ملخص
وفق ما ورد من قبل مسؤولين أمنيين إسرائيليين، فإن واشنطن تريد في مطلبها هذا أن تحمل إسرائيل الأخطار السياسية، انطلاقاً من تقديرات بأن شن هجوم قبل انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة سيضر بالرئيس دونالد ترمب، في حين قد تخدم خطوة كهذه رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، الذي يدير معركة كبيرة من أجل ضمان أكثرية تتيح له تشكيل الحكومة.
في خلاف لم يسبق أن شهدته المؤسستان الأمنية والسياسية من جهة، وبين المؤسسة العسكرية في إسرائيل وواشنطن من جهة أخرى، تصدر النقاش الإسرائيلي مطلب أميركي كشف عنه، بين أمور أخرى، ضمن كواليس محادثات بين واشنطن وتل أبيب حول الهجوم على إيران، بعد الكشف عن مطلب أميركي من إسرائيل خلال محادثات أمنية جرت بينهما في الأسبوعين الأخيرين، بأن تشن هجوماً وحدها على إيران، من دون مشاركة أميركية أو تنسيق عسكري مع القوات الأميركية.
ونقل مسؤول عسكري عن موقف لرئيس أركان الجيش، إيال زامير، الذي تلقى هذا الطلب بأنه رفضه بصورة مطلقة، وقد أوضح للأميركيين أن مثل هذا الهجوم سيؤدي على الأرجح إلى تأجيل انتخابات الكنيست المقررة في الـ27 من هذا الشهر.
وبحسب هذا المسؤول، تقف وراء ضغوط الإدارة الأميركية تطورات أمنية في إيران، وتقارير عن تسريع وتيرة إعادة بناء منظومة الطائرات المسيرة والصواريخ الباليستية الإيرانية، وهو ما تعتبره إسرائيل خطوطاً حمراء وتشكل خطراً كبيراً على أمنها في المستقبل.
ووفق ما ورد من قبل مسؤولين أمنيين إسرائيليين، فإن واشنطن تريد في مطلبها هذا أن تحمل إسرائيل الأخطار السياسية، انطلاقاً من تقديرات بأن شن هجوم قبل انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة سيضر بالرئيس دونالد ترمب، في حين قد تخدم خطوة كهذه رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، الذي يدير معركة كبيرة من أجل ضمان أكثرية تتيح له تشكيل الحكومة.
نتنياهو، من جهته، ووفق مقربين منه، لم يحسم موقفه من هذه المسألة، على رغم ما روج لاجتماعات أمنية حساسة للغاية عقدها خلال الأسبوع الأخير، إلى جانب ما سرب من أنه لا يرى أن احتمال توجيه ضربة قبل الانتخابات في الكنيست قريب إلى الصفر.
ومن كواليس اجتماع أمني عسكري ناقش الموقف الأميركي تجاه الضربة، وفي أعقاب محادثات بين جهات عسكرية في واشنطن وتل أبيب، يعتقد الجيش الإسرائيلي أن الأميركيين سيرغبون في استئناف الحرب على إيران عاجلاً أم آجلاً، وهو يستعد لأي رد إيراني محتمل.
الجيش الإسرائيلي، وفي أعقاب جلسات تقييم أمنية، قرر ضرورة استمرار الاستعداد والجهوزية لأي تطور هائل، وركز على أنه يستعد لثلاثة سيناريوهات إزاء احتمال شن هجوم عشية الانتخابات:
- تنفيذ عملية عسكرية بشكل مستقل تبادر إليها إسرائيل إذا ما اتخذ نتنياهو القرار.
- تنفيذ عملية بالتعاون مع الولايات المتحدة، ويكون لإسرائيل دور كبير فيها.
- أما السيناريو الثالث، فأن تبادر الولايات المتحدة وحدها، ويكون الرد الإيراني على هذا الهجوم بإطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل.
طرف الجبل الجليدي
مسؤولون إسرائيليون حرصوا على الترويج لأن تل أبيب لن تبادر إلى مهاجمة إيران قبل انتخابات الكنيست في الـ27 من الشهر الجاري، لكن تبقى الكلمة الأخيرة لبنيامين نتنياهو، الذي يتعامل بصورة ضبابية وغير واضحة موقفه الحاسم، وسط خشية جهات عدة من إقحامه في مغامرة قد تعيد الوضع في المنطقة برمتها إلى خطورة فتح الجبهات مع دخول الحرب عامها الرابع.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
المتخصص في الشؤون السياسية بن كاسبيت، الذي يدير حملة واسعة ضد نتنياهو، يقول إن الوضع دراماتيكي وخطر، وبحسبه فإن "الأميركيين مشوشون ولا يعرفون حقاً ما يريدونه. كل يوم، القرارات الأميركية تتغير، والوضع هنا يكون في حال ضبابية. في يوم واحد هم في الطريق إلى الهجوم، وفي الغداة يعلن الرئيس الأميركي بأنه لن يهاجم إيران قبل انتخابات منتصف الولاية، فلا يمكن تخطيط أي شيء بجدية، ولا يمكن أن نعرف ماذا سيحصل حقاً".
لكن هذا الوضع الحالي، على رغم التشكك في مواقف وتصريحات ترمب، وكما دعا مسؤولون أمنيون وسياسيون، يتطلب التعامل معه بمنتهى الجدية خشية الوصول إلى وضع ينفذ فيه هجوم على إيران.
بن كاسبيت، من جهته، يرى أن هذا "مجرد طرف الجبل الجليدي. في إطار الترددات في الولايات المتحدة وقرارات الرئيس التي تتقلب كل يومين، ليس فقط قبل الانتخابات في الولايات المتحدة، بل وحتى قبل الانتخابات في إسرائيل".
ونقل عن مصادر مطلعة أن المواقف متضاربة أيضاً بين الأميركيين، فهناك من يقول إن هناك أهمية وحاجة إلى مهاجمة إسرائيل أولاً، وينضمون هم بعدها. مصادر أخرى تقول إنه "لا يوجد في القائمة هجوم أميركي وحده أو إسرائيلي وحده، واضح لنا أنه في كل الأحوال إذا كان هجوم فستشارك فيه إسرائيل والولايات المتحدة كتفاً بكتف، ولن يكون هجوم لواحدة منهما على انفراد".
في الحالتين، المؤسستان الأمنية والعسكرية في إسرائيل تحذران وتتخوفان من هجوم كهذا، بغض النظر عن أي من السيناريوهات التي يتدربون عليها ستنفذ.
ومشكلة زامير هي أن نتنياهو بالذات لا يرفض رفضاً باتاً هذا الخيار، فنتنياهو يدير في الأسبوع الأخير جدول أعمال أمنياً، يتضمن مداولات عدة وزيارات لمواقع عسكرية حساسة، ومن ناحيته، فإن هجوماً قبل الانتخابات، إذا تطلب الأمر ذلك، بالتأكيد على جدول الأعمال، وفق ما يرى بن كاسبيت، الذي أضاف أن التقدير هو أن زامير هو الآخر يوجد الآن في مواجهة في المحافل الأمنية، كون رئيسَي "الشاباك" و"الموساد" عينهما أخيراً نتنياهو، وهما مدينان له ولمواقفه، ومثلهما أيضاً رئيس هيئة الأمن القومي.
مدير خطة إيران والمحور الشيعي في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي راز تسيمت، يعتقد أنه كلما زاد الضغط على إيران من دون تحقيق النتيجة المرجوة، ازدادت رغبة الولايات المتحدة في استخدام القوة مجدداً، ورغبة إيران في التصعيد للخروج من المأزق، مشدداً على أنه حتى لو أدت الانتخابات الأميركية إلى تأجيل اللحظة الحاسمة، فمن المشكوك فيه أن تسفر عن حل.
من جهة أخرى، يرى تسيمت أن الضغط المكثف من قبل واشنطن على إيران لا يترجم إلى استعداد لتقديم التنازلات المطلوبة منها، فالسلطات في طهران ترسخ مواقفها ولا تبدي أي رغبة حقيقية في التنازل عنها. وهناك عدة أسباب رئيسة لذلك، بينها انعدام الثقة التام في إدارة ترمب، وأنه حتى لو وافقت إيران على التنازلات اللازمة في شأن مضيق هرمز والبرنامج النووي، فإن ذلك لا يضمن إنهاء الحرب نهائياً ولا الحصول على المكاسب الاقتصادية التي تطالب بها.
ويرى تسيمت أنه لو اعتاد الطرفان على الوضع الراهن الجديد المتمثل في "لا حرب ولا سلام"، فلن يدوم طويلاً، ثم يعود السؤال ليطرح مجدداً: هل ستسهم جولة أخرى في تحقيق الأهداف الاستراتيجية التي لم تحقق حتى بعد حملتين ضد إيران، وهما عرقلة مسارها نحو امتلاك الأسلحة النووية وزعزعة استقرار النظام إلى حد انهياره، أم أنها ستفتح فصلاً جديداً في حرب لا نهاية لها؟
تسيمت يطرح السؤال، وهو كغيره من المتخصصين والأمنيين والعسكريين، يعتبرون أنه بعد ثلاثة أعوام من حرب وهجومين إسرائيليين خلالها على إيران من دون تحقيق الأهداف، ستدخل الشرق الأوسط برمته في حرب لا نهاية لها، ولن يخرج منها طرف وقد حقق أهدافه.