تدخل "الأجاويد" يخمد نيران النزاعات القبلية في السودان

ما زاد الصراع اشتعالاً تدفق السلاح وانتشاره نتيجة الاقتتال في دول الجوار

أكواخ أتت عليها النيران في قرية نائية في مقاطعة بانييار جنوب السودان الذي دائماً ما يشهد توترات عرقية قبلية (أ.ف.ب)

تتحوّل النزاعات القبلية في السودان، إلى كوارث دموية كونها سرعان ما تنتقل إلى خانة الحرب، التي غالباً ما تندلع بين قبيلتين لأسباب مختلفة، أهمها الخلاف على مصادر المياه والرعي. وتنحصر معظم هذه النزاعات في المناطق الحدودية في غرب السودان وشرقه، نظراً إلى انتشار التجمعات القبلية التي تصل إلى قرابة الـ 400 قبيلة، تنقسم حوالى 40 فئة إثنية على أساس الخصائص اللغوية والثقافية والإثنوغرافية، تتحدث 64 لغة مكتوبة ومنطوقة، ولكن في غالبية الأحيان تُفضّ هذه النزاعات، إما عن طريق "الأجاويد" من أعيان المنطقة أو تدخل السلطات المختصة بإبرام مواثيق صلح يوقع عليها طرفا النزاع.

البدايات والأسباب

وبحسب المؤرخين والباحثين، فإن الصراع القبلي في السودان بدأ للمرة الأولى عام 1932 بين قبيلتي الزيادية والميدوب ضد قبيلتي الكبابيش والكواهلة في منطقة شمال عاصمة إقليم دارفور (الفاشر)، وتكرر في أعوام 1957 و1982 و1997، في حين أن الصراع الحقيقي بدأ عام 1983 بين قبائل الرعاة والمزارعين، بسبب التنافس على الموارد الشحيحة والأرض الصالحة للزراعة، ونتيجة موجات الجفاف والتصحّر التي ضربت منطقة الساحل الأفريقي أواخر ستينيات القرن الماضي، إضافة إلى التحوّلات البيئية التي نجم عنها انحسار نطاق المراعي والموارد المائية والتربة الخصبة. وأشار الخبراء والباحثون إلى أنّ "القبلية بإيجابياتها وسلبياتها تمثل مفهوماً متجذراً في المجتمع السوداني، إلى جانب أنها دائرة مهمة من دوائر انتماء الفرد، إن لم تكن اليوم أهمّها. فقد شهد السودان الذي قام بعد استقلاله عن بريطانيا عام 1956 على المفهوم المعاصر للدولة الوطنية، متغيرات عدة في نظم الحكم والسياسات، ألقت بظلالها على شرعية وجودها، بل أثّرت سلباً في فاعليتها، ما أدى إلى تراجع دور الدولة وتطورها، وبالتالي اختل التوازن ليتقدم الولاء للقبيلة على الولاء للوطن".

النزاع حول موارد الأرض

ويُعد إقليم دارفور الأكثر تأثراً بالصراع القبلي، يليه إقليم كردفان المجاور له، ثم الإقليم الشرقي. وتعود أسباب هذه الصراعات، خصوصاً في إقليم دارفور إلى "النزاع حول موارد الأرض والماء المحدودة في ظل التفجر السكاني وتزايد أعداد المواشي". وما زاد الصراع اشتعالاً، تدفق السلاح وانتشاره نتيجة الصراعات في دول الجوار، ثم جاء أخيراً ظهور الحركات المسلّحة المتمردة على الحكومة التي بدورها أدت إلى استقطاب حاد للقبائل بين الحكومة والحركات، ما نقل الصراعات القبلية إلى مراحل متقدمة ومعقدة، إضافةً إلى المشاكل الفردية والنعرات العرقية في المناطق الأخرى".

"الجودية" و"الأجاويد"

وتنشط وسط القبائل والمجتمعات السودانية المختلفة، مسألة "الجودية" وهو مصطلح سوداني قديم يعني الإشراف على تسوية الخلافات بين أفراد المجتمع علـى مختلـف مستوياته، فـي إطـار مؤسسـات محلية، من دون اللجـوء إلـى محـاكم الدولـة أو المحـاكم الشعبية. وتستخدم "الجودية" في حل الخلافات في كل بقاع السودان شماله وغربه وشرقه، بينما "الأجاويد" هم أشـخاص نـالوا مراكـز اجتماعية ذات قيمة عالية، نتيجة التـزامهم بمعايير أدوارهـم التـي أمنـت عليها جمـاعتهم المرجعية، وتميزوا بالتعقـل ورجاحـة العقـل والإلمام بالسـوالف والعـادات، وأهـم مـن ذلـك بالحياد فـي نظـر الجهات المتنازعـة، أي أن همّهم الأساسي يكون في إعـادة الصـلات الطيبة بين الأفـراد المتنازعين، ولا يهدف إلـى نصرة طرف على الآخر، ويقف "الأجاويد" مع الطرف الذي يجنح للسلم، ويضغطون في الوقت ذاته علـى الطـرف الآخـر لقبـول التصـالح.

وقـد جعـل المجتمـع السوداني مكانـة عالية للـ "جودية" و"الأجاويد"، وأُحيط "الجودية" بسياج يشبه القدسية، إذ لا يعارض قراراتهم إلاّ الخـارجون عن العـرف الاجتمـاعي، وهم ينعتون هـذا الخـارج بـ"كسار الخواطر".

حرب نفسية

وعادة ما يتعرض "كسار الخواطر" إلى ضغوط اجتماعية قاسية، ويفقد التكافل الاجتماعي الذي هو في أمس الحاجة إليه، وأكثر من ذلك، الحرب النفسية التي يتعرّض لها من جانب المجتمع. اعتادت "الجودية" أن تعقد جلسات في ظل شجرة من أشجار المنطقة وتُعـرف بشـجرة الجودية، حيث يحضر الخصوم إلى هذه الشجرة ويجري الفصل فـي مشـكلتهم. وهنـاك عـدد مـن الأعيان يحضرون هذه "الجودية" ويكونون بمثابـة مستشارين، وعـادة مـا يكون "الأجاويد" إمـا فقهاء في الدين أو من كبار السن في المجتمع.

ترشيد الوعي

ودعت كثير من الورش والمؤتمرات التي عُقدت في هذا الشأن، إلى العمل على ترشيد الوعي القبلي وتخليصه من عصبيات الجاهلية والتناحر المدمر والظلم والعدوان، إضافةً إلى مراعاة كل أشكال التنظيم الاجتماعي التي تخضع لقوانين اجتماعية تاريخية، تحدد ما هو ثابت وما هو متغيّر. وأوصت أيضاً بتطوير النظام الأهلي وتوظيف القبيلة على نحو رشيد، من أجل تحقيق الوظائف الدفاعية والاجتماعية والثقافية والسياسية التي تحددها استراتيجية بعيدة المدى، وفقاً لمبادئ متفق عليها من قبل كل مكونات المجتمع السوداني، إضافةً إلى تبنّي وتنفيذ سياسات ثقافية، سعياً إلى تغيير القيم الثقافية والاجتماعية السابقة، خصوصاً في ما يتعلق بصورة الآخر، إلى الفهم العميق لجذور الأزمة والاعتراف بها.

مبادرة السلام

وانطلاقاً من هذا المفهوم، شهدت العاصمة الخرطوم اليوم السبت 21 سبتمبر (أيلول) مبادرة للسلام والمحبة، أطلقها رجل الأعمال السوداني الأمين الشيخ مصطفى الأمين بين قبيلتي "البني عامر" و"النوبة"، إذ نشب بينهما نزاع في مدينة بورتسودان في أغسطس (آب) 2019، أدى إلى خسائر فادحة بالأرواح والممتلكات، وانتهى بتوقيع اتفاق صلح نهائي، نص على مراجعة التقارير المتعلقة بالتعويضات بمشورة الطرفين، ومعالجة أسباب الصراع بشكل جذري، بعد عرض الأخطاء التي دفعت إلى تجدّده، على الرغم من سريان الصلح المحلي المعروف باسم "القلد"، وتشكيل لجنة تحقيق مركزية لتقصي الحقائق وحصر الخسائر.

وذكر الاتفاق عقد مؤتمر شامل يضم ولايات شرق البلاد الثلاث، بمشاركة عقلاء الإدارة الأهلية ومسؤولي الحكومة المركزية، لعقد مصالحة شاملة في الإقليم، الذي يضم ولايات البحر الأحمر وكسلا والقضارف. وتعود شرارة الانفلات بين القبيلتين إلى نشوب خلاف بين سقا من قومية "البني عامر" وسيدة من "النوبة"، انتهى بسقوط عدد من القتلى والمصابين، ونتيجته، انتقلت حالة الاحتقان إلى مدينة خشم في ولاية كسلا المجاورة.

المزيد من العالم العربي