عراقيون يهجرون "أحلام" أوروبا ليعودوا إلى بلادهم

ضياء حسن والآخرون لم يندموا على العودة إلى العراق مطلقاً، بل أصبحوا يدركون الصعوبات التي يتعرض لها المهاجرون

كثيرون هم العراقيون الذين كانوا يعتقدون أنهم بمجرد وصولهم إلى أوروبا سيحصلون على وظائف (غيتي)

لا يبدو قرار العودة من أوروبا إلى العراق سهلاً لدى الشباب الذين غادروه لأسباب مختلفة، بعضها يتعلق بتعرضهم للتهديد وخوفهم على حياتهم، وبعضها الآخر يتمحور حول رغبتهم في العيش في بلاد تحمل مخيّلتهم صورة مثالية عنها.

أحلام مفقودة

عاد ضياء حسن (42 سنة) قبل عام إلى بغداد، بعدما سأم انتظار سمة الإقامة في المخيم الذي كان يسكن فيه في قرية توبسمد التابعة لمدينة سندسفال السويدية. وهو بعودته أنهى رحلة عامين إلى أوروبا، التي كان يظنها أرض أحلامه المفقودة.

غادر حسن إلى تركيا مستخدماً جواز سفره العراقي. وهناك استخدم جوازاً آخر للسفر إلى أوروبا استعاره من أحد أقاربه المقيم هناك، ووصل إلى ألمانيا التي بقي فيها ستة أشهر، قبل أن يغادر إلى السويد طلباً للجوء.

"كان كل شيء مفروضاً علينا: الطعام وأسلوب الحياة والمدة التي نقضيها في المخيم. كنت أشعر أنني في سجن حقيقي، حتى المبالغ التي كانت تدفع لنا لا تكفي للتنقل أو شراء طعام إضافي. كنت أشعر بالفجوة الكبيرة بين حياتي هنا ووضعي هناك، وهي فجوة لا يمكن أن أعالجها، خصوصاً أنني لم أتقدم خطوة واحدة بعد عامين من الانتظار، فقررت العودة"، يقول متذكراً أيامه التي قضاها في المخيم.

أضاف حسن أنه "طوال العام الأول الذي قضيته في مخيم اللاجئين، بعد وصولي إلى السويد، كنت أتناول وجبة واحدة في اليوم، لأنني لم أتقبل نوعية الوجبات المقدمة لنا. وبعد انتقالنا إلى مخيم مدينة سندسفال، أخبرت المسؤولين أنني سأعمل حلاقاً للمهاجرين داخل المخيم، كي أتمكن من تسديد نفقاتي، فسمحوا لي شرط عدم العمل خارجه".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كان حسن حلاقاً ماهراً في بغداد، وكان يملك محلاً معروفاً في المنطقة التي يقطنها، وهذا ما ساعده على ممارسة المهنة داخل المخيم لتأمين بعض المال ليتمكن من تسديد نفقاته وشراء علب السجائر، فضلاً عن تناول وجباته خارج المخيم.  

يسرد حسن بعض التفاصيل عن التناقض بين ما كان يتصوره عن الهجرة إلى أوروبا وبين الواقع، ويقول إن "الشعوب الأوروبية أكثر إنسانية من الحكومات. إذ إن الحكومات تتعامل مع القوانين فحسب، بينما كان السويديون يتعاطفون معنا ويزوروننا داخل المخيم، لكن انتظاري الطويل للمقابلة أرهقني، لا سيما أنني تركت زوجتي وأولادي في بغداد آملاً في الاجتماع بهم مجدداً في السويد".

يضيف أن "بعض العراقيين المهاجرين سردوا قصصاً غير حقيقية، وبعضهم قال إنه مثلي الجنس، ولا يستطيع العيش في العراق بسبب إحتمال تعرضه للقتل إذا أعلن مثليته. لذلك، حصل هؤلاء على اللجوء بسرعة، وهم لا يعلمون أنهم لا يستطيعون الزواج لاحقاً من النساء، وعليهم أن يعيشوا حياتهم كمثليين فعليين، وإن لم يكونوا كذلك".

 

كثيرون هم العراقيون الذين كانوا يعتقدون أنهم بمجرد وصولهم إلى أوروبا سيحصلون على وظائف عبر شهاداتهم الجامعية، ويستقرون بسهولة، لا سيما أن القصص التي تصلهم من أقاربهم في هذه الدول تعطيهم صورة مختلفة عن الواقع تماماً.

العودة ندماً

أحمد جاسم، شاب في نهاية العشرينات، ترك وظيفته في الجيش العراقي، وغادر مع عدد من أصدقائه إلى أوروبا تاركاً وراءه زوجة شابة وطفلاً لم يبصر النور. لكنه عاد بعد ثمانية أشهر إلى العراق مجدداً، لأنه لم يحتمل البعد عن عائلته وعدم رؤية ابنته التي ولدت أثناء غيابه.

يقول جاسم، إن وجود بند يسمح له بالعودة إلى وظيفته في صفوف الجيش إذا أعلن ندمه، مكنه من استعادة وظيفته مرة أخرى والعيش في شكل طبيعي. ويضيف "كنت أظن أنني سأتمكن من جلب عائلتي خلال أشهر قليلة، لكنني حتى الإقامة لم أحصل عليها. فشعرت بحنين إلى ابنتي التي انتظرتها بعد أربع سنوات من الزواج وقررت العودة".

"الحياة أصعب مما نتصور هناك، وما نراه في وسائل الإعلام والأفلام يختلف كثيراً عن الواقع الحقيقي. فالصورة الوردية لا وجود لها، والناس في هذه الدول لا يتكلمون مع بعضهم بعضاً بسبب انشغالهم الدائم، ويعملون ساعات طويلة. ويصعب على كثير منا الاعتياد على أسلوبهم في العيش"، يقول جاسم.

دول للسياحة فحسب

عاش أنس محمد، الشاب الثلاثيني، تجربة مغايرة عن مواطنيه الآخرين. إذ غادر بغداد بفيزا رسمية اشتراها من إحدى السفارات الأوروبية، عن طريق وسيط لديه علاقات جيدة داخل السفارة تسمح له بالمساعدة في منح بعض الأشخاص سمة دخول الاتحاد الأوروبي (الشنغن).

يقول محمد إنه تنقل بين إسبانيا وفرنسا وألمانيا، واستقر في برلين، التي "عشت فيها ستة أشهر، ثم قدمت طلباً للجوء رفضته السلطات، لكوني دخلت بفيزا رسمية. فقررت العودة إلى العراق فوراً من دون نقاش أو استشارة أي محام".

ويضيف "أنفقت مبلغاً كبيراً، وزرت أكثر من خمس دول أوروبية كسائح، وكنت أظن أنني سأحصل على عمل في اختصاصي كطبيب بسهولة، لكنني فشلت. فلم أناقش لأنني لا أريد أن أشعر بالإهانة، التي كنت أراها على وجوه بعضهم من اللاجئين، فقررت العودة".

ويرى أن أوروبا جميلة إذا كان الهدف هو السياحة، إذ لديها طبيعة جذابة، لكن العيش فيها لا يناسب كثيراً شعوب هذه المنطقة.

يملك محمد اليوم مكتبة لبيع الهدايا والقرطاسية في حي الكرادة في بغداد، وهو مشروعه الخاص الذي أنساه اختصاصه. وهو لا يتحدث عن تجربته في الهجرة لكثيرين، بل لأصدقائه المقربين فحسب. "لا أريد أن يقول الآخرون إنني فشلت في البقاء هناك أو أن السلطات رفضت وجودي، لذلك لا أتحدث كثيراً عن الموضوع"، يضيف بانفعال واضح.

ضياء حسن والآخرون، لم يندموا على العودة مطلقاً، بل شعروا بالراحة لأنهم اتخذوا قرار الهجرة بسبب عدم معرفتهم بواقع الحياة في تلك الدول، وعادوا وهم مدركون للصعوبات التي يتعرض لها المهاجرون.

"أؤمن بقرار العودة، وأشعر اليوم أكثر من أي وقت مضى أنني فعلت ما كان يجب فعله. على الأقل، أنا في كنف عائلتي الآن"، يقول حسن.

المزيد من الشرق الأوسط