Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تتخلص مصر من عبء المستشفيات الحكومية بـ"الخصخصة"؟

مشروع قانون يسمح للمستثمرين بإدارتها ووزير الصحة: الإمكانات المتاحة غير كافية لتقديم الخدمات وتطمينات بأن المرضى لن يضاروا

طمأنت الحكومة المصرية المواطنين بأن أسعار الخدمات في المستشفيات الحكومية لن تزيد (رويترز)

لاقى مشروع قانون، نوقش داخل اللجنة الصحية بالبرلمان المصري، يسمح للمستثمرين والقطاع الخاص بإدارة وتشغيل المستشفيات الحكومية، عاصفة من الجدل، وسط مخاوف من آليات التطبيق على أرض الواقع.

وأثار المقترح، الذي عرف إعلامياً بـ"تأجير المستشفيات الحكومية للقطاع الخاص"، تبايناً وانقساماً في الرؤى، فريق مؤيد يراه قبلة حياة للقطاع الطبي الحكومي، وآخر متخوف من زيادة كلفة علاج المرضى، والقضاء على المجانية.

وتضمن مشروع القانون، الذي وافق عليه مجلس الوزراء المصري في فبراير (شباط) الماضي، عدة بنود أبرزها منح التزامات المرافق العامة للمستثمرين المصريين أو الأجانب، سواء أكانوا أشخاصاً طبيعيين أم اعتباريين، لإنشاء وإدارة وتشغيل المنشآت الصحية، أو لإدارة وتشغيل وتطوير المنشآت الصحية القائمة، مع تحديد مجلس الوزراء شروط الالتزام وحصة الحكومة وأسس تسعير الخدمات الصحية ووسائل الإشراف والمتابعة الصحية والمالية التي تكفل حسن سير العمل بالمنشأة الصحية.

إمكانات غير كافية

من جانبه، برر وزير الصحة المصري الدكتور خالد عبدالغفار، في أثناء حضوره اجتماع لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، المقترح قائلاً، "الإمكانات المتاحة لوزارة الصحة غير كافية لتقديم الخدمات الملائمة طبقاً للمعايير الموضوعة، ودور القطاع الخاص مهم للمساهمة في تقديم الخدمات إلى جانب وزارة الصحة".

وأوضح المسؤول المصري أن مشاركة القطاع الخاص ستكون "في إدارة وتشغيل بعض المستشفيات منذ البداية أو المستشفيات التي بها سوء إدارة"، مؤكداً أن الأسعار "لن تزيد على الإطلاق، والمواطن لن يضار، لأنه سيتلقى الخدمة الأفضل وبالأسعار ذاتها من دون أي زيادة فيها".

مستشار رئيس الجمهورية لشؤون الصحة والوقاية الدكتور محمد عوض تاج الدين قال في تصريحات تلفزيونية، إن المقترح "تجري دراسته بعناية ودقة فائقة، لضمان توفير العدد الكافي من مؤسسات الرعاية الصحية لخدمة المواطنين والحفاظ على جودة وكفاءة تلك الخدمات". متطرقاً إلى أن أولويات الحكومة والدولة "تركز على تقديم خدمات الرعاية الصحية الشاملة للمواطنين وتشمل إصدار قانون التأمين الصحي الشامل، وتوفير العلاج على نفقة الدولة، والقضاء على قوائم الانتظار للمرضى، وتنفيذ برامج الكشف المبكر عن الأمراض والأورام".

 

وإلى ذلك، يقول متحدث وزارة الصحة الدكتور حسام عبدالغفار، إن مشروع القانون المقترح "ليس له علاقة بالمريض"، موضحاً أن العلاقة التعاقدية في هذا القانون "تنحصر بين الدولة والقطاع الخاص فقط، والمواطن ليس طرفاً في تلك المسألة. المريض سيتلقى الخدمة ذاتها التي يتلقاها ولا مساس بالمرضى أو العمال أو الموظفين".

ويضيف عبدالغفار، خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية"، أن الهدف الرئيس من مشاركة الدولة للقطاع الخاص "هو حسن إدارة المنشآت، والحديث عن تأجير المستشفيات الحكومية غير دقيق، والقصة تكمن في أن الحكومة هي من تريد التعاقد مع القطاع الخاص لإدارة وحدات مثل طب الأسرة على سبيل المثال".

وتتوافق تحركات الحكومة في هذا الصدد مع رؤية الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، إذ سبق ووجه في أواخر مارس (آذار) الماضي، بسرعة الانتهاء من الخطوات التشريعية المطلوبة، لتسهيل مشاركة القطاع الخاص في المنظومة الصحية، بما يعزز من إمكاناتها الحالية، ويرفع قدرتها الاستيعابية، وجودة وكفاءة الخدمات الصحية بشكل عام، وزيادة التدفقات الاستثمارية في مجال الصحة.

ويعتمد قطاع عريض من المصريين على العلاج بالمستشفيات الحكومية، في الوقت الذي يواجه فيه سوق الدواء مجموعة من التحديات، بسبب النقص المستمر في عدد من الأدوية، وغلاء بعض الأصناف، نتيجة اضطراب سعر الصرف وارتفاع الدولار.

تساؤلات ومخاوف مشروعة

"لست ضد الشراكة مع القطاع الخاص، لكن وفق ضوابط واشتراطات محددة"، هكذا يعقب خبير السياسات الصحية ومدير برنامج "الحق في الصحة" علاء غنام، موضحاً "لدينا مخاوف حقيقية من المقترح، يجب معرفة أهداف القانون وفلسفته ودراسة حجم القطاع الخاص ومدى انسجامه مع معايير الجودة التي تشرف عليها هيئة الاعتماد والجودة، ومن سيلتزم بالشروط التي ستوضع".

ويشدد غنام، خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية"، على ضرورة ألا يسمح للقطاع الخاص، لا سيما المستثمرون الأجانب، بـ"الاستحواذ أو احتكار أو امتلاك المستشفيات العامة، لأن ذلك سيشكل خطراً حقيقياً، وإذا أراد المستثمر الأجنبي الاستثمار فعليه إما بناء مستشفى جديد أو استكمال بناء مستشفيات أهلية".

"لو لم يتم وضع ضوابط ومفاهيم حقيقية في الشراكة مع القطاع الخاص سيكون هناك احتكار ورفع كلفة العلاج على المرضى، لأن المستثمر وقتها سيكون الطرف الأقوى، وهو من سيحدد السعر وهذا أمر خطر"، وفقاً لـ"غنام"

ويوضح مدير برنامج الحق في الصحة، أن مصر بها 2000 مستشفى خاص و600 مسشفى عام، وعدد الأسرة في المستشفيات العامة أكبر من الخاصة، ونواجه إشكالية كبرى في عمل بعض الموظفين في القطاعين العام والخاص معاً، وهو ما يتناقض مع التأمين الصحي الشامل، مشيراً إلى أن وحدات طب الأسرة "لا بد أن تكون مملوكة للدولة، لأن بها البيانات الأساسية للمرضى، ويمكن عمل خطط وإحصاءات من خلالها في ما بعد".

وبحسب تقرير رسمي صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (جهة حكومية) عن عام 2022، بلغ إجمالي عدد المستشفيات بالقطاع الحكومي 664 مستشفى عام 2021 مقابل 662 مستشفى عام 2020.

لا ضمانات أو معايير واضحة

فيما يبدي نقيب الأطباء الدكتور أسامة عبدالحي تحفظه على مشروع القانون، مؤكداً أنه "لا يوجد به أي معايير واضحة لمنح التزام المستشفيات، كما لا يوجد أي ضمانات في القانون لحماية حقوق العاملين في هذه المستشفيات، سواء الأطقم الطبية أو الإدارية، علاوة على عدم وجود أي ضمانات لإلزام المستشفى محل الالتزام باستمرار تقديم الخدمة للمواطنين وفق أي نظام أو لائحة سواء اللائحة الجديدة المطبقة حديثاً، اللائحة 75، أو اللائحة 200 لائحة المراكز الطبية المتخصصة أو بقرارات علاج على نفقة الدولة أو لائحة المؤسسة العلاجية".

وبحسب تقرير رسمي صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ إجمالي عدد المرضى الذين جرى علاجهم على نفقة الدولة بالخارج والداخل 3.3 مليون مريض بكلفة 14.4 مليار جنيه عام 2022 مقابل 2.9 مليون مريض بكلفة 11.1 مليار جنيه عام 2021.

 

وتساءل نقيب الأطباء، خلال حديثه لـ"اندبندنت عربية"، "أي المستشفيات سيجري عرضها لمنح الالتزام؟ وما المعايير التي على أساسها يختار المستشفى الذي يطرح؟"، مضيفاً أنه "لن يكون الحل هو اللجوء لمنح التزام المستشفيات والمنشآت الحكومية للمستثمرين"، مؤكداً أنه إذا جرى وضع الخيار أمام المستثمر لأخذ الالتزام لبناء مستشفى أم إدارة وتشغيل مستشفى "فلن يتقدم أحد لتحمل مسؤولية البناء، ولن تضاف أسرة جديدة لمصر، ولن يتقدم أحد لأخذ التزام إلا للمنشآت الناجحة والواعدة".

ويرى عبدالحي أنه كان من الأجدى على الدولة "منح المستثمرين حزمة من الحوافز، لتشجيعهم على بناء مستشفيات جديدة، لدعم الإمكانات الصحية في مصر، لخدمة آلاف المرضى من المواطنين، ودعم القطاع الأهلي والخاص لتطوير منشآته وتحمل مسؤولياته في تقديم الخدمات الصحية إلى جانب المنشآت الحكومية".

ووفقاً لتقرير رسمي صادر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ إجمالي عدد الأسرة بمستشفيات القطاع الحكومي 83034 سريراً عام 2021 مقابل 88597 سريراً عام 2020.

ويشير نقيب الأطباء، إلى أن مصر لديها تجربة سابقة توضح "كيف أن المستثمرين الأجانب اشتروا المستشفيات الناجحة، وضاعفوا أسعار الخدمات المقدمة بها، ولم يضيفوا أي أسرة، ولا أي قيمة حقيقية لمصر، باستثناء مستثمر واحد فقط قام ببناء مستشفى بالقاهرة وأخرى بالإسكندرية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

خصخصة المستشفيات

ويعضد الطرح السابق المحامي الحقوقي والمدير التنفيذي لجمعية الحق في الدواء محمود فؤاد، الذي يرى أن مشروع القانون المقترح "مرفوض شكلاً وموضوعاً، لأنه يقضي على المجانية، ويفتح الباب لخصخصة المستشفيات، كما أنه يعطي مؤشراً إلى أن القطاع الصحي الحكومي أصبح مرهقاً للحكومة وعبئاً عليها".

وكان وزير الصحة والسكان الدكتور خالد عبدالغفار، قد قال في تصريحات صحافية، إن حجم الإنفاق الحكومي على قطاع الصحة بلغ 32 مليار جنيه في 2014، ووصل حالياً إلى 222 مليار جنيه، موضحاً أن 170 مليار جنيه هو حجم الاستثمار في القطاع الصحي من هذه القيمة.

ويضيف فؤاد، في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، أن مشروع القانون سيفتح الباب للمرة الأولى للقطاع الخاص سواء استثمار محلي أو أجنبي أو كيانات خاصة بإنشاء وإدارة وتشغيل المستشفيات الحكومية ووحدات الرعاية الصحية، وهو أمر يتنافى مع المادة (18) من الدستور "لأنه سيحول قطاع الصحة إلى سلعة وليست حقاً لكل مواطن". متسائلاً "هل مصر لم تعد قادرة على إدارة مستشفياتها الحكومية؟". مجيباً بأن كل المؤشرات تؤكد أن الحكومة "لم تعد قادرة على الإدارة أو الإنفاق، وهو ما سيجعلنا ننتقل إلى مرحلة العلاج بأجر، لأن القطاع الخاص يستهدف دائماً الربح".

 

وألزم الدستور في نص المادة (18)، الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للصحة لا تقل عن ثلاثة في المئة من الناتج القومي الإجمالي تتصاعد تدريجاً حتى تتفق مع المعدلات العالمية، وكذلك بإقامة نظام تأمين صحي شامل لجميع المصريين يغطى كل الأمراض.

وبلغت نسبة الإنفاق السنوي للأسرة المصرية على خدمات الرعاية الصحية ثالث أهم بند من بنود الإنفاق الخاصة بالأسر بنسبة 10.4 في المئة سنوياً في عام 2019 - 2020، بحسب ما أعلن طاهر حسن صالح، رئيس قطاع الإحصاءات السكانية والتعدادات بالجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء خلال مؤتمر صحافي.

وبرلمانياً، قدم عديد من النواب تساؤلات واستجوابات وملاحظات حول مشروع القرار، أعلن على إثرها رئيس لجنة الشؤون الصحية الدكتور أشرف حاتم، في تصريحات صحافية، إعادته للحكومة، لمزيد من الدراسة وضبط مواده.

وفي هذا السياق، قالت عضو لجنة الشؤون الصحية بالبرلمان إيناس عبدالحليم، خلال حديثها إلى "اندبندنت عربية"، إن مشروع القانون المقترح أوجب علاج 70 في المئة من المرضى مجاناً من خلال التأمين الصحي والعلاج على نفقة الدولة، و30 في المئة سيجري منحها للمستثمر لتحديد الأجر المناسب، وهو أمر متعارف عليه في بعض المستشفيات المملوكة للمستثمرين.

وأوضحت عبدالحليم، "أن اختيار المستثمر سيكون من خلال لجنة ستشكل من مجلس الوزراء وتتفاوض معه وتحدد الشروط الملائمة لحسن إدارة المنشأة". لافتة إلى أن الفكرة "ليست مستحدثة ومطبقة بالفعل في عدد من المستشفيات، يديرها القطاع الخاص حالياً، ولم تصل شكاوى من المرضى بشأنها".

وفي مطلع مايو (أيار) الجاري، قال وزير الصحة والسكان الدكتور خالد عبدالغفار، إن شراكات جرت بالفعل مع القطاع الخاص بهدف إدارة وتشغيل عدد من المنشآت الصحية القائمة، وتمثلت في مستشفى مبرة المعادي (المؤسسة العلاجية)، ومستشفى هليوبوليس (المؤسسة العلاجية)، ومستشفى العجوزة (أمانة المراكز الطبية المتخصصة)، ومستشفى الشيخ زايد آل نهيان، ومستشفى أورام دار السلام (هرمل).

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات