ما تحديات تحقيق السلام في السودان؟

إعادة هيكلة الدولة خصوصاً فيما يتعلق بالعلاقة الدستورية بين المركز والأطراف ونصيبها من الثروة القومية

حافظ مطلب السلام في السودان على أولوية مطلقة طوال تاريخه الحديث، خصوصاً في أعقاب أي تغيير سياسي سوداني، بعد ثورتي 1964 و1985، وها هو يحافظ على المكانة نفسها المتقدمة في أعقاب ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018. وقد تكوَّنت بعد كل ثورة إما موائد مستديرة للحوار الوطني، وإما مؤتمرات جامعة.

أمَّا هذه المرة فقد تكوَّنت طبقاً للوثيقة الدستورية "مفوضية السلام" التي صدر قرارٌ بأن يترأسها القيادي اليساري الشفيع خضر، فما الذي يجعل سلام السودان هذه المرة ممكناً؟ وهل يكون سلاماً شاملاً، بمعنى مع كل الحركات المسلحة المنتشرة على تخوم السودان شرقاً وغرباً، أم سيخرج من مظلته بعض الحركات التي ما زالت مشكلتها مع المركز بمعناه الثقافي ماثلة، وتعوق فعلاً تحقيق حالة سلام شاملة؟

الاتفاق المبدئي الذي أُبرم بين المجلس السيادي والجبهة الثورية بالعاصمة الجنوب سودانية جوبا، ليس إلا اتفاقاً إطارياً اهتم بتهيئة المناخ للمباحثات الفعلية التي ستبدأ في منتصف أكتوبر (تشرين الأول)، ,وتستمر مدة لا تتجاوز شهرين.

ولعل اللافت في هذا الاتفاق الموقّع، ويحوز جدلاً حالياً هو تأجيل تعيين ولاة الولايات بالسودان في خطوة يمكن تفسيرها بأنها تعبّد الطريق إلى قادة الحركات المسلحة، ربما لأن يكونوا ولاة على مناطقهم، كعودة مالك عقار مثلاً على رأس ولاية النيل الأزرق، وكذلك عبد العزيز الحلو في ولاية جنوب كردفان، وهي التي تنافس على توليها انتخابياً عام 2011، مع أحمد هارون ممثل نظام البشير، لكنه خسر هذه الانتخابات التي وصفت بـ"المزوَّرة".

كما اهتم الاتفاق بإجراءات بناء الثقة بين الأطراف، ومنها إطلاق سراح كل المعتقلين أو المحكوم عليهم بأحكام سجن من عناصر الحركات الموقعة على الاتفاق المبدئي، وكذلك إلغاء قوائم الممنوعين من السفر، وفتح الممرات الآمنة للمساعدات الإنسانية لسكان المناطق التي تسيطر عليها الحركات المسلحة.

ما الحركات المسلحة؟
ربما يكون أشهر اسم مطروح هذه الأيام هو الجبهة الثورية، لأنها كانت جزءاً من تحالف الحرية والتغيير، الذي قاد الثورة السودانية حتى كوَّنت حكومتها الانتقالية، مطلع سبتمبر (أيلول) الحالي، لكن الجبهة الثورية خرجت من التحالف قُبيل توقيع الوثيقة الدستورية في الـ17 من أغسطس (آب) الماضي، في محاولة أن يتم الاتفاق على إطار حاكم للوثيقة الدستورية فيما يخص السلام السوداني، يضمن رفع المظالم عن الأطراف طبقاً لمقولات قادة الحركات، لكن هذا المنطق لم يُمرر، فلم توافق عليه قوى الحرية والتغيير على ما قالت إنه "محاولة لمحاصصة سياسية"، كما لم يجد سنداً إقليمياً في كل من أديس أبابا أو القاهرة أو جوبا، وهي العواصم التي لجأت إليها الجبهة الثورية لتحقيق مطالبها.

وهذه الجبهة مكوَّنة من ثلاث حركات رئيسة، اثنتان منها دارفورية، هما حركة العدل والمساواة برئاسة جبريل إبراهيم، وحركة تحرير السودان برئاسة مني أركو ميناوي، بينما المكوّن الثالث هو الكوماندور مالك عقار المسيطر نسبياً على إقليم النيل الأزرق جنوب شرقي السودان، هذا إلى جانب حركتي البجة وشرق السودان في شرقي السودان، وحركة تحرير كوش في شمالي السودان. إلى جانب هذه الجبهة يوجد عبد العزيز الحلو رئيس المجلس الانتقالي للحركة الشعبية شمال، الذي يسيطر على أجزاء من جبال النوبة في جنوب كردفان الواقعة في جنوب وسط دولة السودان الشمالي.

أمَّا الحركة التي لم توقّع هذه الاتفاقية، كما لم توقّع على إعلان الحرية والتغيير للثورة السودانية هي حركة تحرير السودان الدارفورية، التي يتزعمها عبد الواحد محمد نور قائد حركة تحرير السودان، والمستقر حالياً في باريس، وهو الرجل الذي يرفض صيغة المجلس السيادي كونها مشتركة بين مدنيين وعسكريين، ويرى أن قوى الحرية والتغيير خُدِعت، وشاركت السلطة مع اللجنة الأمنية للرئيس المخلوع عمر البشير، وأن المركز أعاد إنتاج نفسه بالتحالف مستثنياً قوى الهامش، أي العنصر الزنجي من الشعب السوداني، وهي التي شاركت بفاعلية كبيرة في الثورة السودانية على مدى نصف العام تقريباً.

قضايا السلام
على الرغم من الاتفاق بين الأطراف على أن تكون جوبا هي موقع استضافة مباحثات السلام السودانية فإنه من غير المتوقع أن يكون التفاوض شأناً سودانياً داخلياً، ذلك أنه من المتوقع أن يشارك فيها الاتحاد الأفريقي، ومنظمة الإيجاد المعنية بالتنمية ومكافحة التصحر في دول شرق أفريقيا، وكذلك شركاء منظمة الإيجاد من المجتمع الدولي، وهي ترويكا مكوّنة من السويد والنرويج والولايات المتحدة الأميركية.

ولعل هذه التركيبة الطويلة من الوسطاء يبررها تركيب وتعقيد قضايا السلام السودانية، التي برزت منذ استقلال السودان عام 1956، وكذلك اللجوء إلى تدويلها من جانب نظام البشير كآلية من آليات المراوغة، فضلاً عن أن ممارسات هذا النظام، وما خلَّفته من إبادة جماعية لفت أنظار العالم، ودفعه إلى التدخل المباشر، اعتباراً من عام 2003.

ولبيان عمق وامتداد المشكل السوداني نشير إلى أنه قد سبق استقلال السودان تمردٌ مسلحٌ في مدينة توريت الجنوب سودانية في أغسطس (آب) 1955، بينما برز أول تمرد على الخرطوم من دارفور عام 1961، إذ حافظ كل من الجنوب والغرب على علاقة متوترة بالخرطوم على مدى عقود، أنتجت حروباً أهلية طويلة ومآسي إنسانية، وهي الأمور التي أنهكت السودان الذي كان موعوداً بأن يكون سلة غذاء العالم العربي، فجعلته عاجزاً عن توفير أمنه الغذائي الذاتي، وجعلت رئيسه المخلوع وعدداً من رموز نظامه مطلوبين من المحكمة الجنائية الدولية، وجعلت السودان على لائحة الدول الراعية الإرهاب، بعد أن ضلع على مدى سنوات في فترة حسن الترابي بالسلطة 1989 - 1999 في دعم الحركات الجهادية بشرق أفريقيا، ونظّم علاقات بأحزاب الإسلام السياسي في المنطقة العربية حتى نهاية التسعينيات، وتورط في التخطيط لاغتيال رئيس دولة (حسني مبارك).

ولن تكون قضايا السلام السودانية مرتبطة بمجرد مصالحة سياسية أو حصول زعماء الحركات المسلحة على تمثيل سياسي، لكنها سوف تمتد لتشمل إعادة هيكلة الدولة السودانية ذاتها، خصوصاً فيما يتعلق بالعلاقة الدستورية بين المركز والأطراف، ونصيب الأطراف من الثروة القومية.

وقد دشنت اتفاقية نيفاشا المعقودة عام 2005 بين شمال وجنوب السودان مفهوم تقاسم الثروة والسلطة، وهو المفهوم الذي بات مؤثراً في مجمل المشهد التفاوضي السوداني، خصوصاً تحت مظلة غياب عمليات التنمية عن كل أقاليم السودان لا الهامش فقط.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى الرغم من أن نظام الحكم بالسودان نظرياً هو نظام فيدرالي، فإن هذا النظام لم يتم الاتفاق عليه دستورياً، أو تحدد مفاهيمه، فبقي تنفيذ آلياته ضمن الإطار القانوني فقط، وهو ما جعل من السهولة بمكان للحاكم أن يغير القانون أو يخرج عليه، خصوصاً وهو يمتلك سلطة تسمية وعزل ولاة الأقاليم أو الولايات.

وطبقاً لهذه الخبرة السلبية فإن آليات أخرى للحكم الفيدرالي هي المطروحة في ذهنية الحركات المسلحة، وربما قادة المركز أيضاً، وذلك طبقاً للنماذج العالمية، حيث إنه من المطلوب أن يقر هذا النظام دستورياً مع تحديد واضح لآلياته، وبهذا المعنى سيبقى حجم سلطة الأطراف هو المتفاوض عليه، فهل سيكون المركز مسؤولاً عن العلاقات الخارجية، والأجهزة الأمنية، خصوصاً القوات المسلحة فقط، بينما يكون للأقاليم القدرة على الحفاظ على هُويتها الذاتية، وتؤول إليها سلطات تشريعية وتنفيذية على المستوى المحلي متضمنة السلطات الأمنية؟ والأهم ما نصيب الإقليم في ثرواته؟ هل يحصل على غالبيتها أم مجرد نسبة بسيطة منها؟ وهو أمر سيكون بالغ الحساسية، وذلك لحاجة الدولة ككيان إلى تمويل مشروعها في الإصلاح الاقتصادي الشامل، وأيضاً حاجة الأطراف إلى الحصول على جزء كبير من هذه الثروة ربما كتعويضات عن فترات المظالم، وأيضاً لدعم أوزان الأقاليم في مواجهة المركز المتهم دائماً بالاستيلاء على ثروات السودان التاريخية لنخبه السياسية في الوسط.

إجمالا، تبدو لنا فرص نجاح بلورة اتفاقية سلام شامل في السودان كبيرة هذه المرة، وذلك لعدة أسباب، منها فشل تجربة دولة جنوب السودان، إذ إن حصول الجنوبيين على استقلالهم لم يحل دون اقتتالهم الأهلي الذي بلغت ضحاياه ما يقرب من 400 ألف نسمة، وتسبب في تهجير الملايين من مواطنهم المحلية، كما هدد هذا الصراع الاستقرار الإقليمي في منطقة شرق أفريقيا، وهو أمر يضعف على المستوى الداخلي دعاوى الحكم الذاتي للأقاليم في السودان أو الانفصال، خصوصاً في منطقة دارفور، أمَّا على المستوى الخارجي فقد وضح للجميع تأثير مدى رعونة واشنطن التي كانت تدفع وراء تقسيم السودان بكل السبل.

أمَّا العامل الثاني الذي يعطي السلام السوداني فرصه، فهو أن الحركات المسلحة فقدت نهائياً أي دعم دولي، خصوصاً بعد متوالية الانقسامات التي جرت في دارفور منذ عام 2003، ونالت من مصداقية هذه الحركات، فضلاً عن حساسية الموقع الجيوسياسي للسودان، الذي يجعله رمانة الميزان في الأمن الإقليمي، وربما الدولي من زاويتي مكافحة ظاهرتي الإرهاب والهجرة غير الشرعية، والممتدة من شرق أفريقيا إلى غربها.

إذن التضحية باستقرار السودان ستكون أثمانه باهظة، خصوصاً مع حالة السيولة الأمنية والاقتتال الأهلي في ليبيا، وهي الحالة التي ستدفع ربما إلى ممارسة ضغط فرنسي على عبد الواحد نور الخارج الوحيد عن التفاهمات الراهنة، ربما يفضي إلى انضمامه إلى سرب الحركات الموقعة على اتفاقية سلام، خصوصاً مع تراجع شعبيته في دارفور، والإنهاك الكبير الذي يعانيه السكان هناك من وراء الصراعات المسلحة.

أمَّا العامل الثالث في فرص نجاح بلورة سلام هذه المرة فهو داخلي بامتياز، إذ تبدو اتجاهات الحكومة السودانية واضحة في مسألة دعم السلام السوداني، فرئيس الوزراء عبد الله حمدوك وأعضاء وزارته هم أبطال المنادة بدولة المواطنة المتساوية في السودان على زمن عمر البشير، وهم المدركون حالة التنوّع السوداني الذي عرقل على مدى تاريخه الحديث الاندماج الوطني في هذه الدولة.

من هنا فإنه من المتوقع أن يصاغ دستور السودان هذ المرة على أسس أكثر عدالة، وأكثر استجابة لحساسيات التنوع العرقي والثقافي بالسودان، ويغير بالتأكيد منظومة السلطة الحاكمة.

المزيد من رأي خبير