Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"ستات الشاي"... ملتقى أحاديث الشباب السوداني

في العاصمة الخرطوم أكثر من 14 ألف بائعة

الغالبية العظمى من بائعات الشاي امتهنَّ هذه المهنة بسبب الظروف الاقتصادية القاهرة لإعالة أسرهن (غيتي)

زائر الخرطوم للمرة الأولى، يشده الفضول لمعرفة ظاهرة تجمعات الشباب في الأحياء أو الأماكن العامة، وهم يتحلقون حول امرأة تستخدم معدات بسيطة لإعداد الشاي والمشروبات الساخنة الأخرى للمارة. يطلق المجتمع على أولئك البائعات "ستات الشاي" وغالبيتهن من المطلقات والأرامل ومن ضاقت بهن سبل العيش، فيما أصبح مكان تجمعهن بمثابة ملتقى لكثيرين من الشباب والفتيات، تحصل فيه مناقشات سياسية وثقافية لما يدور من أحداث راهنة.

ظروف قاهرة

الغالبية العظمى من بائعات الشاي امتهنَّ هذه المهنة بسبب الظروف الاقتصادية القاهرة لإعالة أسرهن. على الرغم من شدة حرارة الشمس طوال العام ونظرة المجتمع السلبية لهن، حليمة سعيد، بائعة شاي منذ 15 عاماً وبحسب قولها "جئت مع أسرتي إلى الخرطوم في 2003، آتين من دارفور بعد تدهور الأوضاع الأمنية والمعيشية بسبب الحرب، ولأن زوجي لا يملك شيئاً، خرجت أبحث عن عمل، ووجدت في مهنة بيع الشاي والقهوة والمشروبات الشعبية مأمناً بغية توفير لقمة العيش، وفي سبيل ذلك تحمّلت كثيراً من المعاناة. ساعات طويلة من العمل تصل إلى قرابة 16 ساعة في اليوم من دون إجازة أسبوعية. مضايقات مختلفة من بعض الزبائن ومن السلطات المحلية التي تحارب هذه المهنة وتصادر أدوات العمل، خصوصاً في فترة النظام السابق. لكن الآن وبعد الثورة، توقفت هذه الحملات ونشعر بأمان". فاطمة كوكو تقول من جهتها "مهنة بيع الشاي أفضل لنا من التسوّل والاعتماد على الغير، على الرغم مما نعانيه من سوء معاملة ونظرة دونية من بعض أفراد المجتمع، إضافةً إلى مواجهة الظلم في أحيان كثيرة أثناء ممارسة أعمالنا على قارعة الطريق"، مضيفةً "قادتني الظروف والصدفة للعمل في هذه المهنة. ففي أحد الأيام، ضاق بي الوضع ولم يكن لدينا في المنزل شيئاً نأكله، فاضطُررت للذهاب إلى سوق شعبي قريب من منزلنا بحثاً عن عمل، وجلست بقرب بائعة شاي أستفسر منها أسرار المهنة ومتطلباتها ولم تبخل عليّ، بل جعلتني أعمل معها قرابة الشهر، ثم بدأت لوحدي. أتممتُ خمس سنوات، والحمد لله. علّمتُ أبنائي ووفرتُ لهم كل ما يعينهم في الدراسة والمعيشة". أمّا ميمونة فضل الله ذات الـ15 عاماً، فاضطُرت إلى وداع عالمها الطفولي والتضحية بتعليمها لتعمل وتعلّم أخوتها الصغار. وبالفعل، حققت أمنيتها بمساعدة أشقائها حسن وعبدالله وتهاني في مواصلة دراستهم بتفوق، وتقول "توفي والدي منذ خمس سنوات وكنا نعتمد خلال هذه الفترة على بعض الأقارب والجيران الذين يقدمون لنا الأكل والملبس، لكن إخوتي الثلاثة بلغوا سن الدراسة وتكاليف المدرسة كبيرة يصعب توفيرها، فقررتُ ترك المدرسة لإيجاد عمل يعينني على تأمين حاجات إخوتي الصغار. وجدت في بيع الشاي والقهوة مدخولاً مناسباً يساعدني في سد حاجات البيت وكذلك يؤمّن المصاريف الدراسية لإخوتي".

أسرار المهنة

ويجد كثيرون من الشباب ضالتهم في مكان تجمعات بائعات الشاي باعتباره ملتقى اجتماعياً ترفيهياً لتجاذب الحديث في مختلف القضايا السياسية والاقتصادية والثقافية والرياضية، إضافة إلى تناسب الأسعار في ظل الظروف الاقتصادية التي يعاني منها الكثيرون. ويشرح جمال الفاتح، شاب في مطلع العشرينات "تخرجت من الجامعة هذا العام وأبحث الآن عن عمل مناسب، ومن حين إلى آخر، ألتقي أصحابي عند بائعة شاي نعرفها، وعندها نستمتع بالجلسة لأننا نجد راحتنا في الحديث، وغالباً ما نتطرق إلى مواضيع الساعة. وفي أحيان كثيرة، تشاركنا "ست الشاي" الرأي بطريقة هزلية لإضفاء جو من المرح، وما يجذبنا أيضاً هو نكهة الشاي المميزة عند "ستات الشاي"، وكأن لديهن أسرار المهنة، فمن يأتي في المرة الأولى، يُصاب بإدمان غريب ولا يجد متعة للشاي، إلاً عند "ستات الشاي". ويشير عثمان خالد "بالنسبة إليّ، أفضل شرب الشاي عند إحدى البائعات، وليست لدي "ست شاي" محددة، لأن جميعهن محترفات. والأهم من ذلك، ما يدور من نقاش من قبل الموجودين حولها، إذ يخلق جواً من الترويح عن النفس وغالباً ما يستمر النقاش لفترة طويلة وقد يتواصل في اليوم التالي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الفقر والحروب

المستشار القانوني عبد الحميد أبو سعيد يرجع انتشار ظاهرة "ستات الشاي" إلى حالة الفقر والحروب التي يشهدها السودان منذ فترات طويلة، مضيفاً "بلا شك أن الظاهرة الأصلية هي ظاهرة الفقر وظاهرة غياب فرص العمل، وظاهرة النزوح والحروب، وظاهرة الضغط في المدن"، مشيراً إلى أن "ظاهرة ستات الشاي، عبارة عن ترجمة لهذه الظواهر". وأوضح أنه بإمكان السلطات توظيف هذه الظاهرة لصالح السودان، بدلاً من مكافحتها خلال النظام السابق الذي كان لهنّ بالمرصاد. ورأى أبو سعيد أنه بإمكان بائعات الشاي "دفع تراخيص ورسوم للسماح لهن بالعمل، وذلك يقتضي أن يتَّبعن الظروف الصحية في الأماكن المحددة وبعض الإجراءات لديمومة العمل الذي يضمن سلامة المواطن وسلامة المستهلك".

أرامل ومطلقات

وتشير دراسة إلى أن عدد بائعات الشاي في محافظة الخرطوم بلغ قرابة الـ 14 ألف بائعة، يعملن لأكثر من 12 ساعة يومياً، ويتعرّضن للكثير من المضايقات، إضافةً إلى العمل في ظروف شاقة في الشارع، ومن اللافت أنّ 87 في المئة منهن يقعن في الفئة العمرية بين 18 و45 سنة، وأن 45.1 في المئة منهن غير متزوجات، و33 في المئة متزوجات، و21 في المئة أرامل ومطلقات. وتوصّلت الدراسة إلى أنّ 88.6 في المئة من بائعات الشاي في الخرطوم نازحات أو مهاجرات من مناطق ريفية، منوهةً إلى أنّ قطاع بائعات الشاي في تضخّم وازدياد، لأنّ أسباب الظاهرة كبيرة، وهي الحرب وصعوبة الأوضاع الاقتصادية وارتفاع نسبة الأمية وضعف المستوى التعليمي.

تجمع عفوي

وتمثل "ستات الشاي" نموذجاً للمرأة السودانية الكادحة، التي تحدت ظروف الحياة والمجتمع السوداني المحافظ لتتمكن من الحصول على قوت يومها عبر هذه المهنة التي يرى السودانيون أنها أصبحت جزءًا من حياتهم لا يمكن الاستغناء عنه. وكانت مهنة بيع الشاي في السودان في بدايتها، تخص النساء المتقدمات في السن في الأسواق الشعبية بعدما بدأت المقاهي تفقد بريقها في السودان، وكانت مهنة محدودة وغير لافتة للانتباه، لكنّ ظاهرة "ست الشاي" بدأت تأخذ أهميتها في فترة منتصف التسعينيات وبداية الألفية الثالثة في السودان في عهد النظام السابق، أما حالياً، فباتت تعكس تجمعاً عفوياً لعدد كبير من المواطنين، بخاصة الشباب للترويح عن أنفسهم، بتكلفة مقبولة جداً مقارنةً بالمقاهي.