستعمار. وعندما يتحدث الناس عن حاجة المملكة المتحدة أو فرنسا إلى التخلص من عقلية الاستعمار في نظرتهما لأفريقيا، فإنهم يقصدون أن هذين البلدين يجب أن يتوقفا عن النظر إلى القارة الأفريقية (عمداً أو سهواً) من منظور تاريخهما الاستعماري السابق. في المقابل، ترى ساس أن ألمانيا التي كثيراً ما كانت مفتونة بروسيا تاريخياً، يجب أن تتوقف عن النظر إلى بلدان مثل أوكرانيا ومولدوفا انطلاقاً من المنظور الاستعماري الروسي.

علاوة على ذلك فإن الإرث الإمبراطوري وذكريات القوى الاستعمارية السابقة في أوروبا الغربية يعوقان العمل الجماعي الأوروبي بطرق أخرى. والمملكة المتحدة خير مثال على ذلك. كان لخروجها من الاتحاد الأوروبي أسباب عدة، من بينها الهوس بالسيادة القانونية الصارمة التي تعود لقانون عام 1532، وهو قانون أقر انفصال الملك هنري الثامن عن الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، بعد ادعائه أن "هذه المملكة الإنجليزية هي إمبراطورية". استُخدمت كلمة "إمبراطورية" هنا بالمعنى القديم، للدلالة على السلطة السيادية العليا. واستكمالاً، قامت ذكرى الإمبراطورية البريطانية الشاسعة في الخارج "التي لا تغيب عنها الشمس مطلقاً" بدور في تعزيز الاعتقاد الخاطئ بأن المملكة المتحدة ستكون بخير إن كانت بمفردها. كتب بوريس جونسون، الزعيم الأكثر تأثيراً في حملة "بريكست"، خلال الفترة التي سبقت استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2016: "لقد كنا ندير أكبر إمبراطورية في التاريخ على الإطلاق، مع عدد أقل بكثير من السكان المحليين وخدمة مدنية صغيرة نسبياً". وتابع "هل نحن حقاً غير قادرين على عقد صفقات تجارية؟". في الحالة الفرنسية، تخلق ذكريات العظمة الإمبراطورية الماضية منظوراً مشوهاً مختلفاً، لا يتمثل في رفض الاتحاد الأوروبي، بل في الميل إلى التعامل مع أوروبا وكأنها امتداد لفرنسا نفسها.

ثم هناك النظرة إلى أوروبا في الأماكن التي كانت ذات يوم مستعمرات أوروبية أو أماكن شعرت بتأثير الإمبريالية الأوروبية السلبي، مثل الصين. يتعلم التلامذة في المدارس الصينية أن يفكروا في "قرن الإذلال" على أيدي الإمبرياليين الغربيين وأن يشعروا بالاستياء والغضب من ذلك. وفي الوقت نفسه، يشير الرئيس شي جينبينغ بفخر إلى استمرارية الصين، بدءاً من الإمبراطوريات الحضارية الصينية السابقة إلى "الحلم الصيني" الحالي المتمثل في تجديد الوطن.

إذا أرادت أوروبا تقديم حججها بصورة أكثر فاعلية أمام الدول الكبرى التي كانت مستعمَرة سابقاً مثل الهند وجنوب أفريقيا، فيتعين عليها أن تكون أكثر اطلاعاً على هذا الماضي الاستعماري. (قد يكون من المفيد أيضاً أن نشير إلى أن عدداً كبيراً ومتزايداً من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في شرق أوروبا لم تكُن من المستعمرين بل كانت هي نفسها ضحية للاستعمار الأوروبي). عندما يتجول الزعماء الأوروبيون حول العالم اليوم، ويصورون الاتحاد الأوروبي على أنه التجسيد المثالي للقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والسلام والكرامة الإنسانية في حقبة ما بعد الاستعمار، يبدو في كثير من الأحيان وكأنهم نسوا تماماً تاريخ أوروبا الاستعماري الطويل والحديث، ولكن بقية دول العالم لم تنسَ. هذا هو أحد الأسباب وراء عدم اصطفاف الدول المستعمَرة سابقاً مثل الهند وجنوب أفريقيا مع الغرب حول الحرب في أوكرانيا. واستطلاعات الرأي التي أجراها المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية في أواخر عام 2022 وأوائل عام 2023 في الصين والهند وتركيا، بالتعاون مع المشروع البحثي "أوروبا في عالم متغير" Europe in a Changing World تحت إشراف جامعة "أكسفورد" الذي أشارك في إدارته، تُظهر أن هذه البلدان لا تنظر إلى ما يحدث في أوكرانيا على أنه نضال من أجل الاستقلال ضد الحرب الروسية التي تحاول إعادة فرض الاستعمار.

إمبراطوريات متداخلة

لقد أوضحت الحرب في أوكرانيا مرة أخرى أن أوروبا لا تزال تعتمد في نهاية المطاف على الولايات المتحدة لضمان أمنها. يتحدث ماكرون وشولتز في كثير من الأحيان عن الحاجة إلى "السيادة الأوروبية"، ولكن عندما يتعلق الأمر بالدعم العسكري لأوكرانيا، لم يكُن شولتز مستعداً لإرسال أي فئة من الأسلحة الكبيرة (المركبات القتالية المدرعة والدبابات) ما لم تفعل الولايات المتحدة ذلك أولاً. وهذه النسخة من السيادة غريبة بعض الشيء. من المؤكد أن الحرب نشّطت الأفكار والمبادرات الأوروبية في مجال الدفاع. وقدم شولتز للغة الإنجليزية كلمة ألمانية جديدة، "تزفايتنفنده" Zeitenwende (نقطة تحول تاريخية)، والتزم زيادة مستدامة في الإنفاق الدفاعي الألماني والاستعداد العسكري. إن فكرة أن ألمانيا أخذت البعد العسكري للقوة على محمل الجد مرة أخرى يشكل أهمية كبيرة في سياق التاريخ الأوروبي الحديث.

بطريقة موازية، تخطط بولندا لبناء أكبر جيش داخل الاتحاد الأوروبي، وإذا انتصرت أوكرانيا فسوف يكون لديها أضخم قوات مسلحة وأكثرها خبرة من الناحية القتالية في أوروبا خارج روسيا. وأنشأ الاتحاد الأوروبي مرفق السلام الأوروبي European Peace Facility الذي أنفق خلال العام الأول من الحرب في أوكرانيا نحو 3.8 مليار دولار للمشاركة في تمويل إمدادات الأسلحة من الدول الأعضاء إلى أوكرانيا. وتقترح رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين الآن أن يطلب مرفق السلام الأوروبي بصورة مباشرة الذخائر والأسلحة لأوكرانيا، مقارِنةً ذلك بشراء الاتحاد الأوروبي للقاحات خلال جائحة كورونا. إذاً، فالاتحاد الأوروبي اتخذ خطوات أولية متواضعة في إرساء القدرة العسكرية التقليدية التي تتمتع بها القوى الإمبريالية عادةً. وإذا حدثت كل هذه التطورات، فمن المتوقع أن يصبح الدور الأوروبي في التحالف عبر الأطلسي أكثر أهمية بكثير، مما قد يسمح بتخصيص مزيد من الموارد العسكرية الأميركية لمواجهة التهديد الذي تمثله الصين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. ولكن لا يزال من غير المرجح أن تتمكن أوروبا من الدفاع عن نفسها بمفردها ضد أي تهديد خارجي كبير.

على رغم أن الهوية الأساسية للولايات المتحدة هي هوية مناهضة للاستعمار، إلا أنها تعمل في حلف شمال الأطلسي باعتبارها "إمبراطورية بالدعوة" [أي إن الولايات المتحدة لا تفرض هيمنتها بالقوة بل بموافقة حلفائها ورضاهم]، على حد تعبير المؤرخ جير لوندستاد. وفي شرح استخدامه لكلمة "إمبراطورية"، يقتبس لوندستاد حجة مستشار الأمن القومي الأميركي السابق زبيغنيو بريجنسكي بأن مصطلح "الإمبراطورية" يمكن أن يكون وصفاً محايداً وليس تصنيفاً تقييمياً. وهذه الإمبراطورية الأميركية المناهضة للإمبريالية هي أكثر هيمنة من الإمبراطورية الأوروبية ولكن أقل هيمنة مما كانت عليه في الماضي. وكما أثبت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مراراً وتكراراً، وأظهر شولتز أيضاً على طريقته الخاصة، فإن الولايات المتحدة لا تستطيع ببساطة أن تملي على الدول الأعضاء الأخرى في حلف شمال الأطلسي ما يجب أن تفعله. وبذلك فإن هذا الحلف يستطيع أن يؤكد بصورة مقنعة ادعاءاته بأنه إمبراطورية تعمل بالاتفاق والتراضي [بين جميع الأعضاء].


ويمكن للمرء أن يستخدم مصطلح الإمبراطورية على نحو غير مناسب أو مبالغ فيه. إن مقارنة الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي بالإمبراطوريات السابقة تكشف عن اختلافات بينها لا تقل أهمية عن أوجه التشابه. ومن الناحية السياسية، لن يقدم الاتحاد الأوروبي ولا الولايات المتحدة نفسيهما على الإطلاق باعتبارهما إمبراطوريتين، ولن يكون من الحكمة أن يفعلا ذلك. ولكن من الناحية التحليلية، من المهم أن نأخذ في الاعتبار أنه على رغم أن القرن الـ20 شهد تحول معظم أوروبا من إمبراطوريات إلى دول، فإن عالم القرن الـ21 لا يزال يشمل بعض الإمبراطوريات، ويحتاج إلى أنواع جديدة من الإمبراطوريات للوقوف في وجهها. إن نجاح أوروبا فعلياً في إنشاء إمبراطورية ليبرالية قوية بما يكفي للدفاع عن مصالح الأوروبيين وقيمهم، سوف يعتمد، استناداً إلى الأنماط المعتادة على مر التاريخ، على الظروف والحظ والإرادة الجماعية والقيادة الفردية المقتدرة.

هنا إذاً تكشف الحرب في أوكرانيا عن سيناريو مفاجئ وهو أن الاتحاد الأوروبي باعتباره إمبراطورية في مرحلة ما بعد الإمبريالية، متحالف استراتيجياً مع الإمبراطورية الأميركية في عصر ما بعد الإمبريالية، من أجل منع عودة الإمبراطورية الروسية المتدهورة وكبح جماح الإمبراطورية الصينية الصاعدة.

 

*تيموثي غارتون آش هو أستاذ الدراسات الأوروبية في جامعة أكسفورد وباحث بارز في معهد هوفر في جامعة ستانفورد. تستند هذه المقالة إلى التحليل الوارد في كتابه "الأوطان: تاريخ شخصي لأوروبا" Homelands: A Personal History of Europe (مطبعة جامعة يال، 2023)

مترجم من "فورين أفيرز"، مايو/ يونيو 2023

المزيد من آراء